أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

2 مـن كـل 7 مـراهقين يشـربـان الكحـول

السبت 06 نيسان , 2013 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 5,130 زائر

2 مـن كـل 7 مـراهقين يشـربـان الكحـول

يتزايد استهلاك المراهقين للكحول في لبنان، وفق دراسات أجريت في «الجامعة الأميركية» في بيروت.

 فقد ارتفعت، بين العامين 2005 و2011، نسبة شاربي الكحول من المراهقين (13-15 سنة) نحو 40%. هكذا، بين كل سبعة مراهقين، حالياً، اثنان يشربان الكحول. 

وهذه الزيادة أكثر وضوحاً عند الفتيات وطلاب المرحلة الدراسية السابعة والثامنة مقارنة مع المرحلة التاسعة. وهذا ما حوّل المسألة إلى «قضية من قضايا الصحة العامة في لبنان»، وفق الدكتورة ليليان غندور الأستاذة المساعدة في كلية العلوم الصحية في «الأميركية». حصلت غندور أخيراً على منحة من «مركز أبحاث التنمية الدولية» لـ«دراسة وإصلاح السياسات اللازمة لتقليص الاستهلاك غير الواعي للكحول». جهود الوقاية قليلة في لبنان «وقد عفا عنها الزمن»، وفقها.

 لذا سيسعى الفريق البحثي، على مدار سنوات ثلاث، إلى «تكوين أدلة نوعية وكمية لتطوير سياسات وطنية لضبط استهلاك الكحول تستهدف الضرائب عليها وأسعارها، والعمر المسموح فيه بشرائها واستهلاكها، والقيادة أثناء شربها، وتسويقها والإعلان عنها عادة بشكل يرغب اليافعين».

هذه شهادات ثلاثة مراهقين جربوا شرب الكحول في مرحلة مراهقتهم. لا تقوم هذه الشهادات على ندم أو تذنيب الذات. وإذا كان اثنان من الثلاثة قد تجاوزا زمن المراهقة، فإنهما لم يعلنا نفوراً من هذه البداية. لكنهما، في السرد والأخبار، أخرجا ما لا يريانه، في رشدهما المستجد، مناسباً مع صورة الذات عن نفسها. وهما إذ يلمحان إلى «أحداث سيئة» حصلت، مع تحفظهما على ذكرها، لا يريان فيها شيئاً يجعل الشراب، في زمن المراهقة، جريمة، أو، بحد أدنى، خطأ. 

إنها تجربة مهمة، يمكنهما أن يقولا. ويكسر ثالثهما، في هدوئه أو ما يظهره منه، صورة المراهق النمطية. تظهر هذه الصورة في الشهادتين الأوليين طبعاً، لكنها خافتة. والثلاثة، في مساءلتهم عن مضار صحية يمكن أن ينتجها الشراب المبكر، يحولون الخبر والدراسات سبباً للسخرية. وهم، في محاججتهم الأخيرة، يطرحون أجسادهم دليلاً قاطعاً. «ليس بنا شيء». 

طقوس تشبهنا

أتذكر أنني شربت عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري. دخلت دكاناً واشتريت قنينة بيرة. كنا، بعدها، في المدرسة نعمل مشاريع على قنينة فودكا. تصير هي محور النشاط. نجتمع، أسبوعياً أو شهرياً، لنشرب. كنا، لسبب لا أفهمه، نحب أن نكون جماعة. ربما، بسبب الجو الاحتفالي المرح الذي يخلقه وجودنا معاً. لكننا أيضاً كنا نفضل أن تكون هذه الجمعة مكتومة. هكذا، نجتمع في بيت أحدنا، حين نضمن أنه سيكون خالياً. أو نذهب إلى أماكن خالية. مثل برية استهدينا إليها، لاحقاً، ورحنا نزيد فيها من طقوسنا الاحتفالية بما يتجاوز الكحول إلى حلقات نار ولوازمها.

لم يبق الأمر سرياً. وهو أصلاً لا يستحق أن يكون كذلك. عملت، بعد سنة من أول تجربة شرب لي، في Pub. كنت أعطى عمراً أكبر من عمري. إذ كنت أمارس رياضة بدنية. سهلت مسألة دخولي تلك الأماكن على عكس أصدقاء لي أكبر عمراً. وصرت أحياناً أعود إلى البيت مطفياً. لاحظ أهلي. لكنني، جربت دائماً، ألا أظهر هذه الحالة. إذ إنني أخذت نصيبي من اللوم والتأنيب والوعظ. فالشراب عندهم حرام ومضر. كنت أشرب بعد انتهاء دوام شغلي. أو برفقة صديق على الطريق. وفي الجمعات الكبيرة. لكنه لم يتحول مرة إلى إدمان.

أعرف أن مداومتي، كانت ابنة عمرها. كنت صغيراً. وكانت ردة فعل على ضغوط حياتية ومشاكل مع أهلي وكسراً للتابو. صار بعدها، في الحلقات والبوط، مرحاً وتسلية وتوسيعاً لدوائر اجتماعنا. وهو ما لا يندم الواحد منا عليه، إذ إن طقوس الشراب كانت تشبهنا.

