أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

13 نيسان: ذكرى حرب ثقبت الذاكرة.. ليلة على إيقاع مدفع «أبو عبدو»

السبت 13 نيسان , 2013 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 5,416 زائر

13 نيسان: ذكرى حرب ثقبت الذاكرة.. ليلة على إيقاع مدفع «أبو عبدو»

الكوريدور أكثر أمناً من الغرف الداخلية المواجهة لـ«الشرقية». هكذا كان الظن. أغلقت الأباجورات الخشبية الزرقاء لمزيد من الاحتياط. الشمع جهز وفي المطبخ معلبات فول وحمص ومرتديلا ومعكرونة. حرصت سيدة البيت على ملء خزائنها بها حماية من انقطاع المواد إذا طالت الاشتباكات. لكن في بيروت لا أحد يموت من الجوع. هكذا أكدت الحرب. لم يحدث هذا قط حتى في زمن الاجتياح الإسرائيلي. 

ما زال باب البـــيت مغلقاً. لكـــنه بعد قليل، عندما يشتد القصف، سيشرّع على الخـــارج. النـــاس تشعر بالأمان عندما تتــــجمع حول بعضها البعـــض. تؤانس بعضها. الكثرة تقلّل من شعور الخوف. 

أحكمت سيدة البيت إقفال قارورة الغاز في المطبخ. هذه خطوة لطالما كانت محيّرة. القارورة ستنفجر إذا ما احتكت بها شظية سواء كانت مفتوحة أو مغلقة، لكنه عقل الأمومة الذي يعمل دائماً بمنطق الحذر بحثاً عن الأمان، حتى لو في غير مكانه. بقية القوارير التي كانت على البلكون - وقد كانت العادة شراء أكثر من قارورة بسبب الانقطاع الدائم للغاز- حملها زوجها إلى الداخل ووضعها في الحمام لمزيد من الاطمئنان (أو الخطر؟). 

ليست قوارير الغاز ما كان يخيف الفتى حقا، ولا القذائف المنهمرة، بل سخّان الماء المعروف بالـ«قازان». سمع أن إسرائيل عندما اجتاحت لبنان كانت ترمي قازاناتها فوق الأبنية السكنية فتفجرها وتسويها بالأرض. ومنذ سمع ذلك قرر أن تكون زيارته للحمام مختصرة قدر الإمكان. يستحم بسرعة. يقضي حاجته على عجل سارحاً في القازان لاعـــــناً ساعته الحرارية. يمـــــرّ وقت قبل أن يتوضّح أن قازان الحمام غير الصــــواريـــــخ الإسرائيلية. اقتــــنع لكنـــه ظـــــلّ يتوجّس من الأمــــر.

هبط الليل. بدأ القصف يشتد. قذيفة مدفع أبو عبدو المنطلقة من الحمام العسكري إلى «الشرقية» يُرد عليها بقذائف عدة. حفلة تبادل القذائف والصواريخ يومية إلى حين. أبو عبدو؟ ما هذا الإسم المضحك لقائد مدفع حربي؟ ثم إذا كان أبو عبدو مسؤولاً عن مدفع فعماذا تكون مسؤولة أم عبدو؟ وعبدو؟

«افتحوا الباب»، جاء الصوت مرتجفاً من آخر الرواق.

 

الدرج

 

الراديو الصغير الأحمر الذي يُغني عن الترانزستور صار جاهزاً. ركّب أبو رامز بطاريات «رايوفاك» ورفع الهوائي الرفيع إلى أقصى نقطة ممكنة وسند ظهره إلى حائط الدرج بعدما مدّ رجليه ووضع واحدة منهما فوق الأخرى. أم محمد، وضعت القفص الكبير أمام باب البيت. الببغاء الذي لا يكف عن مناداة فادي طوال النهار صار أخرس فجأة. صوت القذائف بلع ضجيجه. الطيور أيضاً تخاف القصف. ببغاء أم محمد فرد من أفراد المنزل. إذا هربوا يهرب معهم.

