عاتب النائب وليد جنبلاط الرئيس المكلف تمام سلام لتقوقعه في دارته في المصيطبة تحت شعار «من يريدني فأنا هنا». دعا بيك المختارة بيك المصيطبة الى التحرك باتجاه القوى السياسية والتفاوض معها لإنتاج تشكيلته العتيدة. وكرّر على مسامعه التزامه المبدئي الذي وعد به كلاً من حزب الله والرئيس نبيه بري بعدم السير في أي حكومة لا تحظى بموافقة الحزب، ويشوبها خلل على المستوى التمثيل السياسي.
وسأل جنبلاط سلام، في معرض تحفيزه على الخروج من شرنقة عدم التواصل مع القوى السياسية منذ تكليفه، «لماذا لا تتواصل مع حزب الله؟». فأجابه الرئيس المكلّف بأن هناك «تواصلاً عبر صديق مشترك هو حبيب سعد». فقال له جنبلاط: «لا أعرفه. ولكن المطلوب تكثيف بحثك مع الحزب لخدمة إنتاج الحكومة العتيدة». وأمام إصرار سلام على أنه يتواصل مع الحزب، هاتف الزعيم الاشتراكي رئيس لجنة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا ليسأله عن صحة ما يقوله الرئيس المكلف، فنفى الأخير ذلك، وقال لجنبلاط: «التواصل بمعنى الحوار السياسي ليس موجوداً، ولا أعرف ماهية المقصود بدور سعد».
داخل أروقة حزب الله، يتردد أن الحزب انفتح على سلام منذ نحو عام ونصف تقريباً، وأدار معه صلة غير مباشرة بواسطة صديقهما المشترك حبيب سعد. خلال هذه المرحلة حصل أكثر من لقاء بين سلام ومسؤول على صلة بملف علاقة الحزب بالاحزاب والشخصيات اللبنانية. لكن هذه الصلة منيت بانتكاسة عندما ظهر سلام أثناء تشييع اللواء وسام الحسن وراء الرئيس فؤاد السنيورة، وهو يلقي خطاب تحميل حزب الله وسوريا المسؤولية السياسية عن الاغتيال. قبل ذلك، تعرضت هذه الصلة التي نجح الطرفان في إبقائها خارج نطاق التداول الاعلامي لاهتزازة ثقة، عندما سرّب أحد المطلعين عليها، وهو محسوب على الرئيس المكلف، الى إحدى الوسائل الاعلامية جوهر فكرة كانت تفاعلت بين الطرفين، وذلك من باب التفكير بصوت مرتفع وبشكل غير رسمي، ومفادها أن يتصدى سلام لمهمة ترؤس حكومة تخلف الحكومة الميقاتية في حال استقالة الاخير. مذ ذاك، راودت سلام فكرة أن يكرر تجربة والده صائب سلام الذي شكّل في عهد الرئيس كميل شمعون حكومة تشرف على الانتخابات النيابية من وزراء غير مرشحين لخوضها، على أن يكون سلام نفسه أول غير المرشحين فيها.
خلال تلك الفترة لم يكن تمام بيك وحده من راودته فكرة أن يرث ميقاتي على رأس حكومة تشرف على الانتخابات. الفكرة نفسها تردّدت في كواليس السعودية، وربما هذا ما دفع شخصيات سنيّة تنتمي الى بيوتات سياسية تاريخية الى تقديم نفسها للعب هذا الدور . ليلى الصلح، مثلاً، كانت أيضاً استطلعت إمكانية قبول ترؤسها حكومة من هذا النوع. وتم تدعيم طرحها بأنها الأكثر وسطية بين كل الاسماء السنيّة المطروحة، كما أنها ابنة مؤسس الاستقلال الاول، وتتصل مع الشيعة بمصاهرة يزداد معناها السياسي من واقع أن الطرف الآخر فيها هو ابن الرئيس صبري حمادة. أبعد من ذلك، ثمة من رأى من العاملين على ترويج اسمها أنها ستكون مقبولة من الـ«سين سين» حتى في حال استمرار افتراقهما، إذ إن مشاعر الودّ من بعض المسؤولين السوريين تجاه ابن أختها الامير الوليد بن طلال لا تزال تحتفظ ببعض الحرارة.
طوال فترة صلته غير الرسمية، وشبه الرسمية في مرحلتها الاخيرة، بالحزب، كان سلام يراكم الثقة بينه وبين حارة حريك بأسلوب من يحفر الجدار بإبرة. ولم تخلُ جلساته مع أحد مسؤولي الحزب في تلك المرحلة من توجيه الملاحظات. فرأى مرة أن الخطاب المرتفع اللهجة يقوي الخط السنّي الذي لا يريد للحوار الشيعي ــــ السنّي في البلد أن يتقدم. وفي المقابل، تكوّن لدى حزب الله انطباع بأن الرجل صادق، وإذا قال شيئاً التزم به، رغم أن الوصول معه الى توافق يحتاج إلى نقاش مرير. فهو جدلي وطويل البال في النقاش، وبطيء في التوصل الى قواسم مشتركة.
