أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الحروب تظلل المنطقة.. ولبنان بلا قرار عسكري

السبت 11 أيار , 2013 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,090 زائر

الحروب تظلل المنطقة.. ولبنان بلا قرار عسكري

قبل اقل من ثلاث سنوات، دخل «دولته» وفريق عمله الوزاري الى السرايا، تحت كنف رئاسة اولى تدخل مدار النصف الثاني من العهد، ومجلس نواب نشيط يجتمع ويشرّع، ومؤسسات امنية حاضرة بثقلها على الارض منعا للفتنة وتجاوز الخطوط الحمر. 

«الفرقة» نفسها خرجت من السلطة تاركة خلفها «حكم الفراغ». وليس في «التشخيص» اي افتراء حين نكتشف ان حكومة «النأي بالنفس» عملت تحت سقف مؤسسات قائمة، فإذا بها تسلّم خليفتها «المفترضة» شبه دولة. 

لم يكن فصل المسارات بين الازمات السياسية ومتطلبات الامن متاحا، فترك «امراء» اللعبة للنكايات والمصالح وتصفية الحسابات ان تدخل على خط زعزعة «الاساسات» الامنية، وادخالها في صلب الصراع السياسي. 

هكذا يصبح التبشير بقدوم مليون سائح الى لبنان في الصيف مجرد دعابة. هؤلاء سيسهرون و«يكزدرون» وينفقون الدولارات في بلد التمديد فيه «موضة»، والتعيين مستحيل، والانتخاب مؤجل، وتصريف الاعمال يسري على الامن قبل السياسة. 

اكثر من ذلك، لن تجد الاكثرية والمعارضة حرجا في طلب الثقة مجددا، وبكل وقاحة، من الناخبين على «ابداعاتهم» في شلّ المؤسسات وانتهاك حرمة الاستحقاقات القانونية والدستورية. 

المخاوف من انزلاق الداخل اللبناني الى المجهول تأتي للمفارقة على لسان الدبلوماسيين والمسؤولين الاجانب الذين يعرضون امام شخصيات لبنانية هواجسهم من انفلات قواعد اللعبة في لبنان تحت ضغط البركان السوري. 

قلّة قليلة من المسؤولين اللبنانيين تطرح، ردا على التساؤلات، سؤالا اكثر مصيرية «هل هو فراغ الصدفة ام فراغ منظّم بغية اجلاس الجميع لاحقا الى طاولة تطرح تغيير صيغة النظام بأكمله؟». 

كل أجراس الانذار السابقة لم تكن كافية لتجنّب المحظور. الفشل الذريع في تركيب «خلطة» قانون انتخابي عادل وتوافقي، واجراء انتخابات في موعدها الدستوري، والتمهيد لانتخابات رئاسية «صنع في لبنان»، لا يوازيه خطورة سوى «فيروس» الفراغ الذي ضرب في جسم المؤسسات الامنية التي لم تشهد في كل العهود السابقة، حتى في اصعبها، هذا التراخي السياسي في حماية «الهيكل الامني» من سيناريوهات التعطيل. 

في جلسة مجلس الوزراء الاخيرة في آذار الماضي، وقبل ان يقدّم نجيب ميقاتي استقالته من رئاسة الحكومة، تمّ تعيين العميد الركن محمد خير، بعد ترقيته الى رتبة لواء، امينا عاما للمجلس الاعلى للدفاع وعضوا في المجلس العسكري محل اللواء عدنان مرعب. 

في الشكل، فسر الأمر بأنه جولة اضافية من جولات ميقاتي «الاستعراضية» في ارضاء الطائفة واهلها. اما في المضمون، فان محمد خير هو الشخص الوحيد الذي سيستمر اذا أحيل المجلس العسكري على التقاعد في نهاية ايلول المقبل. 

