الأكيد أن تقاذف المسؤولية عن الفشل لا يحجب حقيقة أن الصراع على قانون الانتخاب لم يعد له مكان إلا في الهيئة العامة. هذا يعني أن الجميع سلّم، مرة جديدة، أمره إلى الرئيس نبيه بري الذي سيكون عليه مهمة كسر المواقف المتصلبة، مستحضراً ربما تجربة إقرار قانون تعليق المهل.
وبالرغم من أن اللجنة سلمت الراية، إلا أن يوم أمس سجل كشفاً لبعض الأوراق التي أظهرت تغييراً في الأولويات لدى البعض.
كان واضحاً أن «التيار الوطني الحر» ومن بعده «حزب الله»، استبدل معركة قانون الانتخاب بمعركة «موعد الانتخابات»، بغض النظر عن القانون الذي ستجري على أساسه. وقد أعلن النائب ألان عون بوضوح أن «التيار» يؤيد أي قانون يتم الاتفاق عليه في الهيئة العامة أو يحظى بالأكثرية، مكرراً عبارة «أي قانون»، رداً على «حتى الستين؟».
وقد رفض ممثل «القوات» جورج عدوان، الذي يتوقع ان يلعب دوراً أساسياً في تهيئة الظروف للوصول إلى الهيئة العامة، الإجابة مراراً عن أسئلة تتعلق بتخلي «القوات» عن «الأرثوذكسي». اكتفى عدوان بالتأكيد أن الأولوية هي لإجراء الانتخابات. ولأن «القوات» ترى أن «الأرثوذكسي» لا يساعد على إجراء الانتخابات، فقد فسر موقفه على أنه إعلان صريح عن سقوط «الأرثوذكسي» من «الأجندة القواتية».
ما كان «المستقبل» يعبر عنه في الكواليس أعلنه جهاراًَ أمس. فقد أعرب النائب أحمد فتفت عن خشيته من قرار يقضي بتعميم الفراغ، حكومياً وانتخابياً، للوصول إلى طرح الهيئة التأسيسية، رابطاً هذا الموقف بـ«سلبية حزب الله والتيار الوطني الحر في التعاطي مع السعي إلى التوافق داخل اللجنة». سريعاً رد النائب علي فياض، مؤكداً أن الحزب «يخوض النقاش الانتخابي بمعزل عن أي سياق سياسي إقليمي أو داخلي، قبل أن يؤكد أهمية إنجاز الاستحقاق الانتخابي لتلافي أي فراغ دستوري ولكي تجري الانتخابات في موعدها».
الأكيد أن الثلاثي المسيحي فعلها للمرة الثالثة على التوالي. وكما استطاع برفضه لقانون «الستين» في البداية أن يفرض على الجميع البحث عن قانون انتخابي يراعي «التمثيل الصحيح»، وكما فرض تعليق مهل «الستين» بعد رفض الترشح على أساسه، كان أمس مصمماً على دفع الأمور باتجاه الحسم في الهيئة العامة من خلال دفعه باتجاه إنهاء عمل اللجنة التي لا تحرز تقدماً. وهكذا كان.
ما لم يستطع ثلاثي بكركي فعله حتى الآن هو الاتفاق على قانون انتخابي يحظى بتأييد الأغلبية في مجلس النواب، بعيداً عن القانون «الأرثوذكسي». وفيما سلم «حزب الله» أمره لهذا الثلاثي، فقد اختلطت الأوراق مجدداً، ولم يبق القانون المختلط وحده على طاولة التوافق.
تقنياً، وبعد ثلاث جلسات غير منتجة، دخل أعضاء اللجنة إلى اجتماع أمس وكل واحد منهم يتسلح بموقفه. وإذا كان الاتفاق يقضي بطرح الملاحظات على صيغة بري، فقد اصطدم النقاش بإصرار «التيار الوطني الحر» على عدم تقديم أي صيغة، مقابل إصرار «المستقبل» و«الاشتراكي» على عدم تقديم صيغهم ما لم يقدم ألان عون ما لديه.
عون أيضاً كانت له معادلته. ومن اتهمه بالتعطيل رد عليه بدعوة ممثلي «14 آذار»، إذا كان لديهم صيغة، أن يطرحوها علناً للتصويت عليها في اللجنة أو في الهيئة العامة.
كان عون يعرف أن جعبة خصومه فارغة من أي مشروع توافقي، خاصة بعد فشل كل المساعي التي استمرت نحو شهرين، وجرت بين «المستقبل» و«القوات» و«الكتائب» من جهة، وبين «المستقبل» و«الاشتراكي» من جهة أخرى، والتي تبيّن أمس أنها أرفقت بمحاولات ثنائية بين «القوات» و«الاشتراكي» أيضاً.
