أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

خطاب «السيد» مؤشر جيو ـ استراتيجي

السبت 11 أيار , 2013 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,265 زائر

خطاب «السيد» مؤشر جيو ـ استراتيجي

فقط لانه يتناول أهمّ مسألة في الشرق الاوسط اليوم: سوريا، بالاضافة الى موقع الشخص، والمصداقيّة العالية، التي تراكمت عبر مراحل الصراع والحرب مع اسرائيل.

هل للخطاب أبعاد ومستويات؟

بالطبع. فهو ذو أبعاد دوليّة، اقليميّة وصولا الى الأبعاد المحليّة، حتى ولو كانت الأبعاد المحليّة تشكّل انعكاسا مباشرا للاقليم ـ والعكس صحيح ايضا.

ما هي الصورة الكبرى اليوم للمنطقة، وبالتحديد لسوريا؟

في الداخل السوريّ، هناك هجمات رديّة للنظام يحقّق عبرها انتصارات تكتيّة. إن تراكمات هذه الانتصارات التكتيّة، قد تُؤدّي الى تبدّل في الصورة الاستراتيجيّة. وهنا يأتي السؤال المهمّ: هل بدّل النظام أولويّاته؟ بحيث يريد خلق منطقة كبيرة آمنة يسيطر عليها، تكون منصّة انطلاق لمرحلة استعادة كلّ سوريا ـ العاصمة، محيطها، وادي نهر العاصي وكلّ المنطقة السوريّة الساحليّة. أمّ انه يريد خلق هذه المنطقة وترك الباقي من سوريا تحت شعار: «لم يعد من الممكن السيطرة على كلّ سوريا بعد كلّ ما جرى».

اتى خطاب السيّد الأوّل قبل الغارة الاولى، ليقول إن حلفاء سوريا لن يسمحوا بسقوطها. وهذا امر يذكّرنا بالقمةّ الثلاثيّة التي عُقدت في سوريا في العام 2010 بين الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد، الرئيس بشّار الاسد والامين العام لـ«حزب الله»، والتي انتجت الشعار الكبير «الكلّ للواحد، الواحد للكلّ» One for all, all for one.

بعدها تسرّب خبر استعمال النظام للسلاح الكيميائيّ، لتنفي ممثّلة الامم المتحدة الامر وتقول إن المعارضة هي التي استعملت هذا السلاح؛ لتعود بعدها الى نفي ما صرّحت به.

كان الردّ الاسرائيليّ عبر غارة متكرّرة، على مواقع داخل سوريا، تحت شعار رسم الخطوط الحمر التي تقوم على منع «حزب الله» من الحصول على سلاح كاسر للمعادلات، Game Changer وهو: صواريخ مضادة للطيران، صواريخ بالستيّة بعيدة المدى، صواريخ برّ بحر، كما السلاح الكيميائيّ.

لكن الاهمّ، هو ليس نقل السلاح لـ«حزب الله» كتبرير للغارة. فتمرير السلاح للحزب لن يتمّ علانيّة ومن ضمن مواكب ظاهرة، خاصة عندما تكون الساحة السوريّة مُراقبة ليل نهار. إذا للغارة وظائف ورسائل متعدّدة منها:

÷ تحضير زيارة جون كيريّ لروسيا.

÷ تحضير زيارة بنيامين نتنياهو لروسيا ايضا.

÷ التحضير للقمة المنتظرة بين اوباما وبوتين في حزيران المقبل.

÷ خوف اسرائيل من بدء تشكّل شيء ما على الحدود عند الجولان، حيث لإيران التأثير الأهمّ.

÷ لكن الهاجس الاكبر، المُخيف لإسرائيل هو تشكّل محور، ممتدّ من إيران الى الجولان، يمرّ في سوريا ولبنان، ومدعوم من قبل روسيا الهاجس الاكبر.

÷ فهل تحاول اسرائيل عبر الغارات المُتكرّرة خلق منطقة نفوذ لها، تمتدّ من الجولان، الى اطراف العاصمة دمشق، وضمنا جنوب لبنان حيث «اليونيفيل»، وسلسلة جبال لبنان الشرقيّة؟ ممكن.

هل هناك مبادرة دوليّة للحلّ في سوريا؟

يُقال إنه عندما تعقد المؤتمرات من اجل قضيّة ما، فهذا يعني ان الحلّ غير متوفّر. وإذا كان الحلّ متوفّر، على الأقلّ بين أميركا وروسيا، فما على الاثنتين إلا اقناع من يعنيهم الامر لفرض الحلّ. فهل يُعقل ان يكون الحلّ جاهزا، فيذهب كيري لمقابلة بوتين ـ جعله بوتين ينتظر 3 ساعات قبل مقابلته ـ والاجتماع بعدها بالمنظّمات غير الحكوميّة المُعارِضة للرئيس بوتين؟ 

في العقل السياسيّ الروسي، هذا امر غير مقبول وخطير جدّا.

ايضا، شكّلت الهجمة الروسيّة الديبلوماسيّة على لبنان فارقا مهمّا، أعطت الكثير من المؤّشرات، منها: تصريح المبعوث ميخائيل بوغدانوف انه لم يطلب من الأمين العام لـ«حزب الله» سحب مقاتليه من سوريا. تبعه تصريح سفير روسيا في لبنان الكسندر زاسبيكين انه يحقّ لسوريا طلب المساعدة من «حزب الله». إذا هناك مشروع حلّ، والحلّ المرتجى غير جاهز ولم ينضج بعد.

في خطاب السيّد نصرالله الاخير، الكثير من المؤشرات والرسائل، خاصة في ما يتعلّق بساحة الصراع مع إسرائيل، أهمّها:

÷ الردّ العقلانيّ الاستراتيجيّ السوري حول الغارة، كان عبر قرار تسليم «حزب الله» سلاحا كاسرا للمعادلات.

÷ استعداد الحزب لمساعدة المقاومة الشعبيّة في سوريا لفتح جبهة الجولان ـ لم يذكر السيّد نصرالله «المقاومة الاسلاميّة».

في تحليل التحوّلات الجيو ـ سياسيّة المرتقبة:

في نظرة من فوق، يمكن القول إن هناك تحوّلات جيو ـ سياسيّة جديدة، فريدة من نوعها، تحصل اليوم، منها:

÷ بعد ان كان لبنان يُشكّل تاريخيّا الخاصرة الطريّة لسوريا، منه تأتي كلّ المصائب للنظام فيها، اصبح لبنان اليوم مع سلوك «حزب الله» المُستجدّ، يُشكّل الخاصرة الآمنة للنظام في سوريا، لكن مع سوريا مختلفة ومن نوع جديد لم نعهده من قبل.

÷ بعد ان كانت الرسائل السوريّة لإسرائيل تُوجّه من لبنان عبر «حزب الله» وغيره من قوى الممانعة، يُؤشِّر خطاب نصرالله للمرة الاوّلى في تاريخ الصراع العربيّ ـ الاسرائيليّ الى انعكاس في الإدوار ـ فتح جبهة الجولان امام المقاومة الشعبيّة، هدوء جبهة جنوب لبنان، فهل اصبح لبنان يلعب لعبة الرادع، وسوريا هي الجبهة؟

÷ اما ما تبقى من مضمون الخطاب، خاصة في البُعد الداخليّ، فهي تفاصيل صغيرة في لعبة جيو ـ سياسيّة كبيرة وخطيرة جدّا.

([) خبير عسكري واستراتيجي


Script executed in 0.20629596710205