فيما كان النواب يجتمعون في ساحة النجمة لتعليق المهل في قانون الستين، وفي وقت كان فيه الرئيس المكلف تمام سلام مشغولاً بتحديد جنس الحكومة الجديدة وشكلها، كانت جبهة النصرة المنغمسة حتى العظم في الحرب الدائرة في سوريا تعلن مبايعتها زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، مع تنصّلها من إعلان «دولة العراق والشام الاسلامية».
يأتي الإعلان ليضيف على المشهد السوري، المتفجر أساساً، مخاضاً جديداً وتحديات كبرى، سواء على النظام السوري أو على الجيش السوري الحر والائتلاف المعارض الذي رفض رئيسه المستقيل معاذ الخطيب أي صلة له بالتنظيم الجهادي، ولا سيما في ضوء معلومات فرنسية أكدت في الساعات الأخيرة زيارة العاهل الأردني الملك عبدالله لدمشق أخيراً في مبادرة ذاتية، استخلصت الدوائر الفرنسية من نتائجها أن النظام السوري يعيش حالة انفصال تام عن الواقع الحقيقي لما يجري على أرضه. وهذا يفتح باب الاحتمالات، إن على صعيد تطور أفعال النصرة ميدانياً من جهة، ومن جهة أخرى الاحتمالات التي تضعها الدول الغربية لوضع سوريا بعد زيارة الرئيس الاميركي باراك أوباما وجولة وزير الخارجية جون كيري الاستطلاعية، لدرس الامكانات المتاحة لحل أزمة سوريا، بعدما طرحت أخيراً خيارات لوقف النار من جانب واحد وبدء جولات حوارية، أجهضت في وقتها، إضافة الى لجوء الدول المجاورة، كتركيا والاردن، الى تعزيز المناطق الحدودية العازلة، على أبواب تحول قضية اللاجئين قضية متشابكة وخطرة بانعكاساتها على البلدين.
ما يعنينا في لبنان، بحسب أوساط سياسية تواكب التطورات السورية، هو انعكاس المنحى الاخير للوضع السوري، والحجم الذي يتخذه إعلان جبهة النصرة وتوقيته وارتداده على الساحة اللبنانية، في ضوء جملة عوامل، وأولها موقف الدول الغربية، والولايات المتحدة في مقدمها، من هذا الاعلان، ولا سيما أن واشنطن سبق أن وضعت الجبهة على لائحة الارهاب، واحتمال تغير سلوكها الذي اعتمدته لمواجهة المد الشيعي الإيراني. وخطوة النصرة خطرة الى الحد الذي يفترض معه اهتماماً سياسياً وأمنياً فوق العادة، يتعدى القبض على شبكات الاتجار بالسلاح لمدّ هذه المجموعات بالسلاح لبنانياً، ومعالجة على مستوى الطبقة السياسية برمتها وبجدية أبعد من محاولة البعض استخدام هذا التطور بمثابة فزاعة لا أكثر، أو التخفيف من حجمه لغايات إقليمية، إذ يأتي هذا التطور الامني الخطر في دلالاته، في وقت دقيق لبنانياً، على أبواب اختيار تمام سلام رئيساً مكلفاً، برعاية سعودية، وسعي حزب الله الى تسهيل التكليف سحباً للتوتر السنّي ـــ الشيعي في لبنان، بعدما بلغ الاحتقان ذروته. لكن هذا لا يعني أن الامور اصطلحت الى الحد الذي يمكن معه الاطمئنان إلى أن لبنان أصبح محصناً من أي عاصفة جهادية قد تقبل عليه من سوريا، وخصوصاً أن لبنان أمام جملة استحقاقات على تماس مع التقاطعات المذهبية، سواء بالنسبة الى الانتخابات والصراع بين فريقين سياسيين، يمثلان توجهين إقليميين متعارضين، أو تشكيل الحكومة في صيغة تبعد قوى 8 آذار عنها، أو بالنسبة الى المحكمة الدولية وارتدادتها على لبنان، والتي بدأنا نشهد أول فصولها قبل يومين، من دون أن ننسى أن الهدوء الامني في الوقت الراهن على جبهتي طرابلس والبقاع، مع ما يمثلانه من تقاطع مع الاحداث في سوريا جغرافياً وسياسياً وأمنياً، جاء نتيجة محاولات عربية من أجل إمرار الاستحقاق الحكومي بروية وهدوء، قبل تلمس أبعاد التطورات السورية. وتكفي شرارة واحدة لتندلع النار من تحت الرماد.
