وتستند الرواية، التي وقعها المحلل العسكري والاستخباري مارك بيري، الى مجموعة لقاءات خاصة مع ما أسماها «مصادر في حزب الله» ربطتها علاقات بمغنية، وكذلك بمصادر إسرائيلية تابعت القضية، وأخرى لبنانية وفلسطينية وأميركية وفرنسية.
أما توصيف «السائق» فيأتي، حسب بيري، من رواية مفادها أن مغنية كان يعيش في دمشق على أساس انه سائق في السفارة الإيرانية هناك، وبهذه الصفة كان يتواصل مع الجيران الذين كانوا يلجأون إليه طلبا للخدمات.
اللافت للانتباه في الرواية كانت الملابسات المحيطة بعملية الاغتيال، وفيها أن مغنية تمّت تصفيته في سوريا في إطار الترتيب لأرضية تتيح بناء علاقات متينة بين إسرائيل وسوريا، بغطاء تركي.
هكذا، لم يكن مغنية عابراً في مساحة الصراع المفتوحة على امتداد المنطقة، في حياته كما في مماته. وقد أرخت حادثة اغتياله بثقلها على أحداث كثيرة تبعتها، من العلاقات الإسرائيلية ـــ السورية، إلى الدورين التركي والإيراني في المنطقة، ثم العلاقة على خط «حزب الله» ـــ دمشق. تفاصيل كثيرة ينقلها مارك بيري على الشكل الآتي:
[[[
في الثاني عشر من شباط 2008، خرج رجل في متوسط عمره من شقته في منطقة كفرسوسة في دمشق ليستقل سيارته «الميتسوبيشي باجيرو» الفضيّة المركونة بمواجهة المبنى. كانت الساعة تقارب العاشرة والربع مساء، وهو في الأصل كان متأخراً على موعده مع السفير الإيراني الجديد لدى دمشق. ثمة سبب كان يؤخر الرجل، فهو وصل لتوه من زيارة الأمين العام لحركة «الجهاد الإسلامي» رمضان شلح، ومن لقاء لساعات مطولة مع الرئيس السوري بشار الأسد.
الرجل كان عماد مغنية. في تلك الليلة، كان على عجلة من أمره. مرّ قرب الباب الخلفي للسيارة متجهاً نحو باب السائق، لكنه لم يستطع إدراكه. كانت بانتظاره عبوة متفجرة تحتوي على مئات القطع الحديدية التي مزقت جسده وقذفته في الهواء بعيداً حوالى 15 قدماً داخل حديقة المبنى. هكذا قُتل الرجل الأخطر.
حتى وفاته، وبرغم كل ما نفذه من عمليات حول العالم، لم تستطع أجهزة الاستخبارات تعقبه، فيما اعترف أميركي واحد، وهو الرهينة السابق تيري أندرسون، بأنه التقاه مرة واحدة. وهذا ما دفع جهاز «السي أي ايه» للاحتفاء بـ«النصر العظيم بعد مقتل العدو الشبح». وفي حرب الاستخبارات السرية، قد تضاهي عملية اغتيال مغنية العملية التي نفذت قبل سنوات قليلة لتصفية زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن. ولكن مع ذلك، ليس هناك من دليل على أن أميركا وراء العملية.
المرة الأولى التي سمعت فيها باسم مغنية كانت في العام 1989، عندما كنت أغطي عملية خطف رئيس محطة وكالة الاستخبارات الأميركية في بيروت. يقول نيكولاس بلانفورد، وهو متخصص في شؤون «حزب الله» عن مغنية: «سمعت أنه نادراً ما سافر برفقة حراس، وفي إحدى المرات ركب على دراجته النارية وقاد على طول الطريق الساحلي باتجاه الجنوب لتدريب مقاتلي الحزب. تخيل فقط: أحد أكثر الرجال المطلوبين في العالم يركب دراجة».
في كانون الأول 1995، وبحسب مصدر مسؤول في «حزب الله»، سافر مغنية إلى إيران، وكان مطارداً من الولايات المتحدة والإسرائيليين. حينها، كان شقيقه جهاد قد اغتيل، وصديقه المقرب وقريبه (مصطفى) بدر الدين قد قضى سبع سنوات في السجون الكويتية، ولم يفرج عنه إلا بعد اجتياح صدام حسين للكويت في آب 1990.
