يمتلك الرجل، قبل الاستشارات النيابية الملزمة، اكثرية نيابية موصوفة تؤهله للانضمام الى نادي رؤساء الحكومات تبلغ 68 نائبا، واذا بلغ مسعى الرئيس نبيه بري خواتيمه الأخيرة اليوم، فان سلام سيحصد رقما قياسيا بوصفه رئيسا مكلفا، لتبدأ بعد ذلك الرحلة الأصعب وهي رحلة التأليف ومن بعدها البيان الوزاري.
عمليا، حظي تمام سلام بلقب «دولة الرئيس»، ودبت الحيوية من جديد في «دار المصيطبة»، كما كان الحال في هذا البيت البيروتي العتيق ايام الرئيس الراحل صائب سلام.
بدا واضحا أن الفريقين الآذاريين حريصان على تقديم صورة منمقة سياسيا لكل منهما، وكما تبنت السعودية و«قوى 14 آذار»، مرشح وليد جنبلاط لرئاسة الحكومة، بديلا لأشرف ريفي، فإن «قوى 8 آذار»، بقوة دفع من «حزب الله» والرئيس بري، تلقفت الشق الثاني من المبادرة الجنبلاطية: «المطلوب حكومة سياسية، أي حكومة وحدة وطنية لا تستبعد أي طرف داخلي، واذا لم يتحقق ذلك، فان جنبلاط لن يشارك فيها أو يعطيها ثقته».
بدا واضحا أن الزعيم الدرزي، قد أعطى التزاما سياسيا لا عودة عنه، أقله في المرحلة الراهنة، وصار لزاما على «المعنيين» بالأمر أن يتلقفوا هذا الالتزام.
تلقف نبيه بري الرسالة وأبلغ حلفاءه استعداده للسير بتسمية سلام، بضمانة جنبلاط. ميشال عون قرر العكس. أن يطلب تأجيل الاستشارات لأن الرئيس الذي سيكلف لم يكلف نفسه عناء أخذ رأينا وقال أكثر من ذلك بكثير... وصولا للتلويح بالمقاطعة أو الامتناع. حزم «حزب الله» أمره بعد اجتماع لشورى الحزب، ناقش الخيارات الاستراتيجية: اما شراكة كاملة أو خروج طوعي من السلطة.
التقى الحزب مع بري في الاستعداد للقبول بالخيار الأول لكن المهم هو التوصل الى قرار مشترك لا أن ينفرد أي طرف بخيار سياسي أحادي الجانب.
توجه المعاون السياسي للأمين العام لـ«حزب الله» حسين خليل ووفيق صفا الى عين التينة، ومنها الى الرابية حيث اجتمعا بالعماد عون بحضور الوزير جبران باسيل، ومن هناك انتقل خليل وباسيل وصفا الى عين التينة وعقدوا اجتماعا مع بري، بحضور الوزير علي حسن خليل استمر حتى ساعة متأخرة ليلا، كانت خلاصته الأخيرة «الذهاب بموقف موحد الى الاستشارات، بأرجحية الاقتراب من تبني خيار تسمية تمام سلام».
بقي أن تشهد ساعات ما قبل ظهر اليوم بعض المشاورات السريعة، للاجابة عن بعض الهواجس العونية تحديدا، ومن بعد ذلك، تجتمع الكتل النيابية، وتعلن مواقفها منفردة، بالذهاب الى خيار تسمية تمام سلام.
وما أضفى مناخا ايجابيا، هو حرص سلام على فتح قنوات مع بري و«حزب الله» قبل سفره الى السعودية وبعد عودته منها، وهو أبلغ سائليه أنه غير مرشح للانتخابات، وهي العبارة التي رددها أمام «رفاقه» المشاركين في اجتماع «قوى 14 آذار» في «بيت الوسط»، مساء أمس، واضاف انه حريص كل الحرص على حكومة يتمثل فيها الجميع من دون استثناء، من دون أن يحدد بلغة حاسمة طبيعة الحكومة الجديدة وهل تكون حكومة حيادية أم سياسية أم مطعمة؟
النتيجة أن للسعودية و«فريقها» ـ بالشراكة الكاملة مع جنبلاط ـ أن يقررا حكوميا. وللسوري والايراني، بالشراكة الكاملة مع «قوى 8 آذار»، أن يكون لهما هذه المرة حق «الفيتو».
النتيجة أيضا أن الحكومة ذهبت برئيسها وبوظيفتها وطبيعة تركيبتها للسعودية وحلفائها وأولهم الحليف الجديد ـ القديم وليد جنبلاط، أما القانون الانتخابي، وهو العنصر الأكثر حيوية فقد أصبح قرار الحل والربط فيه للمسيحيين، بأحزابهم وكنيستهم، متكافلين ومتضامنين مع نبيه بري و«حزب الله».
