أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

توجس من ظهور حالات ثأر تكفيرية.. فردية

الأربعاء 22 أيار , 2013 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,754 زائر

توجس من ظهور حالات ثأر تكفيرية.. فردية

ثمة هاجس يلاحق كبار الضباط في أجهزة أمنية رسمية، انطلاقاً من تقارير ومعلومات استخباراتية: «من يضمن عدم ظهور توأم جديد لعبد الغني جوهر، يقوم بزرع عبوة ناسفة في الضاحية أو في مكان مشابه ديموغرافياً، اقتناعاً منه بأن تلك هي الطريقة التي يستطيع من خلالها الثأر من «حزب الله»، ربطاً بالحرب السورية الداخلية؟ نشوء حالة جوهر ظهرت وسط عوامل طائفية تشبه الوضع الحالي».

عبد الغني جوهر اسمٌ ذائع الصيت: هو من فجّر عبوة ناسفة استهدفت الجيش في طرابلس في العام 2008، وأدت إلى استشهاد 10 عسكريين و3 مدنيين. خطط ونفذ تفجير البحصاص، الذي استهدف حافلة للجيش، وأدى إلى استشهاد 4 عسكريين. حاول استهداف قائد الجيش العماد جان قهوجي على طريق مطار القليعات. خطط لتفجير دمشق الدموي في العام 2008. 

وعلى الرغم من مقتل جوهر في العام الماضي خلال المعارك في سوريا، غير أن شبحه ما زال موجوداً، إذ أصبح لدى بعض الضباط نموذج عن الأعمال الإرهابية الفردية: «هذا الإرهابي كان شاباً عادياً قبل معركة فتح الإسلام في نهر البارد. لم يكن يميل إلى العنف، وكان يعمل في مهنة الطلاء. لكن بعد انتهاء المعركة، وسبقها ارتياده دروساً دينية، قرر أن ينتقم لطائفته وفق عقيدته التكفيرية، وكان الهدف: الجيش اللبناني». 

في المرحلة الحالية، وإلى جانب التخوّف من عمليات إرهابية منظمة، يستعين الضباط بنموذج جوهر للوصول إلى خلاصة: تكمن المخاطر الأساسية في إمكانية ظهور حالات متشددة، تتخذ الطابع الفوضوي المفتقر إلى التنظيم، حيث يتميز أفرادها بتصميم عالٍ وعقيدة متشددة تصعب متابعتها، هدفها الثأر. 

ويعتمد أفرادها، مثل جوهر، على انتقاء أفراد يافعين (طلاب جامعيون في معظم الحالات)، ليس لهم أي سجلات جرمية، كي يتم تسهيل عملهم بعيداً من المراقبة الأمنية. 

لم ينفذ جوهر خطة منبثقة من شبكة إرهابية أو خلية تكفيرية. بل هو من خطط لتفجيري التل والبحصاص، وهو من رصد واستطلع، وجهّز العبوة، ونفذ، وحده، بـ«مباركة» من الأصوليين. سبق ذلك تدرّبه على كيفية إعداد المتفجرات وتفجيرها حتى «أصبح محترفاً»، على يد أبو بكر مبارك الذي قُتل مع أمير «فتح الإسلام» عبد الرحمن عوض في شتورا. 

نموذج جوهر «خطر»، يقول أحد الضباط، شارحاً: «انطلق هذا الشاب من أسباب شخصية ـ عقائدية، وقرر أن ينتقم، مثلما قرر أفراد لا ينتمون إلى خلايا منظمة، أن ينتقموا في العراق من الجيش الأميركي، ثم أخذوا تباعاً صفة التنظيم، ومنهم من وصل إلى مراتب قيادية في بعض المنظمات، ومنهم من بقي فرداً. هكذا، بدأ عبد الغني جوهر الذي تحوّل لاحقاً إلى أسطورة لدى الإرهابيين التكفيريين، وأصبح زعيماً».

في المقابل، ثمة ضابط أمني آخر، يقول: «الخوف من وجود ذهنية جديدة مثل عقلية جوهر، أمرٌ قائم. غير أن التدابير الأمنية، اليوم، لا تشبه الأمس وقبله. وأي شخص مثل جوهر، يدرك أن الأجهزة الأمنية، والجهة السياسية التي يعتبرها الهدف، تنفذ يومياً إجراءات رادعة في كل منطقة وفي كل زقاق، استباقاً لوقوع أحداث مماثلة». 

يقسم الضباط المعنيون في ملف الإرهاب، أبرز الحوافز التي تدفع بالإرهابيين التكفيريين إلى تنفيذ أعمالهم الميدانية، إلى قسمين: الفرد الذي يدخل تنظيماً أصولياً، اقتناعاً منه بأن ذلك «جهاد في سبيل الله»، فيمتثل للأوامر والفتاوى، وآخر يقرر الخروج عن قواعد التنظيم ليشكل حالة جديدة. 

