أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ثمة مَن يخجل من مدّ الأيدي

الخميس 25 نيسان , 2013 11:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 10,221 زائر

ثمة مَن يخجل من مدّ الأيدي

كان يحمل أكياساً موسومة بعلامة تجارية شهيرة، سرعان ما بعثرها فوق الطاولة بحركة غاضبة، في المقهى المعروف بشارع الحمرا. كان الوقت ليلاً.

عند الرصيف المحاذي لباحة المقهى، يمرّ موظفون فرغوا من الدوام، وعائلات تمشي نحو محال تجارية. عصفورا حب يلهوان بعد مرور نهار دراسي طويل. رجال بربطات عنق أنيقة. فتيات بديعات بجمالهن الأنثوي الهادئ. 

ويمر، في شارع الحمرا، أطفال وفتيات وشبان وعجائز، بعيون نصف مفتوحة وأيد ممدودة. يسيرون بثيابهم الرثة، حيناً، ويفترشون الرصيف حيناً. تطفو على وجوههم علامات التيه والخوف والأرق، والخجل. 

الرجل ذو الشارب الأسود أشعل سيجارة، ومال برأسه نحو صديقه، بينما كان متسولون شبان وفتيات محجبات يتسللون إلى المقهى. حاول الموظف إبعادهم لكن عبثاً. كان ثمة فتاة عشرينية تتنقل، برشاقة وحزن، من طاولة إلى طاولة، عارضة الورود التي تحملها.

لم يكترث أحد لأمرها، سوى رجل يكسو الشيب شعر رأسه. مازحها بقوله إن طفلته الجالسة أمامه متزوجة، ولا تقبل الورود من الغرباء. لم تبتسم بائعة الورد. نظرت إليه بأسى ومضت نحو طاولة الرجل ذي الشارب الأسود. 

رفع الرجل رأسه وتفرّس في وجهها لبرهة. سألها عابساً: كم وردة تحملين؟ عدّت الورود بعينين تبتسمان، وردة تلو وردة، وقالت: 14 وردة. وفيما كان يمد يده إلى جيبه، قال بلكنة سورية: أريد عشرا. كم ثمنها؟ ارتبكت الفتاة وأجابت متلعثمة: لا أدري. الوردة بخمسة آلاف ليرة.

اقترب من الطاولة شاب نحيل. ظلّ صامتاً يراقب الأوراق النقدية بين يديّ الرجل. قال ذو الشارب الأسود للفتاة: «خمسون ألف ليرة. ثمنها 50 ألفاً».

مدّت الفتاة الورود العشر على الطاولة، وأخذت ورقة الخمسين ألفاً. حدّقت بوجهه، ثم ركضت خارج المقهى. كانت تقفز مثل راقصة خجولة.

انتبه الرجل إلى الشاب النحيل. رمقه بنظرة غضب وقفز من كرسيه ملوحاً بيديه وهو يقول صارخاً: «لا تبكِ! لا تبك! أنت رجل! لا تبكِ!». بانت علامات الذعر على وجه الشاب. 

توقف عن البكاء لكن وجهه ظلّ هزيلاً، حزيناً، يرنو إلى الأوراق النقدية. وبحركة يد غاضبة، أعطاه الرجل ألف ليرة، وأومأ إليه بأن ينصرف، مردداً: «أنت رجل. سوريا لا تريد البكاء. لا تبكِ». غادر الشاب باحة المقهى، بينما انتشر خبر الخمسين ألف ليرة بين المتسوّلين.

دلفوا إلى الباحة واحداً تلو الآخر، بعيون تبحث عن رجل عريض المنكبين، يحمل فوق شفتيه شارباً أسود. لم يتفاجأ بهم، بينما بدا القلق على سحنة صديقه الذي رسم على وجهه إيماءة استنكار. لكن الرجل ردّ عليه قائلاً: «هؤلاء من بلدنا. يتسولون هنا مثل الجراد، ولا أحد يسأل عنهم».

كانوا يسيرون بأيد ممدودة، وبدوا كما لو أنهم في طابور غير مرئي. وصل أولهم ناحية الرجل وأذبل عينيه وأطرق رأسه. كان غارقاً في ثيابه الممزقة. أومأ إليه ذو الشارب الأسود بإحدى يديه، قائلاً: «خذ 3 ورود، وانصرف». سحب الفتى الورود الثلاث، وغادر مستغرباً. 

اقتربت سيدة طاعنة في السن، تمسك بإحدى يديها طفلة حزينة. لم يحدثها بكلمة. أعطاها وردة، ومنح الطفلة خمسة آلاف ليرة. ثم دنت منه فتاة، تبعها فتى، ثم فتاة، وطفلة. 

وزّع عليهم الورود، ومضى مطرقاً رأسه، في شارع الحمرا.

 

دراجة وفتاة جميلة

 

في القصة أعلاه، التي حدثت قبل أيام، تأثر الرجل بأحوال أبناء بلاده الهاربين من القصف في سوريا. هو، ربما، أرادهم أن يجرّبوا كسب كفاف يومهم، من دون مد الأيدي والخضوع، والبكاء. 

لكن تمنيات الرجل المتعاطفة مع أبناء بلده، حدودها الوردة والمقهى: قصة لن تغيّر من الأوضاع التي وصل إليها السوريون، في غربتهم عن وطنهم، هنا وهناك.

قبل ازدياد عدد النازحين في لبنان، كان التوسّل يحمل لكنة لبنانية، مواربا في سبل التسوّل وأشكاله: فتى عشريني يقود دراجة نارية، مصطحباً فتاة جميلة، يركن جانباً ويقول: «معلّم، انقطعت من البنزين. أنا مستحي، بس إنو يعني، إنت يعني إنو، أنا. عرفت كيف؟».