تمام سلام ليس في نظر «8 اذار» شخصية قتالية او صدامية، واكثر من ذلك ليس شخصية منفـِّرة، والمشكلة ليست في شخصه، بل في مصدر تسميته لرئاسة الحكومة، غير أن الضامن حتى اشعار آخر هو وليد جنبلاط برفعه سقف حكومة الوحدة الوطنية.
بهذا المعنى، لم يعد تكليف سلام هو الحدث ولا تسليم نجيب ميقاتي بالخسارة، بل صارت الأسئلة متمحورة حول سر الاستدارة الجنبلاطية من جهة وماذا حصد في مقابلها من جهة ثانية، الى درجة أن يتحول زعيم جبل لبنان الجنوبي، الى قوة عالمية بكل معنى الكلمة.
قال وليد جنبلاط أنا اول من اتصل بسلام «وأتمنى أن يلقى اختياري له صدى ايجابيا لدى الجميع». لقد اختار مدير المخابرات السعودية الأمير بندر بن عبد العزيز ورئيس أكبر كتلة نيابية في لبنان سعد الحريري اللواء أشرف ريفي «وقد رفضت خيارهما لأنه خيار تحدّ».
لم يستثن جنبلاط أحدا من نصائحه لا القيادة السعودية ولا رئيس مصر ولا الملك عبد الله الثاني ولا ايران ولا قيادة «حزب الله»: أنا من يقرر هوية رئيس حكومة لبنان وأنا من يقرر هوية ووظيفة الحكومة الجديدة.
للوهلة الأولى، اعتقد كثيرون أن السعودية أمسكت بالملف اللبناني مباشرة. هي لحظة لطالما تمنى السعودي بلوغها منذ سنتين. طار تمام سلام الى السعودية وعاد بطائرة الحريري وعلى نفقته، بينما كان موكب سفير السعودية علي عواض عسيري، يذكر بمن سبقه من أهل المواكب على مر تاريخ لبنان الحديث والقديم.
أشعرت الحركة السعودية القريب والبعيد بأن المملكة عادت وصار الأمر لها، لكن وليد جنبلاط سرعان ما أشعر بالعكس في طلته الليلية عبر «كلام الناس». قال الرجل: «سجلوا للتاريخ.. أنا أخرجت السعودية قبل سنتين وأنا من يعيدها الى لبنان اليوم».
يطرح ما جرى في الساعات الـ 72 الماضية أسئلة كثيرة:
هل هناك من يملك القصة الحقيقية التي جعلت تمام سلام رئيسا مكلفا؟
هل ان نجيب ميقاتي اكبر الخاسرين، ومن الذي نصب الكمين له وهل قام الرجل بدعسة ناقصة أو أنه اطمأن أكثر من اللازم لجنبلاط و«الدول» ومن زين له الطريق داخليا كي يذهب برجليه الى الفخ؟
رب قائل ان من حق الحريرية ان تشعر بالانتصار بعد سنتين من لعق المرارة، لكن هل الانتصار المحكي جاء بسواعدها أم بسواعد جنبلاط و«الدول»؟
أي حكومة ستتشكل بعد التكليف، هل ستضم «حزب الله»، وهل صحيح ان في خلفية تكليف سلام، اصرارا سعوديا على مد اليد الى «حزب الله» وتثبيت معادلة الاستقرار في لبنان ومن ضمنها النأي بالنفس عن الأزمة السورية؟ أم أن المطلوب حكومة تضع لبنان مباشرة على خط الزلزال السوري، وتحديدا في مواجهة النظام؟
هل تصرف «حزب الله» ونبيه بري الهادئ والعاقل مع تسمية سلام يعبر عن فهم ومعرفة لوقائع اقليمية وداخلية، ام انه يقوم على عملية امتصاص ذكية لوقائع اللحظة الحالية لهضمها والحد من الخسائر وتكييف النفس مع الواقع الجديد؟
ما هو موقع ميشال عون الجديد وهل صحيح انه اكبر الخاسرين بعد ميقاتي، وهل يمكن أن تتكرر تجربة حصوله على عشرة وزراء وحقائب على طريقة الحكومة الميقاتية؟ ابعد من ذلك، هل يستطيع ان ينجح في لعبة الحد من الخسائر؟
أين الوسطية بعد كل ما حصل، ماذا بقي منها، وما هو مصيرها بعدما انكسر احد اعمدتها نجيب ميقاتي، وخرج الآخر وليد جنبلاط الى مكان آخر، وما هو تأثير ذلك في الضلع الثالث ميشال سليمان الذي يعاني تدحرج حجر تحريم «الستين» عليه من بكركي؟
هل سيحكم تمام سلام إن قُدر له ان يشكل حكومة ولو بعد حين، أم سيتم التحكم فيه؟