والى ما قبل تكليفه بفترة غير طويلة، كانت «علاقة الصلة» بين سلام والحزب تتفاعل بأسلوب سلس. وعندما نما الى سلام رسمياً، للمرة الأولى، أن الرياض أخذت قراراً بتكليفه، اتصل بسعد، صديقه المشترك مع الحزب، وسأله: «هل الجماعة لا يزالون على موقفهم الإيجابي من تسميتي لرئاسة الوزراء؟». فأجاب الاخير: «أعتقد أنه لم يتبدل شيء من جوّ الودّ». إثر ذلك، بادر مسؤول في الحزب الى الاتصال بسلام وأبلغه رسالة إيجابية.
وتشير المعلومات الى أن الرئيس نجيب ميقاتي كان آخر من علم بما يدور حوله، علماً بأن قصة تمهيد المسرح لإنهاء مرحلته كانت تصل الى مسامع حلفائه بالتدريج. فأثناء حضور رئيس الجمهورية ميشال سليمان القمة العربية في الدوحة، قبل استقالة ميقاتي بأسابيع، أبلغه القطريون أن الرياض قررت استبدال حكومة ميقاتي بحكومة يرأسها سلام، فكتم رئيس الجمهورية السرّ عن رئيس حكومته.
وخلال آخر زيارة لجنبلاط للسعودية، أبلغه محادثوه أن عليه الاستقالة من الحكومة، لأن الاتجاه هو الى استبدالها بحكومة جديدة. وقد سمع حزب الله من الوزير غازي العريضي بالتوجه لتشكيل حكومة جديدة برئاسة سلام.
وبعد عودته الى بيروت، أبلغ جنبلاط ميقاتي أن عليه ترتيب مخرج لإنهاء حكومته، ولمّح إليه بأنه سيعود لترؤس الحكومة العتيدة. فأخذ الاخير يرتب خطة الانسحاب من الحكومة الحالية بواسطة مناورة تؤمن له العودة لترؤس الحكومة الجديدة. واستقر خياله على سيناريو استخدام قضية التمديد للواء أشرف ريفي كمنصة لإعلان استقالته في جو يوحي بأنه بطل سنّي. وهو، قبل ذلك، حاول أخذ ضمانة حزب الله بمعاودة تسميته كرئيس للحكومة العتيدة، لكنه فوجئ بالرد المقتضب الذي تلقّاه من الحزب عندما أبلغه نيته الاستقالة: «افعل ما تراه مريحاً». لم يكن موضوع التمديد لريفي مطروحاً على جدول أعمال جلسة مجلس الوزراء آنذاك، وكان رئيس الجمهورية همّ برفع الجلسة عندما قاطعه ميقاتي طالباً حسم التمديد لريفي. بدا واضحاً يومها أنه أراد إنهاء حكومته على طريقته، ووفق مناورة اتضح له لاحقاً أنها اتسمت بكثير من عدم إتقان الحسابات وعدم المعرفة بما كان يدور حوله منذ فترة غير قصيرة.
اليوم، يبدو أن عدم إتقان الحسابات انتقل الى سلام. هذا على الأقل الانطباع حتى الساعة لدى حزب الله. فإصرار الرئيس المكلّف على حكومة لا يسبقها تشاور مع القوى السياسية، أو يسبقها تشاور ــــ بعد إقناعه بذلك ــــ لا يبادر هو إليه، له واحد من تفسيرين: إما أن سلام يريد تغيير قواعد اللعبة الدستورية عبر تفسير جامد حول أن الحكومة تشكل بالتشاور بين الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية، أو أن الجهة التي أوصلته الى مصاف تسميته لا تريده أكثر من واجهة لها، فيما تحتفظ لنفسها بإدارة التفاوض حول الحصص الحكومية وشروطها السياسية. وفي الحالتين، فإن النتيجة المتوقعة لذلك يلخصها أحد مسؤولي 14 آذار بالقول: «العلاقة مع تمام مش تمام».
من جهته، حاول فريق 8 آذار اختراق هذا «التشرنق السلامي»، فجرت قبل أيام محاولة لترتيب لقاء بين وفد من هذا الفريق ورئيس الجمهورية لإنهاء حالة الجمود على مستوى عدم إجراء تفاوض فعلي حول هوية الحكومة وشكلها وتوزيعها. لكن سليمان اعتذر عن عدم قبول الفكرة، مبرّراً موقفه بأن سلام قد يفسر على نحو خاطئ لقاءه بالوفد الذي يضم أسماء عادة ما تدير التفاوض بشأن الوضع الحكومي، ما يسمّم جو العلاقة بينه وبين الرئيس الثالث في هذه المرحلة المبكرة.
شخصية سنيّة بيروتية مخضرمة ترى أن هناك تفسيراً واحداً لإحجام سلام عن إبداء أي حركة تفاوض في العمق، خاصة مع حزب الله، وهو أنه ينتظر كيف ستتفاعل العلاقة بين الرياض وطهران حول هذا الملف. وربما كان ينتظر إشارة من الرياض في هذا الصدد. وفي رأي الشخصية عينها، فإن التصريح الاخير للسفير السعودي في بيروت علي العسيري بأن أبواب السعودية مفتوحة أمام حزب الله، هي الاشارة التي كان ينتظرها تمام بيك. فهل تنتهي مرحلة «الشرنقة السلامية» لمصلحة دخوله مرحلة شعار والده عن «التفهم والتفاهم»؟