وبرغم ذلك وخمسة ملايين دولار أميركي للوصول إليه، بقي مغنية سالماً. السبب أولا، تركيزه الكبير على إخفاء هويته الحقيقية. لم يتحدث أبداً عن عملياته، لم يوافق أبداً على القيام بأي مقابلة، كما لم يسمح بأن تلتقط له الصور. لم يتحدث أبداً عن ماضيه، عائلته، أو حياته. ووفقاً لمسؤول إسلامي رفيع، التقى مغنية في العام 1990 وعرفه باسم «الحج رضوان»، فإن الأخير نادراً ما زار قريته (طيردبا) لرؤية والديه. وبحسب عدة تقارير، ونظراً لمعرفته باللغتين العربية والفارسية، فإنه عمل كمترجم خلال اجتماعات بين إيرانيين وقياديين أجانب، ولكن من دون البوح بهويته.
بين العامين 1995 و2006، تنقل مغنية بين طهران ودمشق وبيروت، من دون القبض عليه. إلا أنه في بعض الأحيان، ترك وراءه بعض الآثار، ففي العام 1995، سافر إلى السعودية، إلا أن السعوديين رفضوا طلباً أميركياً للقبض عليه، حتى أنهم لم يسمحوا له بالنزول من الطائرة. ورأى رجال الاستخبارات الأميركية في ذلك أن السعوديين خائفون من التورط في اعتقال مغنية الأمر الذي سيسفر عن ردة فعل عنيفة. وفي العام 1996، تم التعرف عليه على متن سفينة قبالة الدوحة في قطر، إلا أن الـ«سي آي إيه» تحركت ببطء من أجل القبض عليه. وقد تطورت أسطورته مع كل مرة نجح في الهروب، فيما تم تداول روايات عن لقائه ببن لادن، أو قيادة العمليات الإيرانية في البصرة في العراق، أو إجراء عمليتي تجميل، أو امتلاك مخبز في بيروت، وكان من الممكن رؤيته كل صباح في مقهى قريب.
أما القصة الأقرب إلى الحقيقة، فرواها المسؤول الإسلامي الرفيع المستوى، وهي أن مغنية كان متزوجاً من اثنتين، واحدة في بيروت ولديه منها ولدان وفتاة، وأخرى في دمشق. المسؤول، الذي التقاه للمرة الأولى في العام 1990، يقول إنه رآه في العام 1991 في متجر للأدوات الصحية في الضاحية الجنوبية. ولكن ما لم يكن يعرفه المسؤول، هو أن المتجر كان أصلاً ملكاً لشقيق مغنية فؤاد، الذي عمل كمسؤول أمني بدوره لدى «حزب الله». وفي أحد الأيام، التقى المسؤول بمغنية في المتجر، حيث رحّب به. ولكن، وإن كان المصدر لم يعرف من يمتلك المتجر، فإن الإسرائيليين كانوا يعلمون. ولذلك، وفي 21 كانون الثاني العام 1994، زرع العميل لدى الإسرائيليين أحمد حلاق عبوة زنتها 45 كلغ من المتفجرات في سيارة أمام المتجر، ما أدى إلى مقتل فؤاد وثلاثة آخرين.
ولكن بالرغم من أن مغنية كان بطلاً بنظر «حزب الله»، إلا أن الترحيب به في سوريا كان إلى تراجع. وعلاقة السوريين بإيران و«حزب الله» كانت دائماً توصف بـ«الزواج من دون حب». الرئيس الراحل حافظ الأسد وافق بتردد على انتشار وحدات تدريب من «الحرس الثوري الإيراني» في البقاع في العام 1982، ومن ثم أصر على إعادة انسحابها. بشار الأسد اتبع خطى والده، حيث حافظ على علاقات قوية مع طهران، في حين عبر عن انزعاجه من سياستها ضد «حزب البعث» في بداية الغزو الأميركي للعراق في العام 2003.
