أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«شهداء حزب الله» في البقاع: «على طريق فلسطين»

الأربعاء 29 أيار , 2013 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 10,459 زائر

«شهداء حزب الله» في البقاع: «على طريق فلسطين»

لم تكن يوم استشهادها تريد الذهاب إلى المدرسة. شكت والدها الذي أصرّ على التحاقها بصفها بعدما أعلنت مدرستها فتح أبوابها. قالت لولو لأمها «شو بدو يقتلني؟». لم تقتل لولو في الصف ولا على الطريق، شاهدت الصاروخ يأتيها بأم العين وهي على «سفرة» درج بيتها.

ليست الهرمل ما قبل مقتل لولو كما بعدها. لم تعد الصواريخ مجرد «شهب» نارية تقطع فضاء المدينة من دون أن تصيب مقتلاً، وإن دكت بعض المنازل. لم يكن الدم قد سال، وإن كان الجو مسموماً. 

علُقت الدروس في المدارس منذ نحو شهر ونصف الشهر. صارت الهرمل، والقرى المحيطة، في قلب الحرب، ومعركة القصير على رأسها.

ومع «فوّرة الدم»، لم يعد الحديث عن القتال في الداخل السوري مجرّد حماس فتية وبعض الشباب الذين يريدون قطع الطريق والإمساك بـ«مقاتلين» يعبرون الهرمل نحو الجرود العرسالية، ومنها إلى الحدود السورية حيث تطلق الصواريخ. العقلاء، ومنهم والد لولو، وقفوا بحزم ضد كل ما من شأنه أن يزيد التشنج المذهبي، على الضفتين.

مقتل لولو أضيف إلى لائحة الأسباب التي يسوقها المؤيدون لمشاركة «حزب الله» في القتال في سوريا، فـ«المعركة ستنتقل إلينا عاجلاً أم آجلاً لأن المقاومة هي الهدف». وعليه، «صدق الإمام علي» عندما قال في خطبة الجهاد «اغزوهم قبل أن يغزوكم، فـ «والله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلّوا». لكن «التكفيريين» الذين يقاتلون في سوريا ليسوا في عقر دارهم «هم مرتزقة يقاتلون بأجر قطري - سعودي، وبأجندة أميركية - إسرائيلية»، وفق ما يقولون.

ومن طاريا إلى الهرمل فالقصر وإبش وسهلات المي، ترتفع أعلام حزب الله وراياته في كل مكان. عند ناصيات الطرق، على شرفات المنازل، وتتدلى صور الشهداء على العديد من الأبنية بأحجام كبيرة.

أمّا الآراء في الهرمل ومنطقتها، مروراً بمأنة وشعت وبعلبك وإيعات وبريتال، وإن كانت بغالبيتها الساحقة، وعلى الصعيد الشعبي، مؤيدة بشكل عام لما يفعله «حزب الله»، إلا أنها تحتضن أيضا من يرى أن المعركة «ليست معركتنا، وكان يجب ألا نتدخل».

وعلى ضفة الرأيين، هناك شريحة تبدو كمن يحمل آلة حاسبة بين يديه. يحسبون عدد السلفيين الذين قصدوا وما زالوا يقصدون سوريا من دول عربية وأجنبية عدة، ومعهم «المساهمة القطرية والسعودية والأميركية والإسرائيلية بالمال والسلاح والخبراء»، ليخرجوا برقم لا يقل عن أربعين إلى خمسين ألف مقاتل. 

ويسأل هؤلاء عن «المشروع الذي يخطط له، وبالتحديد في ما يخص المقاومة»، لينتهوا بتفهم موقف الحزب وقيادته، مع التذكير «بحق الشعب السوري بالحرية الذي أفسده الجميع»، وإبداء الأسف والحزن بسبب الحالة المذهبية المستشرية في لبنان وسوريا.

