لم يكن أشد المتشائمين حيال الوضع الأمني في طرابلس يتوقع أن تنفجر الاشتباكات أمس على محور باب التبانة ـــ جبل محسن، وإن كان أغلب مسؤولي المدينة وأهلها يبدون خشيتهم من أن ينعكس تطور الوضع العسكري في سوريا بشكل دراماتيكي تلقائياً على لبنان، وعلى وجه التحديد في طرابلس.
فيوم أمس، بدأ بنشاط مميز بانطلاق سباق الماراتون (حمل شعار «لنركض معاً نحو السلام») الذي شارك فيه آلاف من أبناء عاصمة الشمال، وسط أجواء كرنفالية سادها الفرح، حتى بدت طرابلس كأنها مدينة أخرى غير المدينة التي طُبعت في السنتين الأخيرتين بطابع نافر، سياسياً ومذهبياً، إلى درجة أن أكثر من مسؤول وناشط ومواطن فيها خرج إلى وسائل الإعلام ليقول إن المدينة عادت إلى أصالتها، وإنها على هذا النحو هي المدينة التي نعرفها.
وسبق هذا الجو التفاؤلي اجتماع عقد عصر السبت في المنزل الجديد لرئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، قرب كورنيش الميناء، حضره وزراء طرابلس ونوابها، باستثناء النائب سامر سعادة، استمر أكثر من ساعة، جرى فيه التأكيد على ضرورة تنفيذ الخطة الأمنية المتفق عليها، ودعم كل خطوة تقوم بها الأجهزة الأمنية لضبط الوضع الأمني في طرابلس، والطلب من الجيش دعم قوى الأمن الداخلي في مهماتها.
لكن هذه الأجواء التفاؤلية بدأت تنحسر ابتداءً من بعد ظهر أمس، بالتزامن مع المعلومات التي تحدثت عن تقدّم للجيش السوري في مدينة القصير السورية، واقتراب حسمه للوضع فيها، ما جعل المخاوف ترتفع تدريجاً في طرابلس من احتمال انتقال العدوى إليها، كما جرت العادة في كل مرة، وأن يتردد صدى القصير في المدينة.
كانت هذه المخاوف في محلها، إذ قبل عصر أمس بقليل سادت شائعات في طرابلس بأن هناك مجموعة شبّان من طرابلس ممّن يؤيدون الشيخ سالم الرافعي وذهبوا للجهاد في سوريا ومقاتلة النظام، محاصرون داخل مدينة القصير، وتحديداً داخل مبنى بلديتها، وأن منهم من قتل ومنهم من وقع في الأسر، ومنهم من يحاول الفرار خارج المدينة.
لم تمض أكثر من ساعة على انتشار هذه الأخبار حتى كانت المناطق الساخنة في طرابلس، الواقعة على تخوم منطقة جبل محسن وخطوط التماس المحيطة به في باب التبانة والقبة والمنكوبين وسوقي الخضار والقمح والحارة البرانية، تشتعل إطلاقاً للنار وتبادلاً للقذائف وقصفاً على مختلف المحاور، فيما غادرت عشرات العائلات مناطق الاشتباكات نحو مناطق أكثر أمناً.
عنف الاشتباكات في ساعات ما بعد الظهر، والتي أدت إلى سقوط قتلى وجرحى، بينهم قادة محاور، جعل أغلب مسؤولي طرابلس من السياسيين والأمنيين يتخوفون من أن تكون ردّة الفعل على ما حصل في القصير دامية ومدمّرة في المدينة، وخصوصاً أن البعض رفع شعار: «لن نرضى إلا بسقوط جبل محسن مقابل سقوط القصير».
مع اقتراب ساعات المساء، وبعد انتقال مسلسل الإشكالات الأمنية إلى مناطق أخرى خارج مناطق الاشتباكات التقليدية، إثر وقوع أكثر من إشكال في مناطق أبي سمراء والميناء والزاهرية والأسواق، وإلى إغلاق الطريق الدولية التي تربط طرابلس بعكار والحدود الشمالية بعدما طاولها رصاص القنص، بادر الجيش إلى اتخاذ إجراءات أمنية أكثر حزماً، بالتزامن مع وصول تعزيزات عسكرية إضافية إلى المدينة، من أجل احتواء الوضع.