أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

معركة التماثيل

السبت 30 آذار , 2013 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,910 زائر

معركة التماثيل

دائماً يداه في جيبه. اختار النحات الأرمني زارا مازمانيان هذه الصورة «الأبديّة» للرئيس الراحل رفيق الحريري في تمثاليه اللامعين، لأسباب غير مفهومة إطلاقاً. قرب فندق «فينيسيا»، دسّ كلتا يديه في جيبيه، متفرجاً على البحر. وقرب السرايا، احتفظ بيدٍ في بنطاله البرونزي.

 

وأسلم الثانية للهواء. وبمعزل عن الظروف التي رافقت إنشاء التمثالين، فمن ناحية فنيّة صرفة، لدينا بين النحاتين اللبنانيين المرموقين من يصف التمثال الثاني تحديداً بالـ«عاهة»، لشدة ما فيه من «أخطاء هندسيّة»، ويرفض كذلك المساحة المفردة (للتمثال) للأول. حتى الآن، لا أحد يعرف كيف سيكون التمثال الذي كان من المفترض أن يصنعه الإيطالي مارك باراني في ساحة الشهداء عام 2010. ولا أحد أيضاً يعرف إن كان «النزاع» العكاري سينتهي إلى وضع تمثال للحريري، ويداه في جيبيه، مكان التمثال المفترض للأسير يحيى سكاف.

 

أبي شهلا «تبع» الاستقلال؟

 

تعكس علاقة اللبنانيين بالأنصاب التذكاريّة اهتمامهم بالسياسة وإيغالهم فيها، على قاعدة الاختلاف لا التلاقي. التماثيل المعروفة تعود إلى سياسيين، في مراحل كان فيها الوطن مشرذماً. أما التماثيل الأخرى، إن وجدت، فتغرق في بحر التجاذبات وصراع الهويّات شبه الأزلي لبنانيّاً. في الأونيسكو، مثلاً، تمثال لا يستهان بحجمه، لرجل من حديد، بنظارة سميكة، وشاربين قصيرين: «رجل الاستقلال» حبيب أبي شهلا. يدخل الطلاب إلى مباني الجامعة اللبنانيّة القريبة ويخرجون، وليس بينهم غير اثنين من أصل عشرين يعرفون «الرجل الذي في التمثال». يعترفون بالأخير معلماً يميّز المنطقة، ولكنهم لا يعرفون صاحبه. وإذا عرفوا اسمه سألوا على الفور: «تبع الاستقلال؟». يعني ذلك أن أبي شهلا مرّ في كتاب التاريخ المدرسي، لكن صورته لم تمرّ في رؤوس اللبنانيين. على عكس رجلي الميثاق الوطني «القويين» في الاستقلال، الرئيس بشارة الخوري، الذي نسف تمثاله عام 1984 وأعيد بعد الحرب إلى مكانه، ليختبئ الآن قرب ورشة لا أحد يعرف متى تنتهي إلا الله، والرئيس رياض الصلح الذي تطاوله سهام المفرطين في معارضة الجو الكولونيالي الذي تسلق الصلح درجاته للوصول. لم يصنع التمثال، ولا الكتب التي كتبت عنه، من الصلح «زعيماً» وطنيّاً. رياض الصلح ليس ونستون تشرشل ولا فلاديمير لينين، رغم تمثاله الصاعد إلى السماء.

 

التمثال السياسي لا الوطني

 