الفتى والدراجة والفتاة الجميلة، سينتقلون من حيّ إلى آخر في الضاحية، مثلما سينتقل رجل أربعيني في متفرّعات شارع الحمرا، قائلاً بخجل مصطنع: «مرحبا، أعتذر عن المقاطعة. لكن أمي في المستشفى، ولا أملك المال كي أوقف سيارة أجرة لأعيدها إلى المنزل. هل تستطيع أن تعطيني، ولو خمسة آلاف ليرة؟».

يخجل المرء، ويخاف أن يكون ثمة جدّية، ولو بنسبة واحد في المئة، في القصة الغريبة، فيعطيه ما يريد. ثم سيكتشف، لاحقاً، أن للرجل نحو 73 أما في 73 مستشفى. وعندما ينكشف أمره، سيغادر إلى منطقة ثانية وثالثة ورابعة، مبتدعاً أماً جديدة، ومحدداً مبلغ المساعدة وفق وضع المنطقة الاجتماعي.

تطول القصص الفردية وفنونها، بينما تتضاءل أخبار رجال مافيا التسولّ وقصصهم: هؤلاء، سبق وقيل عنهم كثيراً، لكنهم ظلّوا مثل أشباح، بلا أسماء. مجرّد خبر يكشف عنه الوزراء، مرددين أنهم ألقوا القبض عليهم وسحبوهم من الشوارع.

في الحالتين، سواء كان التسوّل اللبناني فردياً أم جماعياً، لكنه لا يُقارن بالتسوّل الذي يحمل السوريين في لبنان إلى كل المناطق. هؤلاء هربوا من أوطانهم، فجأة، ووجدوا أنفسهم في تيه مخيف. منهم من يخجل من مد الأيدي، فيجلس مطرقاً بالقرب من الرصيف.

ومنهم من اعتاد. 

اعتاد النسيان، وخاف موتاً بطيئاً يزحف إلى الأبناء. شارع الحمرا نموذج، صورة من السماء لأرض تحمل الكثير ممن يخاف الموت البطيء. هنا بشرٌ لا يعرفون المواربة والكذب بغية التسوّل. هم يتوسلون فقط: «الله يخليك، الله يحميك».

لا أرقام تخبر عن أعدادهم، سواء هنا أم في المناطق. وهم، يخافون التحدّث إلى الصحافة. يظنّون أن الصحافي شرطي متخف. يحملون أطفالهم ويمضون من ركن إلى آخر. 

 

وعود مالية

 

ذاب المتسولون اللبنانيون. 

يقول وزير الشؤون الاجتماعية في حكومة تصريف الأعمال وائل أبو فاعور، إن «الحملات التي استهدفت المتسولين، سابقاً، سواء لبنانيين أم غيرهم، أدت إلى توقيف أفراد وعصابات تستغلهم. الأبرياء من الاستغلال، نُقلوا إلى مراكز اجتماعية، بينما المجموعات الباقية زُجت في السجون».

غير أن المتسولين السوريين، وفق حديث أبو فاعور لـ«السفير»، أصبحوا «رهينة الأموال التي ننتظرها. الوضع لم يعد يُحتمل. ثمة جريمة تُرتكب بحقهم». يقول إن الوزارة «اقترحت على الأمم المتحدة إنشاء مأوى جديد لضم المحتاجين».

لكن، وفق أبو فاعور، لم يطرأ جديد على الاقتراح. يوضح: «في السابق، كنا نأخذ المتسولين من الطرق إلى المؤسسات الاجتماعية. غير أن الكارثة، حالياً، هي أن الأعداد في هذه المؤسسات تخطت قدرتها على الاستيعاب. والتسول لم يعد، مثل السابق، حكراً على العاصمة. السوريون المحتاجون يجتاحون القرى أيضاً».

واليوم، تنتظر وزارة الشؤون الاجتماعية مبلغاً قيمته نصف مليون دولار، من وزراء الشؤون الاجتماعية العرب. إذ سبق ووعدوا الدولة اللبنانية بهذا المبلغ، بغية تأهيل بعض المدارس وتحويلها إلى مراكز.

وبما أن الدعم المالي لم يصل بعد، يقول أبو فاعور إن «المعضلة لا تكمن في كيفية سحب المتسولين من الطرق»، موضحاً: «ثمة سؤال أساس، هو إلى أين سنأخذهم؟ نستطيع، بالتعاون مع وزارة الداخلية، أن نسحب كل المتسولين من الشوارع؟ ثم؟».

جرت العادة، وفق أبو فاعور، بأن يتحكم رجال عصابات بالمتسولين. حينها، كان الأمر يسيراً: يتم القبض على هؤلاء. لكن اليوم، يقول الوزير، «التسوّل لم يعد مهنة تجارية. اليوم نحن في كارثة اجتماعية خطيرة. كل هؤلاء فقراء ولا أحد إلى جانبهم. نحن نتلقى الوعود المالية فقط، من دون أي تنفيذ».

وعندما تباحث الوزراء المعنيون، أي الداخلية والشؤون الاجتماعية والعدل، سألوا أنفسهم سؤالاً واحداً: «إلى أين سنأخذهم؟». يقول وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال، شكيب قرطباوي، إن «اللبنانيين استقبلوا النازحين السوريين بشكل إنساني. والدولة وُعدت بمساعدات إنسانية من دول عدة. لكن لم يصل إلينا شيء حتى الآن».

لا ينكر قرطباوي، في حديثه لـ«السفير»، أن «الأمور لم تعد تُحتمل. نحتاج إلى إجراءات عدة»، معتبراً أن «المساعدات، عندما تصل، يجب أن تستهدف هؤلاء الأطفال الذين نراهم في الطرق، قبل أي أحد».


Script executed in 0.19783902168274