العضو السني في المجلس العسكري اللواء مرعب كان سيحال الى التقاعد في السابع من نيسان، ليليه لاحقا كل من اللواء نقولا ضاهر (1 ايار)، المفتش العام اللواء ميشال منير (2 ايار)، مدير الادارة اللواء عبد الرحمن شحيتلي (24 ايار) رئيس الاركان اللواء وليد سلمان (8 آب)، رئيس المجلس العسكري قائد الجيش العماد جان قهوجي (23 ايلول). 

حلّ اللواء خير مكان اللواء مرعب بارادة رئيس الحكومة، و«قبة باط» من المتربّصين برغبات ميقاتي في ابقاء مدير عام قوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي على رأس المديرية. 

نجح ابن طرابلس اذا في «تمرير» تعيين العضو السني في المجلس العسكري. اما اتخاذ القرار بتعيين بدلاء عن اعضاء المجلس العسكري الذين كانوا سيحالون تباعا الى التقاعد، او تعيين بدلاء عنهم، فلم يكن موضع توافق، لذلك كان الهروب من المسؤولية هو القاسم المشترك بين جميع مكونات حكومة «النأي بالنفس». 

كان همّ ميقاتي يتركّز على كسب جولة التمديد لاشرف ريفي الذي كانت ولايته ستنتهي في الاول من نيسان، فيما همّ خصومه اسقاط مخططه بالضربة القاضية. هؤلاء ايضا لم يبذلوا جهدا لتجنّب تحويل المجلس العسكري الى مجلس لـ«الضباط المتقاعدين»، في موازاة هاجس منع التمديد لريفي. 

ميشال عون يرفض التمديد من رأس هرم الجمهورية حتى آخر عسكري وموظف. و«حزب الله» مشغول بالوضع الميداني في سوريا، وبالتالي يصادق على ما يريده «الجنرال». المعركة الحقيقية هي معركة سوريا، وليس قانون الانتخاب او الحصص الحكومية او تعيين ضابط من هنا أو هناك. 

طار التمديد لريفي، وطار معه ميقاتي الذي ربط استكمال التعيينات في المجلس العسكري بحلّ ازمة مدير عام قوى الامن الداخلي. بعدها وجد وزير الدفاع فايز غصن الفرصة مؤاتية للتوقيع على قرار التمديد شهرا واحدا لمدير المخابرات العميد ادمون فاضل الذي احيل الى التقاعد في الرابع من نيسان المنصرم. التوقيع الاول ألحق بتوقيع ثان بالتمديد خمسة اشهر لمدير المخابرات.

كسر قرار ابقاء فاضل في موقعه «الحظر» المبدئي المفروض على التمديد. حصل ذلك برغبة ملحّة من قائد الجيش بحيث يبقى فاضل الى جانبه حتى احالته الى التقاعد في ايلول المقبل. اما الكلفة، فكانت وقوع خلاف كبير بين ميشال عون وسليمان فرنجية بعد رضوخ وزير الدفاع للتوقيع. هذا مع العلم ان تأجيل تسريح العميد فاضل تمّ بناء على نص المادة 55 من قانون الدفاع، اي هو تمديد جائز قانونا. 

حكومة لا تعيّن ولا تمدّد، لا يمكن الا ان توصف بـ«حكومة النكد والعجز». بعد اسابيع تنتهي ولاية مدير عام قوى الامن الداخلي بالوكالة العميد روجيه سالم، من دون ان تلوح في الافق اي مؤشرات لولادة حكومة جديدة تتولى تعيين الاصيل. 

وبدءا من اول ايار الجاري، دخل المجلس العسكري نفق التعطيل، بعد احالة اثنين من اعضائه الى التقاعد من دون تعيين بديليهما. المجلس فاقد للنصاب الذي لا يكتمل الا بحضور خمسة من اعضائه الستة. المنجّمون ادرى اليوم بمصير ولاية قائد الجيش. تمديد او دخول نادي الضباط المتقاعدين؟ 

المجلس العسكري هو واحد من المؤسسات الاربع الرئيسية في وزارة الدفاع، التي تضمّ الجيش والمديرية العامة للادارة والمفتشية العامة. 