مُدت الشراشف والحصر على الأرض أمام مدخل البيوت في كل طابق وعلى السلالم. صار المارُّ مضطراً إلى أن «يفشخ» من فوق الأجساد المتلاصقة كأنه لاعب في سيرك. الشراشف والحصر لحماية الجالسين على الأرض من وجع البطن. لكن «المغص» لم يكن يأتي من البلاط البارد. كانت تتسبب به جملة تخرج من جهاز راديو أبو رامز، وكان يسبقها صوت ثقيل لرنين هاتف. تقول الجملة المسجلة التي اشتهرت أكثر من أغاني ذلك الزمان: «مكتب التحرير في خبر جديد». ما يليها سيكون تحديد أسماء المناطق التي يصيبها القصف. قد يكون اسم المنطقة من بينها مع أنها لا تتعرض للقصف أو قد يسقط من القائمة مع أن القصف يكون قد نال منها. من يقف في الشوارع ليرصد مكان سقوط القذائف في مثل هذا الوقت أصلا؟

أما الدرجة الأعلى من المغص والذي عادة ما يصاحبه لعيانٌ في النفس وجفاف في الريق، فكان يتسبب به صوت المذيع في الراديو عندما يقول: «يرجى من المواطنين أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر». العبارة الأخيرة هي مغص المعدة الحقيقي. مغص درّب المقاتلون الأهالي الآمنين في منازلهم على أن يمتد من المساء إلى الصباح لما لليل من أثر في نقل الرعب إلى النفوس. 

- هل إذا سمّكنا اللحاف فوق رؤوسنا نحمي أنفسنا من القذائف أكثر يا أبو رامز؟

- كلا. القذيفة تخترق جدران الإسمنت السميكة فلماذا قد تتذبذب أمام لحافك؟

- لا أعرف. هكذا قال لي أحدهم.

- أحدهم جاهل.

- إذا، لا أريد أن أتغطى بعد الآن.

- بلى تغط. 

- ولماذا أتغطى؟

- كي لا تطلق ريحاً فنموت بسبب قذيفتك.

 

الملجأ 

 

«أسرع يا أبي قبل أن نموت».

كان الوالد مشغولاً بمحاولة فتح باب البناية الحديدي لجاره العالق في الخارج بعدما نسي مفتاحه في مكان ما. المفتاح كان يدخل في القفل لكن اللسان لم يكن يدور. قرّر أن «يروكب» في التوقيت الخاطئ. وأبو خليل الذي تأخر بالعودة إلى منزله بسبب القصف العشوائي كان يبدو محرجاً من جاره الذي كان يهرب مع عائلته إلى الملجأ، أكثر مما كان خائفاً من القصف نفسه. 

إلى الملجأ الممتلئ بالـ«كراكيب» هبط معظم سكان البناية. نزل جيران الطبقات العليا وأتى آخرون من بنايات ملاصقة ليس فيها ملاجئ. لا أحد يمكنه أن يؤكد أن الملجأ أكثر أمناً من الطبقات العليا. على العكس، ففوق جزء منه يقع «منور» البناية، حيث لا شيء يعلوه إلا خزانات المياه. قد تقع مجزرة إذا ما نفذت قذيفة إلى «المنور». ميزته الوحيدة هي أنه يجعل صوت الانفجارات أخفت وأقل وطأة على الآذان. 

الملجأ الوسخ، الذي هو مستودع في الأساس، حار جداً وتغزوه الصراصير. حشرات من الحجم الكبير لونها أسود قاتم تسرح على الجدران حتى يكاد يكون لبعضها ظلال على ضوء الشموع. 

هدأ القصف بعد منتصف الليل. ربما تعب المقاتلون فناموا. عودة إلى الطبقة الثانية. الثانية والنصف صباحاً ترتجّ البناية ارتجاجاً مهولاً. الأرض والجدران زحلت من مكانها ثم عادت إليه. تكرر صوت الزلزال وحركته مراراً.

عشرات القذائف سقطت على المنطقة دفعة واحدة. تبين لاحقاً أن أبو عبدو أرسل راجمة أطلقت نيرانها من قلب المنطقة وغادرت فكان منطقياً أن يأتي الرد. لكن الجواب جاء محملاً بالدم وبكثير من الدمار هذه المرة. 

عاد التيار الكهربائي. «غداً عندما تنتهي الحرب، إذا ظللنا أحياء، لن ينقطع التيار أبداً»، قالت أم محمد مبتسمة ومشجعة.

لم نمت اليوم. لكننا سنغادر بيروت في الصباح. فالبناية لم تعد تتسع لكل الخوف الذي يسكنها. مسكينة أم محمد. لم تعش لترى أن نبؤتها لم تتحقق.

 


Script executed in 0.15132522583008