وإعلان تلازم النصرة مع القاعدة يفتح الباب أمام عاصفة جهادية، لا يمكن في أي حال أن تبقى محصورة في سوريا، مع كل ما يمكن أن تخلقه من احتكاكات وطفرة حساسيات واشتباكات مع المعارضين السوريين خارج دائرة الجهاديين. وإذا كان التنازع السعودي ـــ القطري في تمويل حركات جهادية في سوريا في وجه النظام، وقبله في وجه انفلاش الهلال الشيعي، فإن السؤال يصبح مشروعاً عمّا يمكن أن يحدثه إعلان النصرة على لبنان، مع كل الرعاية الخليجية التي تحظى بها مجموعات جهادية، في حال جنحت الاوضاع نحو عودة الصدام المذهبي، ولا سيما في الشمال والبقاع.
من هنا تُفهم محاولة الجيش تطويق ذيول حادثة عرسال بمعنى امتصاص الفتنة المذهبية، بدل الدخول في مواجهة قد تتحول حرباً طاحنة ترتد نتائجها على البلد كله، آخذين في الاعتبار ما تحويه منطقة عرسال وجرودها من عناصر تفجير حقيقي، لارتباطها بالأزمة السورية. وقد يكون حزب الله أكثر الذين أدركوا أهمية عدم دخول الجيش في مغامرة متهورة وغير محسوبة النتائج، تختلف بحيثياتها تماماً عمّا جرى في نهر البارد.
لكن سحب صاعق التفجير من عرسال، كواحدة من بؤر التوتر، يتطلب استكمال المعالجة على مستوى سياسي، يشمل جميع الاطراف، وفي مقدمهم المسيحيون، وخصوصاً أن هذا الإعلان يمكن أن يتحول مادة سجال سياسي بين مسيحيي 8 و14 آذار، على خلفية اتهام العماد ميشال عون مثلاً مسيحيي المعارضة بمساعدة ثوار سوريا، والنصرة منهم، في وجه نظام الرئيس السوري بشار الأسد. وهذا ما من شأنه أن يرتد على المسيحيين، العنصر الأضعف في المعادلة الاقليمية.
لكن القضية أكبر بكثير من البازار السياسي، لأن التطور الأخير قد يفسح المجال أمام أخطار أكبر بكثير من سجال انتخابي محدود في المكان والزمان. فاستفادة أنظمة عربية من حالة النصرة والحالات الجهادية، قابلة لأن تصبح ورقة ضاغطة أمنية في حدها الخطر، إذا جنحت الامور في لبنان نحو تطور سياسي لا يماشي بعض التطلعات العربية، فضلاً عن أن ثمة مناطق باتت مهيّأة لاستيعاب هذه الحالات، وتساهم في تذكيتها الخلافات السياسية التي باتت عميقة بين طرفي النزاع في لبنان. وقد سبق لمراجع أمنية أن حذرت من احتمال تسلل مثل هذه العناصر الى لبنان، وتحويل لبنان ساحة جهادية ملحقة بساحة سوريا. وإذا كان يفترض أن يكون حزب الله متنبهاً لهذا التطور، فإن المستقبل أيضاً أمام حالة جديدة تفرض عليه تحديات، بقدر ما يعتبر نفسه مسؤولاً عن البلد وأهله.