رقعته، ليصبح ظاهرة، ويومها قد لا ينفع الندم
كأن لا شيء يحصل في الضاحية الجنوبية لبيروت هذه الأيام.
يُغلَق المحل التجاري للسوري، يُطرد منه، يُمنع من العمل، يُجبر على النزول من «الفان» الذي يعمل عليه... يحصل هذا بأسلوب جماعي، بطريقة غوغائية، على مدى ثلاثة أيام وفي أحياء مختلفة، ومع ذلك كأن لا شي يحصل. أين القوى الأمنية؟ أين الجيش؟ أين البلديات والمخاتير؟ أين الأحزاب؟ أين العقلاء؟ أين من يردّد على مسامع أهالي المخطوفين اللبنانيين في أعزاز السورية، الآية الشهيرة: «ولا تزر وازرة وزر أخرى»؟ أين أي أحد؟ ما من أحد.
حتى إعلامياً يجري التعامل مع الخبر على أنه مجرد خبر. كأنه ما من عاقل ينتبه إلى أن ما يحصل يلامس حدود العنصرية، إذ إن «السوري» هو المستهدف... كلّ «سوري» عليه أن يقفل محله التجاري ويرحل. وأي سوري يمكنه الاعتراض؟ سيُضرب ويُشتم ويُهان.
الخطير أن بعض المشاركين في هذا التحرّك لم يعلموا شيئاً عن قضية المخطوفين. يكفي أن يروا من يتحرّك ضد هؤلاء العمال لكي ينضموا إليهم. هؤلاء، الغوغاء غالباً، لديهم ثأر قديم مع كل عامل أجنبي. ثمة ما أقنعهم بأن هؤلاء «يسرقون اللقمة منهم». هذا اقتناع قديم لديهم، ليس مستجداً، ولا علاقة له بما يحصل في سوريا اليوم. هم من العاطلين من العمل، شبّان على هيئة الشاب «الخالص» الذي اشتهر أخيراً من خلال فيديو مصوّر، يكرّسون الصورة النمطية لشبّان حاضرين لفعل أي شيء للتعبير عن نقمتهم وغضبهم من نظام فتك بهم.
المضحك المبكي ما يقوله مسؤول أمني تعليقاً على ما يحصل، أو بالأحرى ما يجيب به عن سؤال «أينكم؟». يقول: «لم يصلنا حتى الآن أي ادّعاء من سوري بما يحصل. سمعنا بما يجري، ولكن لا ادعاءات لدينا. أيضاً لم نشاهد ردود فعل من قبل الفعاليات ولم نقرأ أي بيان حول الأمر. هذه مسألة حساسة. وكذلك الجيش لم يتدخل». في الواقع، لا يمكن التحامل هنا على القوى الأمنية. فهي، كما يعلم الجميع، لديها خطوط حمراء لا يمكنها تخطّيها. نعم خطوط حمراء في كل المناطق، على مساحة كل لبنان، وإن كان ثمة لوم فهو على الزعامات السياسية لا على رجال أمن، هؤلاء الذين في كل دول العالم ينفذون أوامر السلطات.
حسناً، ماذا تقول السلطات في ما يحصل؟ اللافت أنها لا تقول شيئاً. صمت مطبق مخيف. وزير العمل في حكومة تصريف الأعمال سليم جريصاتي هو أحد أعضاء الهيئة الوزارية التي انبثقت عن الحكومة قبل أشهر، لمتابعة قضية المخطوفين اللبنانيين في سوريا. ليس لديه ما يقوله اليوم سوى: «هناك معالجة جدية لملف هؤلاء المخطوفين اللبنانيين في سوريا». جريصاتي نفسه يعلم، قبل أن يتهمه الأهالي بذلك، أنه ما من متابعة مطلقاً، فضلاً عن أن تكون جدية. هو نفسه يردد في مجالس خاصة أن «لا شيء لدينا حول الموضوع». لكنه، في المقابل، لا يريد أن يقول هذا علناً، لكي لا يشعر الأهالي باليأس، وبالتالي لا بد من مدّهم بأكبر قدر من «المورفين» باستمرار. من الكلام الذي يقوله جريصاتي في العلن: «المتابعة لم تنقطع يوماً، وهي بالتأكيد محاطة بالسرية التي تقتضيها هذه المعالجة». إذاً إنها «السرية». وفي المناسبة، وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، مروان شربل، لا يقل «سرية» عن زميله أبداً. قال قبل أيام إن «الجميع سيفاجأ بالمساعي الجديدة في قضية المخطوفين في أعزاز». كان يقصد أنه سيكشف عن «الهدية» يوم الاثنين الماضي. جاء الاثنين، ثم الثلاثاء، وستمر أيام كثيرة، و«على الوعد يا كمون». المدير العام للأمن العام، اللواء عباس إبراهيم، هو الآخر من الذين ملّ الأهالي تصبيره لهم وإعطاءهم الوعد تلو الآخر دون نتيجة. هذا ما يقوله أدهم زغيب، نجل أخد المخطوفين، والذي كان له الدور البارز في ما يحصل في الضاحية تجاه العمال السوريين. ويلفت زغيب إلى أن إبراهيم «لديه حرقة لحل قضيتنا ومساعدتنا، ولكن لماذا يصر على إعطائنا الأمل وهو يعلم أن الأتراك وسواهم يضحكون علينا».
