لم تكتف دوائر البطريركية الأرثوذكسية بإعلان أنها لم تتبلّغ رسمياً خبر الإفراج المزعوم، بل إن البطريرك يوحنا العاشر يازجي حاول على مدار الساعة الاتصال بشقيقه المخطوف، وكان الجواب الدائم أن الرقم المطلوب خارج الخدمة، ما ترك مخاوف كبيرة في البلمند وفي كل الكنائس الأرثوذكسية في لبنان وخارجه حول مصير المطرانين.
البطريرك اليازجي الذي أجرى اتصالات مكثفة مع رؤساء دول كبرى ودول عربية معنية ورؤساء حكوماتها ورؤساء الطوائف فيها للضغط من أجل الإفراج عن المختطفين، عزل نفسه عن وسائل الإعلام وعن أكثرية الزوار، وطلب من الجميع عدم الإدلاء بأية تصريحات سياسية أو غير سياسية، والركون فقط الى الصلاة من أجل رسولي المحبة بولس ويوحنا.
وروت مصادر كنسية مطلعة لـ«السفير» كيفية حصول عملية الاختطاف، مرجحة إمكانية أن يكون المطرانان قد تعرّضا لكمين، خصوصاً أنهما كانا يتابعان منذ أشهر قضية كاهنين اختطفتهما مجموعات مسلحة.
وتقول هذه المصادر إن المطرانين زارا تركيا لمتابعة قضية الكاهنين لكنهما لم يصلا الى نتيجة إيجابية بشأنهما، ولدى عودة كل منهما في سيارته الخاصة مع سائقه، اجتازا الحدود التركية ـ السورية في منطقة باب الهوا، وعند وصولهما الى بلدة المنصورة اعترضتهما مجموعة مسلحة تقول المعلومات إنها تضم عناصر شيشانية مع آخرين سوريين، وعملت على خطفهما واقتيادهما الى جهة مجهولة، بعد قتل سائق المطران إبراهيم وهو شماسه ومن عائلة فتوح، وطلبوا من سائق المطران يازجي الاتصال بمطرانية السريان الأرثوذكس في حلب لسحب جثته عن قارعة الطريق.
وحرصت البطركيتان الأرثوذكسية والسريانية على عدم توجيه أصابع الاتهام الى أي جهة، خصوصاً أن أحداً لم يعلن مسؤوليته عن عملية الخطف ولم يحدد أية شروط للإفراج عن المطرانين، بالرغم من المعلومات التي تناقلها البعض بأن اتصالات وردت في هذا الشأن وطالبت بقيام النظام السوري بالإفراج عن 500 معتقل لقاء الإفراج عن المطرانين، لكن تبين في ما بعد أن هذه المعلومات غير دقيقة.
كما حرصت البطريركيتان على التعاطي بهدوء تام وعدم إصدار أية مواقف كي لا ينعكس ذلك سلباً على المساعي التي تبذل على أعلى المستويات لإتمام عملية الإفراج، وأصدرتا بياناً مشتركاً عبّرتا فيه عن أسفهما لخطف المطرانين، ولأي عملية مشابهة تطال المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم، وأكدتا أن المسيحيين في هذه المنطقة هم جزء عضوي من نسيج الشعوب التي ينتمون إليها، وهم يتألمون مع كل متألم، ويعملون سعاة خير لرفع الظلم عن أي مظلوم.
وأسفت البطريركيتان لما تتعرض له بلدان في هذا الشرق من عنف يباعد بين أبناء الوطن الواحد، ويعرّض حياة الآمنين لأخطار عدة، يشكل الخطف أحد أفظع أوجهها لما فيه من عبثية، واستباحة لحياة الأفراد العزل. وناشدت الخاطفين احترام حياة المخطوفين، داعية الجميع الى الكفّ عن كل الأعمال التي من شأنها أن تزرع الشقاق الطائفي والمذهبي بين أبناء الوطن الواحد.
ودعتا العالم بأسره الى «أن يسعى جاهداً إلى إنهاء المأساة الجارية في سوريا الحبيبة، حتى تعود روضة محبة وأمان وتعايش، فلا تأتي المعادلات السياسية على حساب إنسان هذه الديار، إضافة الى دعوة الكنائس المسيحية في العالم كي تقف أمام الأحداث الجارية وقفة صلبة تشهد لإيمانها بفعل المحبة في العالم، فتتخذ خطوات من شأنها ترجمة رفضها لكل أنواع العنف التي يتعرّض لها إنسان المشرق اليوم».
وناشدتا الشركاء من المذاهب الإسلامية «التضافر، فنعلن ونعمل على رفض المتاجرة بالإنسان كسلعة سواء كان ذلك عبر جعله درعاً بشرياً في القتال، أو سلعة مقايضة مالية أو سياسية».
وختمتا بالتوجّه الى الخاطفين بأن «من تمّ خطفهما هما رسولا محبة في العالم، يشهد لهما عملهما الديني، والاجتماعي، والوطني. لذلك، ندعوكم إلى التعامل مع هذه الحادثة المؤلمة بعيداً عن أي تشنج لا يخدم في النهاية إلا أعداء الوطن».
تكتل «التغيير والاصلاح»
وكانت دوائر المقر البطريركي، قد أربكت بعد ظهر أمس بالإعلان عن نية تكتل «التغيير والاصلاح» عقد اجتماعه برئاسة العماد ميشال عون في البلمند، وعلمت «السفير» أن اتصالات سريعة من المقرّ جرت مع أعضاء في التكتل لتحويل الاجتماع الى زيارة تضامنية فقط من دون أية تصريحات سياسية، حرصاً على عدم تسييس القضية أو انعكاس أي موقف قد يصدر على المساعي الجارية للإفراج عن المطرانين.
وبالفعل فقد حضر عون يرافقه الوزير جبران باسيل وأعضاء التكتل وعقدوا اجتماعاً مع البطريرك اليازجي، وخرج الجميع من دون الإدلاء بأي تصريح، فيما أكد بيان صدر مساء عن التكتل بأن الزيارة كانت تضامنية.