في مناسبة التحرير، تتقد الذكريات الممنوعة في رأسك. ذكريات من أيام الوجدانين الاثنين والوطن المشلع، كان، وهو كذلك دائماً. يوم جاءت حاملات المركبات الكبيرة تلك، يقودها عناصر من حزب الله، وعليها دبابات اسرائيلية مصادرة من مخلفات الاحتلال المدحور. لم تصدق يومها أن القصد من الاستعراض بعث روح كرامة عند شعب كامل. توحيده حول قضية واحدة. بعدما انقسم عامودياً حول كل القضايا، لأنه انقسم بداية حول مفاهيم الهوية وجوهر الدولة. يوم اخترق موكب التحرير نفق نهر الكلب، أحسست أنك صرت خاضعاً لاحتلال جديد. في الأشرفية، يومها، اختُصر الموكب تفادياً لإشكالات، ورغم الاختصار لم تمر اللحظة من دونها. كانت المخيّلة الجماعية لناسك يومها في مكان آخر. مجتمعة تحت عنوان القهر، مجمعة على إحباطها وتصحّرها واضطهاديها، الذاتي قبل الموضوعي. هكذا مر إنجاز التحرير غير المسبوق في تاريخك، مروراً لا يخلو من مرارة. كأنه انتصار لآخرين على أرض أخرى، أو على أرضك، أو عليك.
بعد ثلاثة عشر عاماً، قد يكون من الضروري نبش تلك اللحظة، مكاشفة الكلام والشعور والإحساس المكتوم المكبوت. شيء من تطهير الذاكرة والوجدان، من استخراج حداد على ذات عامة، على هوية وطنية ماتت لأنها لم تولد قط. بعد ثلاثة عشر عاماً، تكتشف بالقراءة وإماطة اللثام عن الأسرار الكثيرة المدفونة، وبتكرار الأحداث قبل وبعد، منذ عملية «تصفية الحساب» في تموز 1993 حتى حرب تموز 2006، تكتشف أنك لم تكن وحيداً في خوفك من نصرك وفي مؤامرتك السرية عليه. كلهم كانوا كذلك. كلهم كانوا متآمرين. مع فارق أنك لم تبلغ حد التصرف أو التنفيذ، فيما هم ذهبوا، وبعضهم ذهبوا بعيداً. وتكتشف أنك لم تكن مدركاً أنك صاحب مصلحة في إنجاز التحرير يوم «تآمرت»، فيما كلهم كانوا مدركين ومستفيدين ومنتفعين... وتآمروا.
بعد 13 عاماً، تنجلي أمام عينيك حقائق كثيرة. أولها أن حسن نصرالله انتصر وحده على اسرائيل سنة 2000. لم يكن معه من المحتفلين بنصره، إلا دماء قلة. مجانين، حتى انتصروا، فعُمدوا بعد انتصارهم مقاومين. وتكتشف أنه يوم أرسل هديته عبر ذلك النفق، كان صادقاً في إهداء نصره لك. وأنها كانت ربما فرصة لخروجك من نفقك. وتكتشف أن اكتشافك هذا لم يأت عفوا، ولا سهواً. هو ميشال عون من فتح هذا السفر الجديد في وجدان هذه الجماعة. قد يكون الاعتراف هنا ايضاً قاسياً. قبله كانت صورة «الدولة الإسلامية في لبنان»، وأدبيات الطفيلي الشهيرة ــــ للمناسبة لماذا لا ينبشها المستفيقون على محاورته شخصية وطنية جامعة هذه الأيام؟ ــــ وكانت صورة أن «الضاحية» نقيض المدينة والمدينية حتى، وأن الوطن هو على صورة الحويك وحده، في «شؤونه الوطنية»، التي اكتشفها أخيراً وبعد فوات أوان سعد الحريري.
بعد 13 عاماً على التحرير، تعيد إنتاج صورة التساؤل نفسه والتشكيك نفسه: ترى ماذا يحصل في القصير؟ هل هي بدايات «جنون» آخر؟ هل تكون أمام استلاب ثان واحتمال خطأ ثان؟ هل يموت شبان لبنانيون هناك، من طرفين لبنانيين، دفاعاً عن ماض عمره 14 قرناً ونيف؟ كيف لعقلك المدني الدنيوي، أن يقبل مبدأ مصادرة الآتي من أجل ما فات؟ وأنت من يؤمن نسغاً وإحشاء بأن كل التاريخ لا يستحق هدر لحظة مستقبل؟ تعرف قصة زينب، تحفظ خطبتها المدمية، تتلمّس الخطر على مقدس الآخر، من مقام سكينة إلى ضريح حجر بن عدي... لكن هل يكفي كل ذلك للحكم على القادم من الأيام؟
في لحظة اشتداد التساؤل عليك، على الوجدان الهشّ من نقاهة لم تكتمل، يأتيك صوت أشرف ريفي، كأنه حَجّاج حديث معاصر. يزيد التساؤل: أي أمن رسمي كان الرجل مؤتمناً عليه قبل أسابيع فقط؟ أي موقف «رجل دولة» وقفه نجيب ميقاتي حين ربط كل حياتك بالتمديد لحجاج لا معمم، لكن مقنَّع؟ تتساءل فيما الناس يموتون. من أجل لقمة خبز وفقر يفعلون، أم من أجل صورة خاصة لله في عقولهم؟ كيف هو الله في الاحتمالين؟ لماذا يتركهم بلا خبز، ولماذا يدعهم يقتلون أو يُقتلون من أجله؟
تشتد زحمة الأفكار عند هذا التقاطع «الزياد رحباني» في رأسك. تهدد بانفجار آخر لوضع مأزوم منذ وُضع على كتفيك. فجأة يأتي الحل، كالترياق، كالسحر: السعودية تعدم خمسة يمنيين، بقطع الرأس ومن ثم الصلب ومن ثم العرض بواسطة رافعات البناء الضخمة، عملاً بحد الحرابة الشرعي. أما أرباح مصارف بيروت فلم تتأثر بكل ما سبق في الفصل الأول من السنة...هل من فصل آخر أو أعظم؟