توترت العلاقات مع طهران إثر حرب تموز 2006. وفي مواجهة الضغوط الاقتصادية الداخلية نتيجة للعقوبات الأميركية، طوّر الرئيس السوري من علاقــاته مع الغرب، بالرغم من الاعتراض الإيراني. وقد قال ســـفير ســـوريا وقتها لدى واشنطن عماد مصطفى في العام 2007 «أريد أن أوضح أن سوريا ترى في نفسها دولة متوســـطية... ننظر إلى الغرب وليس إلى الشرق. نتطلــع إلى القيــادة الأميركية».
أما «حزب الله» فكانت لديه مشاكله الخاصة مع دمشق. قيادات الحزب لم تكن راضية عن قرار دمشق في شباط 2007 بإعادة فتح خطوط التواصل مع إسرائيل عبر تركيا، فضلاً عن قرار بشار الأسد بإرسال مقاتلي «فتح الإسلام» إلى مدينة طرابلس، الذين أشعلوا صراعاً في مخيم نهر البارد الفلسطيني أسفر عن مقتل المئات.
في العام 2007، وصلت العلاقات بين دمشق و«حزب الله» إلى أدنى مستوياتها، حين استهدفت الطائرات الإسرائيلية المنشأة النووية السورية في شمال سوريا. وبعدما رفض الأسد أن يرد عسكرياً، وصل الأمر بأحد قياديي «حزب الله» رفيعي المستوى إلى اتهام سوريا بـ«التغزل بالصهاينة».
اغتيال مغنية في دمشق كان بمثابة الصفعة الأخيرة لـ«حزب الله». في العلن، حاول «محور الممانعة» عكس الصورة الموحدة. ولكن في السر، حمّل قادة «حزب الله» سوريا مسؤولية اغتيال مغنية، بسبب غياب التواجد الأمني، وعدم كفاءة العميد آصف شوكت، الذي كان مسؤولاً بشكل شخصي عن أمن مغنية.
وبحسب مسؤول إسلامي لبناني، فإنه بعد التفجير مباشرة، رفض مسؤولو «حزب الله» في دمشق طلباً سورياً للإطلاع على الجثة، حتى أنهم دفعوا بالقوة ضباط الأمن السوريين خارج غرفة المستشفى. على إثرها، أرسلت إيران وزير خارجيتها لتهدئة الأجواء، ولكن من دون أي نتيجة.
وبحسب المصدر الإسلامي، لم يشارك أي مسؤول سوري رفيع المستوى في جنازة مغنية، كما أن «حزب الله» انفجر غضباً بعد معرفته بأنه تم تعيين شوكت لقيادة التحقيق في الجريمة.
بالتأكيد، لدى قادة «حزب الله» شكوكهم في من وقف وراء اغتيال مغنية، ومن بين المتهمين المشتبه بهم عادة (إسرائيل وأميركا) والسوريون. مسؤول في «حزب الله» في العام 2010 قال: «الصهاينة أو السي آي إيه قتلوا الحاج رضوان»، وأردف: «لو كنا مسؤولين عن أمنه بدل السوريين، لكان حياً يُرزق حتى اليوم».
ورداً على سؤال: «هل أن شرط الإسرائيليين لتحسين العلاقات مع سوريا كان وقف مشروعها النووي وقتل مغنية؟»، قال مسؤول إسرائيلي، ترأس لأكثر من ثلاثة عقود مؤسسة إسرائيلية عليا: «كانت لدينا مشكلتان عالقتان مع سوريا، والآن لم تعودا موجودتين (عماد مغنية والمنشأة النووية السورية)».
وبالرغم من موقف «حزب الله» بعد اندلاع الاحتجاجات في سوريا في العام 2011، بضرورة بقاء نظام بشار الأسد في السلطة، إلا أنه بعد انفجار «مركز الأمن القومي» في دمشق في تموز العام 2012، لم يشارك أي مسؤول من «حزب الله» في حضور جنازة آصف شوكت، في ما بدا أنه رد على اغتيال مغنية.
للاطلاع على التقرير كاملا باللغة الانكليزية، راجع الرابط الآتي:
http://www.foreignpolicy.com/articles/2013/04/29/the_driver