«لا حكومة، لا قانون انتخابات، لا انتخابات، لا تمديد». هذه هي خلاصة الازمة التي أوصلت الطبقة السياسة نفسها والبلاد إليها. لكن للأزمة وجه آخر. تأليف الحكومة (أو عدمه) سيولّد أزمة. إقرار قانون الانتخابات (أو عدمه) سيخلق أزمة. والتمديد للمجلس النيابي (أو عدمه) سيوصل البلاد إلى أزمة. وهذه الازمات لها جذر واحد: غياب الحوار السياسي الجدي. وبدل الدخول في نقاش حقيقي منذ مدة طويلة بشأن قانون الانتخابات وغيره من القضايا المطروحة حالياً، مارست القوى السياسية سياسة الانتظار، من دون تحديد ما هو المُنتَظَر. وفي الساعات الأخيرة السابقة لانتهاء كل المهل، يُنتَظر توافق شبه مستحيل أو معجزة، ما ينذر بسيطرة الفراغ على كل المؤسسات الدستورية. والامر لا يقتصر هنا على طرفي الانقسام، 8 و14 آذار، بل يشمل كل فريق على حدة. ما يجري بين القوات اللبنانية وتيار المستقبل يُظهر جانباً من الصورة الحقيقية. فقبل يوم واحد من انعقاد الجلسة التشريعية التي ستبحث إمكان التوصل إلى قانون انتخابي، لم يتمكن الحليفان من التوصل إلى حد أدنى من التوافق على قانون انتخابي. القوات والمستقبل يبحثان في اقتراح مختلط بين النسبي والأكثري. اتفقا على النسب (45 في المئة وفق النسبية و55 في المئة وفق النظام الأكثري). وتوصلا إلى تفاهم بشأن توزيع المقاعد بين النظامين. لكنهما اختلفا على حجم الدوائر التي ستُجرى فيها الانتخابات وفق النظام النسبي. لكن الحليفين تأخرا. أحد الناشطين على خط معراب ــ جدة قال لـ«الأخبار»: «كان ينبغي أن يبدأ هذا النقاش قبل 7 أو 8 أشهر. استبعِد التوصل إلى تفاهم في الوقت المتبقي، لكن أبواب النقاش ستبقى مفتوحة حتى لحظة انعقاد جلسة مجلس النواب يوم الأربعاء المقبل، وربما بعدها». خرج رئيس «القوات» سمير جعجع ليل أمس ليعلن أنه يتواصل مع الرئيس سعد الحريري، وأن اتصالاً هاتفياً بينهما أمس لم يفض إلى تفاهم على التفاصيل المختَلَف حولها. جعجع أكد أن حزبه جاد في السعي إلى التفاهم على اقتراح قانون مختلط، وأنه، في حال التوصل إلى تفاهم، سيطلب تعديل الأرثوذكسي، وتحديداً المادة الثانية، ليتحول إلى قانون مختلط. بكلام آخر، يريد جعجع القول إنه مستعد لنسف «الأرثوذكسي» في حال جرى التفاهم مع المستقبل على اقتراح آخر. فالمادة التي سيطلب نواب القوات تعديلها هي المادة الثانية، التي تنص على انتخاب أبناء كل مذهب لنوابهم، وفقاً للنسبية، وعلى أساس لبنان دائرة واحدة. لكن إذا لم يتم التوافق على اقتراح قانون جديد، فالقوات ماضية، بحسب جعجع، في التصويت إلى جانب الأرثوذكسي، وخاصة إذا كان الخيار بينه وبين «الستين» والتمديد.
وبغض النظر عن حوار القوات والمستقبل، تشير كل السيناريوات المتداولة بشأن ما سيجري خلال الأيام المقبلة إلى دخول البلاد أزمة حقيقية. رئيس مجلس النواب نبيه بري أدرج اقتراح قانون اللقاء الأرثوذكسي بنداً وحيداً على جدول أعمال الجلسة التي ستنعقد ابتداءً من الغد، بعدما تعذّر اتفاق هيئة مكتب المجلس على البنود الواجب إدراجها على الجدول. نصاب الجلسة متوافر، لكن برّي لم يبلغ بعد أقرب حلفائه إليه بما سيفعله: هل سيطرح الاقتراح على التصويت أم سيمتنع عن ذلك بسبب غياب المستقبل ونواب جبهة النضال ربطاً بالعرف المذهبي؟ وفي حال التزم القوات والكتائب تأمين النصاب حتى التصويت على «الأرثوذكسي»، فإن القانون سيقر، وسيُحال على السرايا الحكومية ليوقّعه رئيس حكومة تصرف الاعمال نجيب ميقاتي. والأخير لم يحسم أمره. هل يوقّع القانون، كالمعتاد، ويحيله على رئاسة الجمهورية ليوقّعه رئيس الجمهورية ميشال سليمان، ليُنشَر لاحقاً في الجريدة الرسمية، أم أن ميقاتي سيرتكب مخالفة دستورية تكاد تكون غير مسبوقة بعدم التوقيع على القانون؟ ينتظر ميقاتي ليقرر. وإذا وصل القانون إلى قصر بعبدا، فأمام رئيس الجمهورية خياران: ردُّه إلى المجلس النيابي، أو الطعن فيه أمام المجلس الدستوري. وفي الحالة الاولى، سيكون لدى المستقبل (ومن خلفه السعودية) وقت إضافي للضغط على حلفائه بهدف عدم تأمين نصاب التصويت مجدداً على الأرثوذكسي. أما الخيار الثاني (الطعن أمام المجلس الدستوري)، فيراهن بعض مؤيدي الأرثوذكسي على عدم نجاحه في حال تضمين القانون عبارة «لمرة واحدة»، ربطاً بقرار أصدره «الدستوري» في تسعينيات القرن الماضي.