تستطيع الأجهزة الأمنية الاطلاع على تجمّعات المنظمات التكفيرية. تحاول رصدهم، وتتعاون لذلك مع أجهزة مخابرات أجنبية في سياق تبادل المعلومات. لكن الإرهابي الذي يقرر الخروج من التنظيم، يصبح مرتبطاً بظله ولا تعرف الأجهزة الأمنية هدفه: هل يريد أن يصبح مستقلاً ويشكل تنظيماً جديداً، أم أنه يريد أن يبدأ مثل جوهر؟ 

البداية التي اتخذها جوهر طريقاً لـ«الجهاد»، يصعب استباقها في ظل الأوضاع الأمنية في لبنان، يقول مصدر مطّلع، بينما يوضح مصدر آخر الأمر، قائلاً: «لو كانت صعبة فقط في بلدنا، لكانت أجهزة الأمن الأميركية قد تمكنت من منع وقوع تفجيري بوسطن. التفجيران في أميركا أيضاً يشبهان بصمات جوهر، إذ لم يستخدم الشقيقان اللذان نفذا العملية متفجرات حديثة، وأيضاً انطلقا من عقائد تكفيرية. ولم يساعدهما أحد بالرصد والاستطلاع والتجهيز والتنفيذ». 

ويؤكد القياديون في الأمن أن «الهدوء الذي نمر به حالياً، بحد ذاته، ينذر بعاصفة أمنية قابلة لأن تنفجر فجأة»، إذ يسأل أحد الضباط: «هل تخيّل النظام السوري، يوماً، أن تتحوّل بنادق الجماعات الأصولية إليه؟ كانوا يتوجهون إلى العراق، لكن في الوقت ذاته حفظوا الأراضي السورية وراكموا الخبرات الميدانية. حينها، كان الوضع في سوريا هادئاً». 

يضيف الضابط سائلاً: «ماذا نعرف عن عدد اللاجئين السوريين في لبنان حالياً؟ ماذا يفعلون؟ أين ينتشرون؟ أين معاهد التدريس الدينية ومن يرتادها؟ من يضمن عدم نشوء حالة ثأر فردية لدى شاب قُتل أفراد عائلته في سوريا، مثلما قرر جوهر أن يثأر لفتح الإسلام وطائفته؟». 

وإذا كان الهاجس الأمني لدى هؤلاء الضباط، يركز على الخوف من ظهور «حالات إرهابية تكفيرية فردية تفتقر إلى التنظيم»، إلا أن التوجس من التنظيمات الأصولية لا تكتنفه ضبابية مشابهة، لأسباب عدة، أبرزها: «هؤلاء يعتمدون بوصلة أساسها المعارك في سوريا. عندما تميل لكفتهم يستكملون ويكثفون جهودهم هناك، وعندما تتضاءل، يشعلون فتيلاً في لبنان». 

وفيما يقول رئيس أحد الأجهزة الأمنية المحلية لـ«السفير»، إن «الأمن الوقائي تجاه الشبكات الأصولية المتعددة الجنسيات في لبنان، لم يبلغ الحد الأدنى من المستوى الأمني المطلوب»، يوضح مصدر في جهاز أمني آخر: «لبنان أصبح ساحة مفتوحة للتكفيريين، وهؤلاء يتوغلون في المخيمات الفلسطينية، فماذا نستطيع أن نفعل؟». 

ويشير المصدر إلى أن «المخبرين الذين تجندهم الأجهزة الأمنية، كي يخترقوا التنظيمات الأصولية، يتعاونون مع الأصوليين أكثر من الأمن»، موضحاً: «شاكر العبسي دليل واضح على الأمر، إذ أن المخبرين أخبرونا حينها أن العبسي غادر الأراضي اللبنانية، ثم اكتشفنا أنه بقي في لبنان 3 أشهر! هل هذا أمن؟». 

وسط ذلك، لا يجد الضباط المعنيون أي جواب في شأن احتمال ظهور توأم جديد لعبد الغني جوهر. يقولون: «لدى التنظيمات الأصولية بوصلة معينة. يمكننا تحليلها ومتابعتها، مثلما توقعنا حدوث اشتباكات في عين الحلوة أخيراً، بعدما تقدّم الجيش السوري في القصير. لكن كيف نستطيع منع ظهور جوهر جديد، في ظل الاحتقان الطائفي من جهة، وفلتان الساحة الأمنية من جهة ثانية؟». 

في المقابل، يقول ضابط «عتيق» إن «التخوف من انفجار عبوة هنا أو هناك أمر مشروع. لكن لماذا نقوم بربط هذا الأمر فقط بحالة فردية أساسها الثأر؟»، موضحاً: «في لبنان أجهزة أمن مخابراتية أجنبية لا تُحصى، وثمة مصالح دول إقليمية تتحكم بقرارات الجماعات الأصولية». 

يحاول الضابط ألا يخفف من احتمال ظهور حالات تكفيرية ثأرية فردية، وفي الوقت ذاته يقول: «في الأمن الاحتمالات مفتوحة. لكن الجزم باحتمال ظهور عبد الغني جوهر جديد، يعود بالنفع على الجماعات الأصولية والدول التي تحركها، إذ يصبح جسم الثأر الفردي فضفاضاً وتُلصق به كل التُهم».


Script executed in 0.1655330657959