وعمّا يحصل في الضاحية، وفي محيط منطقة حي السلم تحديداً، يرفض زغيب اتهامه ومن معه بـ«العنصرية». يقول: «تعاملنا مع العمال السوريين بالحسنى، ولم نضرب أحداً منهم، ولكن على الجميع أن يعلم أن أهالي المخطوفين قد فقدوا عقولهم وما عادوا يريدون الصبر. فلا الدولة نعوّل عليها، ولا جماعتنا، أي الأحزاب لدينا، تقدر على الضغط عليهم ونحن نعرف حراجة الأمر بالنسبة إليهم. إذاً نحن سنتولى المهمة». لا يريد لأحد أن يقنعه اليوم بأن ما يحصل هو ظلم للعمال، الذين لا ذنب لهم في عملية الخطف، خاصة «بعدما لم يعد وزير الداخلية يجيب على الهاتف عندما يرى رقمي». ويلفت زغيب في حديث مع «الأخبار» إلى أن الدولة «استغبتنا عندما قالت إن وفداً من وزارة الداخلية زار تركيا وشاهد المخطوفين، قبل أن نعلم أن هذا الوفد ليس سوى شخص سوري ومعه طالب جامعي لبناني، دخلوا إلى تركيا ولم يجلسوا مع المخطوفين، ومع ذلك جاؤوا ليقولوا لنا إن أهلنا بخير».
هكذا إذاً، زغيب ومن معه يردون على استغباء الدولة لهم، والتقليل من قيمة عقولهم، بأن يغيّبوا هم أنفسهم عقولهم، وبالتالي: «عليّ وعلى أعدائي وليكن ما يكون». ربما على الدولة، إن صح الوصف، أن تعلم بأن السياسة الخاطئة تؤدي إلى نتائج خاطئة، ليس أقلها إلحاق الأذى بعمال أبرياء. على أحد ما أن يتحمل المسؤولية. أحد ليس كوزير يطلب من تركيا، في مؤتمر صحافي علني، أن تتعامل مع لبنان كـ«دولة»!
يُذكر أن قسماً من أهالي المخطوفين يشاركون في ما يحصل في الضاحية، إذ تأخذ «حملة الصدر» الحصة الكبرى، فيما تفضل حملة «بدر الكبرى» النأي بنفسها إلى حد ما. من جهته، يقول دانيال، شقيق عباس زغيب صاحب الحملة الثانية، إنه ومن معه «ضد العنصرية تجاه السوريين، ولكن في المقابل ماذا تركت لنا الدولة من خيارات؟ ماذا تركت لنا تركيا، التي بات مكشوفاً إلى حدّ الفضيحة دورها في عملية الخطف والتستر على المخطوفين؟ على الرأي العام العربي والدولي، المتعاطف مع الثورة السورية، أن يعلم إلى أي حدّ تؤذي هذه الثورة الشعب السوري نفسه. هل يتوقعون أن يخطفوا أبرياء باسم الحرية ثم لا يتعرض السوري في بلاد الاغتراب إلى أي اعتداء؟ هذا ما جنته أيديهم»!
هكذا، يحصل ما يحصل في الضاحية في ظل وجوم مريب. بين خجل وإحراج وغوغاء يدخل السوري في دوامة من الظلم. الحديث يدور عن السوري البريء، غير المتورط في جرائم جنائية، الذي بات طريد الخوف من كل الجهات، وللأسف، حتى من الجهات التي كان يرى فيها الملجأ عند الفزع.
منع 700 عامل من التوجه إلى أعمالهم
في ظل الصمت المريب حيال ما يحصل من الجهات المعنية، أصدر «المرصد اللبناني لحوق العمال والموظفين» بياناً، أمس، استنكر فيه ما يستهدف العمال السوريين من «اعتداءات انتقامية وعنصرية في أنحاء متعددة من لبنان، كان آخرها في الضاحية الجنوبية حيث منع نحو سبعمئة عامل من التوجه إلى أعمالهم في الشويفات، مع تصريحات تحريضية من بعض أهالي المخطوفين في سوريا تحض على العنف». واستغرب المرصد «صمت الاتحاد العمالي العام تجاه هذه الممارسات»، في مقابل تأكيده «الوقوف إلى جانب الأهالي في مناداتهم لإطلاق سراح فلذات أكبادهم، ووقف سياسة الخطف أينما كانت. كما لا يمكن الوقوف موقف المتفرج على الاعتداء على العمال السوريين في لبنان». وحمّل المرصد «الدولة اللبنانية بأجهزتها المختلفة مسؤولية التقصير والمماطلة والتسويف في إعادة المخطوفين إلى ذويهم، ما يزيد من غضب هؤلاء المشروع وإحساسهم بالعزلة واليتم تجاه الدولة، وبالتالي يجب إعادة تصويب التحركات لتتوجه إلى هذه الدولة من حكومة وبرلمان لا إلى الفقراء من العمال».