وفيما تتّسم نقاشات وقرارات المجلس العسكري بالسرية التامة، فان من صلاحياته الاشراف والتدقيق في كافة الملفات والقرارات في مؤسسات الوزارة (مؤن، اسلحة، معدات، ذخائر، اعتدة، آليات...) التي تصدر بقرار من وزير الدفاع. وهو يوافق على تشكيلات الضباط، وقرارات الفصل والترقية، واحالة الضباط الى المجلس التأديبي... باختصار صلاحية المجلس تبدأ من الموافقة على قرارات باستلام الطعام اليومي حتى تنظيم مؤسسات وزارة الدفاع وتشكيلات القادة في المناطق ورفع التوصيات في موازنة الوزارة وتعزيز وتعديل السياسة الدفاعية، وصولا الى تأمين الاسلحة والعتاد وكافة مستلزمات جهوزية الجيش. 

كما يطلع قائد الجيش اعضاء المجلس على كافة الاحداث والتطورات الامنية ويستمع الى ارائهم، ويجتمع في الحالات الامنية الاستثنائية للتداول والنقاش. 

ولكي تكتمل صورة العجز الرسمي عن الاحاطة بمخاطر دخول المجلس العسكري مدار التعطيل، فان عضو المجلس ومدير الادارة العامة اللواء شحيتلي الذي سيحال الى التقاعد بعد اسبوعين، هو ضابط الارتباط بين الحكومة اللبنانية و«اليونفيل» ورئيس الوفد اللبناني الى اجتماعات الناقورة الثلاثية، والمسؤول المكلّف من قبل قيادة الجيش في ملف النفط وترسيم الحدود البحرية، والمشرف على خطة تسليح الجيش. 

«ثلاثة» بـ «واحد» مع رصيد خبرة سنوات. ليس مجرد تفصيل في صلب جهاز عسكري يشكّل العمود الفقري للقيادة في اليرزة. في الاجتماع الثلاثي الاخير الذي عقد في الناقورة اتخذ الاسرائيليون قرارا بصرف النظر عن انشاء «الشريط التقني» داخل قرية الغجر بناء على طلب الجانب اللبناني. هي «الشعرة» التي تفصل احيانا كثيرة عن «مشروع» حرب قد يندلع في اي لحظة. الاشغال في نهر الوزاني نموذجا، وقبلها شجرة العديسة. 

وفيما يتمّ التداول في عدة سيناريوهات لـ «انعاش» المجلس العسكري وانتشاله من غيبوبة فقدان النصاب، فان معلومات تحدثت، وفي ظل تعثّر التعيين او التمديد لاعضاء المجلس العسكري، عن تجيير صلاحيات المجلس الى قائد الجيش الذي تنتهي ولايته اصلا في ايلول المقبل. هكذا خيار يواجه باجتهادات تؤكد عدم جواز تجيير صلاحية المجلس العسكري لاحد. 

وحتى الساعة لا يبدو ان حكومة تصريف الاعمال في وارد الاجتماع استثنائيا لوضع حد لـ «كوما» المجلس العسكري في ظل مناخات حرب تظلّل الحدود اللبنانية ـ السورية واللبنانية ـ الاسرائيلية وربما السورية ـ الاسرائيلية. 

هكذا ظلّت نداءات قائد الجيش من اجل تفادي المحظور كالصرخة في صحراء قاحلة. تجيير صلاحية المجلس العسكري الى قهوجي لن يكون سوى حمل ثقيل اضافي على كاهل قيادة الجيش التي ترزح اصلا تحت اعباء ملفات متفجّرة من الحدود الشمالية والشرقية، الى زواريب الاوكار الحساسة من طرابلس الى صيدا مرورا بالعاصمة بيروت، اضافة الى تأمين «الحضور الالزامي» بين خطي نار حفظ الامن في الداخل والانتشار على الحدود.


Script executed in 0.16784286499023