أكسبت الأحداث الأخيرة التماثيل أهميّة لفظيّة، تحديداً تمثالي رياض الصلح والشهداء. فلأن اللبنانيين وجدوا ساحاتهم هناك، استعان المتظاهرون بالتماثيل لاجتراح التسميات المكانيّة. وهذا يناقض الشائع، حيث تضيف التماثيل إلى الساحات معنىً تاريخيّاً، عادةً، كأنصاب أبطال الحروب، والأنصاب التي تجسد أصحاب المواقف الحاسمة، و«الجندي المجهول» الذي لدينا واحد منه في المتحف. المتحف المنطقة لا المتحف المبنى المنسي. هنا، في رياض الصلح، تظهر اجابات عجيبة عن السؤال الآتي: «من هو رياض الصلح». تأتي إجابات المارة على النحو الآتي: «رئيس حكومة من صيدا». «عميل بريطانيا». «رئيس حكومة الاستقلال». «رئيس من صيدا كالحريري». والإجابة الأخيرة تكررت أكثر من مرة، ما يدل على رسوخ الحاضر في «الوعي الجماعي» اللبناني أكثر مما لقنوا في كتاب التاريخ الزائف. لم يبق من صورة رياض الصلح الجامعة إلا «الطربوش» الذي يمثّل المرحلة الزمنيّة. كانت مرحلة «ملتبسة»، فالتبس التمثال على ناظريه إلى الأبد. الرئيس بشارة الخوري، باليد العملاقة في تمثاله، التي تبدو يد «زوس» لا يد الرئيس الاستقلالي، معروف؛ لأن تمثاله يستكين في تقاطع حيوي. ليس التقاطع معروفاً؛ لأن التمثال فيه. هذا ما لا يحظى به تمثال جبران خليل جبران الذي سبّب نزاعاً بين الرئيس السابق إميل لحود والرئيس الراحل رفيق الحريري. تمثال جبران خجول كصاحبه. يقبع في زاوية غير حيويّة، ما يجعله منسيّاً. فضلاً عن أن «حصة الأسد» من تماثيل اللبنانيين تذهب للسياسة وأهلها، لا للمفكرين والأدباء. صحيح أن الشهيد سمير قصير حصل على تمثال، لا يشبهه بشيء، قرب مبنى «النهار»، لا أحد يعرف كيف اخترعه النحات الفرنسي لويس ديربريه، في 2 حزيران 2006، لكن ذلك حدث لأن قصير أوغل في السياسة لا في الصحافة، حاله حال الشهيد جبران تويني، الذي بُني له نصب في المكلس حيث اغتيل. والصحافيان يتساويان في هذا مع النائب الكتائبي بيار الجميّل، الذي شيد نصب لتخليده في الجديدة حيث قتله مسلحون في وضح النهار. وإلى الراحلين الجدد، هناك تمثال الرئيس بشير الجميّل، الموجود منذ 1983، في أعلى هضاب الأشرفيّة. هذا عصي على التصديق الآن، ولكن يقول سكان المنطقة إنها كانت هضبة وكانت مرتفعة. والنصب البشيري مرآة ساسين؛ ويعكس ثقافة أهلها. دائماً، التماثيل اللافتة تذهب إلى السياسيين، كأن اللبنانيين يرغبون في تخليد نزاعاتهم قبل أن يتفقوا على تسويتها.

 

حراس (هيكل) الذاكرة

 

 