الشراب والبنات

لم تكن الكحول ممنوعة علينا في البيت. شربت أول مرة، وكنت في الرابعة عشرة، برفقة والدي. كانت قنينة بيرة. لكن على عكس هذا التسامح كان التدخين ممنوعاً. وهو، ارتباطاً بنماذج التدخين المتاحة في المنطقة الطرفية التي ولدت فيها، يصير الأمر مفهوماً. لم نكن، في كل الأحوال، نقبل أي حظر. دخنا الأركيلة. وكنا، في تمديدنا رفاهيتنا وخرقنا «الأصول»، نضع العرق بدلاً من الماء فيها. هكذا، تزيد دوختنا ومتعتنا.

كانت جلسة الشرب، في بداياتي، تقتصر عليّ وعلى ابن عمي. كنا في المناسبات، كمثل رأس السنة، نوسّع هذه الدائرة كمّاً ونوعاً. لكن بقيت الأولوية للمشروب. وكنت، وقتها، أستهلك كميات لا تقاس بما أشربه الآن. لا أعرف، كنا، ربما، نربط بين رجولية نشغل أنفسنا في إثباتها وفرضها على غيرنا وبين شرب الكحول. هذا تفكير بعيد في زمنه عن تلك المرحلة. لا أعرف دقته. لكنني أيضاً أفكر أننا كنا نجرب أن نبتلع حرماننا. وهو ما كان يغذى باعتقادات دينية تحرم الكحول. إذ كنت أجد، أنا المسلم، أن رفاقنا المسيحيين كانوا أقل هوساً وشرباً منا.

انتقلت بعدها إلى بيروت. كان طبيعياً، عندنا، أن يترافق أي مشروع مع الشراب. وارتبط، في تلك الفترة، مع الأركيلة أيضاً. أتذكر أن مدير الثانوية طلبنا إلى مكتبه ليتهمنا أننا نفسد الصف ونشجع طلابه على الذهاب إلى مقهى قريب. كنا في ذلك العمر، 17 سنة، قد جعلنا الفودكا «مشروبنا الرسمي». وكان كل واحد منا، على ما أتخيل الآن، قادراً على شرب القنينة كلها دفعة واحدة. كنا جبارين. فهمي لشرابي في بيروت لم يختلف عما كنت أظنه سبباً لشرابي في مدينتي الطرفية. لكني أحب أن أغيره على المستوى التعبيري. إذ، في بيروت، مَن يشرب أكثر هو الأول في الشلة. وهو مفهوم للسيادة والسطوة والقدرات الخارقة. ونحن كنا جماعة، كبيرة العدد، تحول أي مناسبة إلى داع للسهر. وهو فعل لا يستقيم، في عرفنا ، بغير الشراب وشد البنات.

لا تذهب وحدك

شربت منذ سنة تقريباً في جلسة مع أصدقاء. كنت في السادسة عشرة. وهذه الجلسة أسست لصداقات جديدة. إذ كنت لا أعرف من بين الأشخاص الستة غير واحد. وهو صديقي ومضيفي إلى تلك الجلسة. لست مدمناً. لكنني أشرب في نهاية كل أسبوع تقريباً. وهو طقس نداوم عليه، نحن شلة الجلسة الأولى، التي يزيد عددها وينقص بحسب الظروف. لم أصل مرة إلى سكر تام. أو حتى زهزهة مبالغ فيها، ونادراً ما يحصل هذا الأمر في جلستنا. قال رفيق في الجلسة، حين أخبرته أنها المرة الأولى التي أشرب فيها، إنه شرب منذ كان في العاشرة. لم يكن تأخري في الشراب، مقارنة به وبحالات أخرى، سببه تحفظ حياله. لكنك دائماً حين تريد شيئاً جديداً لا تذهب إليه وحدك. هذا ما لم يتم لي إلا حين غيرت مدرستي وتعرفت إلى صديقي ورابطي بهذه الشلة الجديدة. جربت في هذه السنة كثيراً. وهو ما حفز رفيق في الجلسة، وهو أكبرنا سناً (36 سنة تقريباً)، على القول إنه من حسن حظي أنني في أول عهدي بالشراب جلست مع خبير مثله.

لا أعرف إذا كان أهلي يعرفون. لكن، حقاً، ألا يعرف أهلي أنني أدخن؟ لم أضبط مرة إلى الآن. لكنني أظن أنهم يعرفون. لأنه عادي. الأمر نفسه بالنسبة إلى الشراب. أحترس كثيراً. أفكر أن أبي سيكون أكثر تقبلاً من أمي، مثلاً. يبقى الشراب في حدود الجلسة. كأنه مدخل لاجتماعنا وأحاديثنا المتنوعة ليس إلا. نسمع حكايات عن آخرين وتزويدهم العيار. ونرى حالات تقيؤ وسكر. لكننا، نحن هذه الشلة، كأننا نقيم الشرب على هدوئنا.

عاصم بدرالدين


Script executed in 0.21463012695312