ولأن كل طرف تمسك بموقفه، اكتفى النائب أكرم شهيب بإعطاء ملاحظاته لعدوان (صاحب الاقتراح) ولم يعلنها أمام اللجنة، كما لوح النائب أحمد فتفت بمغلف بين يديه قال إنه يتضمن ملاحظات «المستقبل»، لكنه رفض الإفصاح عما في داخله، اعتراضاً على عدم تقديم عون ملاحظاته.
ولم يعترض النائب علي فياض على نقاش أي صيغة قد تطرح، إلا أنه ذكر بأن سامي الجميل كان قد اعترض على صيغة بري، وكذلك قدم جورج عدوان ملاحظات جوهرية على الصيغة، فيما أكد عون تمسكه بصحة التمثيل. بعد ذلك خلص فياض إلى ما كان قد أشار له سابقاً: ثمة معضلة مسيحية تصعب الوصول إلى التوافق على أساس مشروع بري، مؤكداً مجدداً ضرورة توافق المسيحيين.
بعدها عاد الضغط ليتركز على عون، الذي دفع الاتهام عنه بالتأكيد أنه يحرر اللجنة من التوافق ويقبل بأي اقتراح يحظى بالأكثرية مهما كان. كما أشار إلى استعداده لمناقشة أي مشروع يتفق عليه داخل اللجنة إن كان ثنائياً أو ثلاثياً، قبل أن يتبين أنه لا قانون يحظى بموافقة ثلاثية أو حتى ثنائية.
بناء عليه، وبعد إعلان جورج عدوان نيته الانسحاب من الجلسة «بسبب عدم التزام الجميع بوضع أوراقهم على الطاولة»، على حدّ تعبيره، وقبل أن يصدر القرار بتعليق أعمال الجلسة، اتصل الرئيس نبيه بري خلال فترة الاستراحة وتحدث مع عدد من الحاضرين وبينهم عدوان محاولا ثنيه عن الانسحاب، ومتمنّيا عليه الإبقاء على الجلسات تعميما للجو التوافقي والنقاش الانتخابي المستمر. لكن عدوان أصر على عدم جدوى الاستمرار بهذه الوتيرة، طالبا من بري تحديد موعد للجلسة العامة قبل 15 ايار.
وخلال الاتصال الهاتفي، تعهّد بري بالتوسط لدى «العونيين» لإبداء ليونة في عرض تصورهم من القانون المختلط، لكن عدوان أكد له ان لا نتيجة من ذلك، مع العلم ان بري أوعز الى النائب الان عون للاتصال بالعماد ميشال عون الذي كرّر موقفه بعدم تقديم أي تصوّر في ما يخصّ «المختلط».
ووفق المعلومات، فإن بري يتجنّب التضارب في المواعيد بين الدعوة الى الجلسة العامة وإمكان تشكيل الحكومة في وقت قريب.
وعلم أن عدوان نصح بالتعويض عن تجربة الاجتماعات غير المنتجة بعقد مشاورات ثنائية قد تنتج تفاهماً عجزت عنه اللجنة جماعياً. وبعدما كان رأي البعض أن تستكمل اللجنة اجتماعاتها، دخل الجميع في نقاش طبيعة الخطوة المقبلة: هل يعلن عن إيقاف اللجنة أو تعليق عملها أو رفع جلساتها من دون تحديد موعد جديد؟
تمنى بري على اللجنة، إبقاء الجلسات، انطلاقاً من أن إمكانية التقدم لا تزال متوافرة، إلا أن النقاش خلص في النهاية الى وقف عمل اللجنة، بما يؤدي إلى دفع الأمور إلى الحسم، والذي اقترن بطلب مسيحي ثلاثي من الرئيس بري لتقديم موعد الجلسة العامة.
لا أحد يثق في قدرة الفترة الفاصلة عن موعد الجلسة العامة على إنضاج صيغة انتخابية جانبية، إلا أن الاحتمالات بدأت تتركز باحتمالات عدة أبرزها: التحرك باتجاه تسجيل أغلبية تعوم قانوناً بدلاً من البحث عن التوافق المستحيل، ترك الأمور للمعالجة في الهيئة العامة وفي كواليسها، كما جرى في مسألة تعليق «الستين»، ومبادرة القوى المسيحية إلى تسجيل خرق ما أو الاستسلام للأمر الواقع من خلال كسر الحظر عن «الستين» وإن معدلاً.
حتى الآن، ولأن فرص التوافق تبدو منعدمة، لا يزال «الأرثوذكسي» بنداً أولَ في الجلسة العامة. هذا لا يعني أنه سيطرح للمواجهة، إنما ليكون قاعدة الانطلاق للوصول إلى أي قانون يحظى بالأغلبية... إلا اذا أعيد تعويم «الستين» وهذا هو المرجح.