وبعيداً عن النزاعات، ثمة تخليد للجريمة. ففي مواجهة منتجع «سان جورج»، ينضح المبنى المشظى بآثار الحدث القديم. مبنى فارع الطول، ولكنه فارغ من الحياة؛ على صورة المدينة ينتظر السقوط ليستريح. كأنه كان رجلاً في الأساس. يقذف ثقوبه الضخمة في وجه الناظر إليه، ويعرفه العابرون الذين يشيرون إليه بأصابعهم، فيتهامسون بلا حماسة عن الجريمة البشعة (14 شباط 2005) التي أودت به. المبنى الذي على هيئة رجل، المسكون بالشظايا، لافت أكثر من عبارة «أوقفوا سوليدير» المكتوبة باللغة الإنكليزيّة، على الشرفة المقابلة غرباً، وقطعاً، أكثر من التمثال الصغير للرئيس الراحل رفيق الحريري، الذي يستكين بقربه. وقبل الحديث عن «رجل الأمن» الذي يحرس التمثال، الذي بدوره يحرس الذاكرة افتراضاً، يبدو التمثال في الأساس الابن الشرعي للمبنى الملاصق. ورغم أن شبه حديقة خضراء استحدثت إلى جانبه، فإنه ينتصب في «قرنة» تجعله يبدو مقطوعاً من المبنى المشظى، أو استكمالاً لامتداده الطبيعي. لأن التمثال يمجّد الرجل بالنسبة إلى كثيرين وضع هناك، ولأن صاحبه لا يستحق المجد في رأي كثيرين، جاؤوا بـ«رجل الأمن» إلى جانبه، لحراسته من «غزوات» الرافضين. وهذا نقيض للشائع، أي وجود رافضين لحق العظماء في المجد. عادةً، تكون التماثيل لأشخاص ليسوا بحاجةٍ إليها. وكما يبدو الحريري في نصبه البرونزي البرّاق إذا كانت الشمس حادة، والباهت إذا حلّت العتمة، والذي صممه النحات الأرميني، جزءاً من المبنى الشاهد، فيحدقان كلاهما كل على طريقته بالعابرين، كذلك يبدو «رجل الأمن» بدوره استكمالاً للمساحة الخضراء التي ثُبت التمثال فوقها. وعلى هذا النحو، يؤدي الجميع وظيفة الحراسة بوتيرة بطيئة. المبنى يحرس ذاكرة المدينة، التمثال يحرس ذاكرة المبنى، ورجل الأمن المفتون بملل الانتظار العبثي يحرس التمثال. وهذا الشرح، يستند إلى شهادات مارّة، استوقفهم التمثال، فمنهم من يبتسم ومنهم من لا يكترث. قلة هم الذين يسألون. حتى الذين يسألون، من الأجانب، يستغربون الحاجة إلى التمثال، في ظل وجود المبنى على حاله، ويستغربون وجود حارس، إلى جانب تمثال! ليس من تفسير لوجود حارس للتمثال، سوى أن القيّمين عليه يخشون أن يحلّ فيه ما حلّ بأمثاله في البلاد القريبة.

في روايته الشهيرة، «خفة الكائن التي لا تحتمل»، يمرّ الكاتب التشيكي ميلان كونديرا على حطام المبنى البلدي في براغ بسخرية. وتتجاوز قراءة كونديرا للأحداث التاريخيّة المألوف؛ إذ يجزم بأن التشيكيين تركوا الركام على حاله، كي يشعروا بأنهم تضرروا من الحرب أيضاً؛ لأن الدمار العظيم في أوروبا بعد الحرب العالميّة الثانيّة يصيبهم بالخجل. ولكن في لبنان، لماذا يترك اللبنانيّون حطامهم إلا لأن الحرب مستمرة. وكيف تقام التماثيل أثناء الحرب وقبل رسوخ نتائجها. الحرب مستمرة، وإن كان هذا تعليقاً مجازيّاً. بيروت ليست براغ. والحريري ليس ميلان كونديرا. هذا صحيح، غير أن ثمة مؤكداً واحداً: إذا أدت التماثيل وظيفة التأبيد المرجوة منها، فإن اللبنانيين ستصبح لديهم نسختهم العربيّة من أصحاب النصب البرونزيّة الشامخة. الرئيس الخالد رفيق الحريري.

 

عبد الناصر ينتصر على الجميّل

 

خلال عهد الرئيس السابق أمين الجميّل، نزعت السلطات «الواجهة البرونزيّة» التي تشكل تمثال الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. في محلة عين المريسة. وكما يذكر «مياومون» على «الكورنيش»، استبدل الجيش اللبناني التمثال بالعلم اللبناني. وكان هذا أوضح مثال على علاقة التمثال بالسلطة والمكان. لاحقاً، إثر «انتفاضة 6 شباط» التي قادتها حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي، أعيد التمثال إلى مكانه قرب المسجد. وعلى سيرة حركة أمل، ملأت الحركة مناطق نفوذها في الشياح، بمجسمات صوريّة لإمامها المغيّب موسى صدر، وهو الأمر الذي تابعه حزب الله، بعد توسع نفوذه في الضاحية. النصب، يعكس ثقافة مشيّده أيضاً؛ إذ إن الحزب الاسلامي لم ينشئ التماثيل، نظراً إلى وجود فتوى دينيّة تحرم «إنشاء التماثيل لأشخاص على نحو تام». لذلك، يمكن اليوم، بوضوح تام، تمييز النصب التي يقيمها الحزب تخليداً لشهدائه في الجنوب، عن تماثيل الآخرين، كالحريري والصلح.


Script executed in 0.18871712684631