خلاصة القول إنه أمام الأرثوذكسي طريق طويلة وشاقة. هذا في حال أقر. أما في حال عدم إقراره، فالجميع أمام أمر واقع اسمه قانون الستين بمُهله التي شارفت على نهاياتها. ورغم التوافق على ضرورة التمديد للمجلس النيابي الحالي تحت مسمى «التمديد التقني»، فإن أحداً لا يملك خارطة طريق لهذا التمديد. فلا أحد من القوى تبرّع بالتقدم باقتراح قانون التمديد.
وإذا لم يصدر قانون لتمديد ولاية مجلس النواب، ثمة معضلة أخرى لا أحد يعرف علاجها. لا إمكانية لعقد جلسة لمجلس الوزراء من أجل استصدار قرار بتأمين سلفة خزينة لتمويل إجراء الانتخابات (نحو 45 مليار ليرة)، ولا لتعيين أعضاء ورئيس هيئة الإشراف على الانتخابات. وفي ظل توافق سياسي، بإمكان القوى السياسية اللجوء إلى مخالفة القانون في الأمرين، من خلال تمويل بلا سلفة خزينة، وتعيين أعضاء الهيئة بلا اجتماع لمجلس الوزراء. لكن بوادر التوافق لا تزال مفقودة.
جل ما في الأمر أن البلاد مقبلة على أزمة كبيرة مرتبطة بقانون الانتخابات. وليس الوضع أفضل حالاً في شأن تأليف الحكومة.
تحالف 8 آذار ـــ التيار الوطني الحر غير مقتنع سوى بأن النائب وليد جنبلاط، ومعه رئيس الحكومة المكلف وقوى 14 آذار، ومن خلفهم السعودية، يمارسون الخداع. وبحسب مصادر في التحالف المذكور، «يريد الفريق الآخر الحصول على قانون انتخابي، ثم تأليف حكومة أمر واقع». ودليلهم على هذا الامر أن لقاء بري مع الرئيس المكلف تمام سلام أمس، ولقاءه الوزير وائل أبو فاعور أيضاً، لم يقدما أي جديد. فسلام والنائب وليد جنبلاط ومعه رئيس الجمهورية، لا يزالون مصرين على صيغة 8 ـــ 8 ـــ 8، فيما قوى 8 آذار تتمسك بالوزير التاسع قبل الثمانية الباقين. وما أنتجته زيارة جنبلاط للسعودية يقتصر على الاتفاق على تأجيل التأليف. وفيما ترى مصادر «وسطية» أن هذا التأجيل لن يستمر لأكثر من أسبوع، تؤكد مصادر رفيعة المستوى في تيار المستقبل أن الحكومة لن تؤلّف إلا بتوافق سياسي غير متوافر حالياً، مؤكدة أن سلام فوّت فرصة التأليف التي كانت متوافرة لديه، «لأن جنبلاط لم يعد قادراً على منحه الأكثرية اللازمة بعد التهويل الذي مارسه عليه فريق 8 آذار، ورئيس الجمهورية لن يمنحه التوقيع». وتشير المصادر إلى أن القوات اللبنانية لديها أيضاً تحفظات على أداء الرئيس المكلف الذي لا يُشاور القوات، وعلى السعودية والرئيس سعد الحريري بسبب حصرهما مشاورات تأليف الحكومة بجنبلاط.
غوردن في بيروت
من ناحية أخرى، وصل إلى بيروت أمس منسق شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج في الإدارة الاميركية فيليب غوردن الذي عيّنه الرئيس باراك أوباما في منصبه في آذار الماضي. وقد تقررت الزيارة الاسبوع الفائت، وأحيطت التحضيرات لها بالكتمان. وفي برنامج غوردن لقاءات مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس بري وقائد الجيش العماد جان قهوجي. ولم يُعرَف بعد ما إذا كان سيلتقي رئيس حكومة تصريف الأعمال أو الرئيس المكلف.
وتأخذ الزيارة أبعاداً خاصة في توقيتها وفي برنامجها، إذ إنها تأتي في خضم أزمة تشكيل الحكومة وقانون الانتخاب. وتولي الجهات الرسمية اللبنانية اهتماماً بالزيارة وبالموقف الاميركي الذي سيعبر عنه غوردن. وسيكون الوضع السوري حاضراً في محادثات غوردن، علماً بأنه شكّل جزءاً أساسياً من برنامج زيارته للشرق الاوسط وخلال اللقاءات التي أجراها في مصر.
«الدستوري» يردّ طعن جنبلاط
على صعيد آخر، ردّ المجلس الدستوري طلب إبطال قانون تعليق المهل التي ينص عليها قانون الستين، والمقدم من النواب وليد جنبلاط، فريد مكاري، نعمة طعمة، إيلي عون، غازي العريضي، علاء الدين ترو، أكرم شهيب، وائل أبو فاعور، هنري الحلو، أحمد كرامي، ومروان حمادة.