منذ يوم الانتظار الشهير في المطار، قبل أحد عشر شهراً من اليوم، وهم يغرقون في النسيان شيئاً فشيئاً. حينها كانوا يرقصون ويهللون، فرحاً بعودة المخطوفين من أعزاز في سوريا. لكن أحداً لم يأتِ، سوى الحزن والوعود، الانتظار والنسيان.
يوماً تلو يوم، أصبحوا عائلة واحدة، يختلفون حيناً ويتفقون حيناً آخر. تحولت حيواتهم من مواطنين يبتلعهم السأم، مثل أي لبناني، إلى عائلات متروكة لمسرحية سياسية هزلية، تحكم مصير أهلهم في الأسر.
أسند إليهم لقب «أهالي المخطوفين»، وهو لقب سيتكرر من حين إلى حين: أهالي المخطوفين قطعوا طريق المطار. أهالي المخطوفين اعتصموا في موقف سيارات قرب القصر الجمهوري. أهالي المخطوفين تمكنوا من الاطمئنان عن ذويهم هاتفياً. أهالي المخطوفين يستهدفون العمال السوريين في حي السلّم.
هكذا، أصبح اللقب مملاً. اللبنانيون يعانون من خطف دولتهم على أيدي أمراء حروب، فما همهم بأهالي المخطوفين، بعد مرور أحد عشر شهراً على اختطافهم؟ مع ذلك، استمر الأهالي في المضي قدماً. لم يتركوا سياسياً إلا وطرقوا بابه، مثلما فعل أهالي المفقودين اللبنانيين قسراً في سوريا، الذين يفوق عددهم 17 ألفاً.
كانوا يسمعون الوعود. عبارات رنانة تتكرر في كل زيارة: «نحن نعمل على حل الموضوع، وثمة إشارات إيجابية ستظهر ملامحها خلال الساعات المقبلة». الساعات استحالت أياماً وشهوراً. تركيا تتبرأ من الخاطفين، وتقول إنها لا تملك القرار. الخاطفون يقولون إنهم يريدون سلسلة من المطالب بغية الإفراج عن المخطوفين. مَن يسأل، مَن يتابع؟ أشباح.
بأسلوب مرتبك، انتقل الأهالي من الانتظار إلى التنفيذ. قرروا إزاحة المظلات السياسية عن رؤوسهم، ومضوا، وحدهم، في مواجهة عزلتهم: «تركيا هي الهدف» اتفقوا في ما بينهم، واتجهوا نحو الميدان. يقولون إن تحركهم يطمح إلى الضغط على التجار الأتراك، علّهم يضغطون على دولتهم.
خطة بسيطة في الشكل ومعقّدة في المضمون، سخّروا لها كل أفكارهم: منعوا تفريغ حمولة أسماك آتية من تركيا (تقدر قيمتها بأكثر من أربعمئة ألف دولار) في الكرنتينا. وبعدها بيوم واحد، أمس، توجّهوا إلى السفارة التركية في الرابية، استنكاراً لتكريم «اللقاء الشبابي اللبناني الفلسطيني» رئيس وزراء تركيا، رجب طيب أردوغان.
قرروا أن يرفعوا الصوت عالياً. أن يقولوا: «نحن هنا. مَن معنا؟ تخيّلوا ابنكم، أو والدكم، أو شقيقكم، مخطوفاً وتعرفون خاطفه منذ أحد عشر شهراً. تخيلوا أنكم وحدكم، لا أحد يسأل عنكم. ماذا تفعلون؟ أخبرونا».
بدا اعتصامهم أمس مثل صرخة في صحراء. حتى القوى الأمنية اضطرت إلى مواجهتهم بالعنف، فضربت مَن حاول تخطي الحواجز الحديدية. سيدة تحطمت أسنانها، وأخرى سقط حجابها الذي كان يغطي رأسها. ازداد عدد الأهالي، وأحضروا معهم الخيم فنصبوها، لكن سرعان ما سحبوا الأوتاد وأخلوا الساحة.
يقولون إنهم لا يريدون التسرّع. تعلّموا من خطوات متسرّعة سابقة، مثل مطاردة عمال سوريين مستضعَفين، ظنوا أن طردهم من أعمالهم سيؤدي إلى ضغط الدول العربية على تركيا. إلى هذا الحد من العبث والتخبّط وصلوا. يعترفون: «لا أحد معنا كي يرشدنا إلى الطريق الصحيح. غضبنا أوصلنا إلى استهداف عمّال لا حول لهم، لكننا اعتذرنا منهم».
سيعودون إلى محيط السفارة التركية، يقولون، لكن من دون تسرّع. هم الآن يتجهزون للمكوث هناك، يريدون البقاء لكن وفق خطة تضمن البقاء إلى حين ظهور نتائج إيجابية ملموسة. وبالتزامن، ثمة خلية منهم تخطط لاستهداف الخطوط الجوية التركية بشتى السبل.
تركيا غير مرحّب بها، رسالة يريدون إيصالها للقريب والبعيد. ولأجلها، يسددون أموالاً من جيوبهم. مهدي زغيب، شقيق المخطوف علي، يتنقل من وسيلة إعلامية إلى أخرى، سائلاً عن كلفة نشر إعلان يتألف من عبارة واحدة: «قاطعوا البضائع التركية في لبنان».
وبقدر ما تحمل عبارة المقاطعة من شمولية ضبابية، غير أن الأهالي نقّبوا في كل ما يحمل علماً تركياً، وتبين لهم أن سبعين في المئة من البضائع في لبنان، تركية. ويقولون إن لبنان يستورد من تركيا بضائع بقيمة 730 مليون دولار. هذه أرقام غير دقيقة ربما، وربما قريبة، لكنها أرقام سعى الأهالي إلى انتزاعها لتحديد أهدافهم.
ثمة منهم من لا يستبعد خيار القوة. دانيال شعيب، شقيق المخطوف عباس، يكرّر تلميحه إلى «أخذ ما سُلب منّا، بالقوة. المعاملة بالمثل قائمة، عندما نيأس من الخطوات السلمية». وثمة من لا يريد الإعلان عن تهديد خطف الأتراك، مفضلاً التريّث إلى حين ساعة الصفر.
قضية أهالي المخطوفين لم تبدأ أمس. سنسمع، بين اليوم والآخر، عن تحرك هنا وهناك. ربما سيملّ اللبنانيون من عبارة «أهالي المخطوفين»، وربما سيشعرون بالتعاطف معهم. هم يريدون منّا، نحن أبناء بلدهم، أن نقف إلى جانبهم، أن نقول لهم: «نحن معكم، نحن أهلكم».