وفي موازاة الآراء والمواقف، تغيّر المشهد في البقاع. إذ لا يخلو يوم من «زفة» شهيد. لا تخلو قرية من عزاء. ولا يدور حديث بين اثنين إلا وكان ما يجري في سوريّا في صلبه. بعض المناطق المختلطة تعيش على صفتي الانقسام الحاصل تبعاً للانتماء المذهبي في الدين الواحد. يقول الشيعة إن بعض السنة من جيرانهم لم يقدموا لهم العزاء بشهدائهم. ويعترض بعض السنة على ما يسمونه «الاحتفالية» التي «يزف» بها الشهداء، وخصوصاً إطلاق النيران الكثيف الذي يصاحب كل تشييع، ليقولوا «إن ذلك يعزز الشرخ بين أبناء المنطقة الواحدة والحي الواحد وحتى المبنى ذاته».

وما يجمع عليه الجميع هو الخوف من الآتي المجهول، من دون أن يخفوا رغبتهم باستمرار تقاتل المشاريع المتناقضة، ولكن على غير أرضهم هذه المرة.

وحدهم أبناء القاع ورأس بعلبك، البلدتين المسيحيتين على الحدود مع سوريا، وعرسال ومشاريع القاع، يفضلون عدم الحديث بالموضوع، وتحديداً ذكر أسمائهم. 

يقول أحد الرجال الذي كان يشرب قهوته على مصطبة منزله على الطريق العام في القاع «نحن قاعدين بتم الكلب، شو ما عملنا بياكلنا»، مضيفا أن مواقفهم «إذا أزعجت مؤيدي الثورة يمكن أن يهاجمونا من مشاريع القاع وعرسال، وإذا أزعجت حزب الله فها هي الهرمل على مرمى الحجر».

وبغض النظر عن الآراء بالحرب السوريّة، فالأهم هو «أن يبقى المسيحيون على الحياد»، كما يقولون. والحياد هنا يعني طبعاً «عدم التدخل في كل ما يجري حفاظاً على وجودهم ومناطقهم.

 

يقع بيت الشهيدين علي ورضوان قاسم العطار على الطريق العام في بلدة شعت البقاعية. يجلس قاسم العطار في صدر صالون منزله يتقبل «التبريكات». يصل نحو عشرة شباب يبدو أنهم من «حزب الله»، يقتربون من والد الشهيدين، لينحنوا محاولين تقبيل يديه. يسحب الرجل يده بمنتهى الخجل والتهذيب، «أعوذ بالله»، يقول، وتغرورق عيناه تأثراً، والشباب يقولون له «كلنا أولادك».

يكفي الرجل «فخراً» كما يقول، أن السيد ذكره في خطابه، وتحدث عن موقفه وهو الأب الوحيد الذي قدم شهيدين في اللحظة نفسها في المعارك الجديدة. يقول أن «أعداء المقاومة» كانوا يرسلون له «الجاسوس وراء الجاسوس والأمل يحدوهم أن يذهبوا ويقولوا إنني منهار». «العين بتدمع» يقول الرجل، ولكن «القلب راضٍ والعقل مقتنع والإيمان كبير بالله وبالحزب، وبكل ما يقوله سيده».

المعركة بالنسبة إليه «فرض واجب كما الصلاة»، فالقتال في سوريا يجري «ضد الشياطين». وهو يرى أن ثمانين في المئة من سنّة سوريا «مظلومين»، وأنه «لا يوجد أكثر من عشرين في المئة مع الشياطين الأجانب الذين جاؤوا من كل مكان».

عندما وصل الشهيدان رضوان (36 سنة) وعلي (أربعين سنة) حمد الحاج قاسم ربه مرتين. الأولى لاستشهاد ولديه مع خط المقاومة وفي سبيل الله، والثانية لعودة الابنين الأخريين سالمين. كانوا أربعة أشقاء يقاتلون في الوقت ذاته. والصلاة لعودة الاثنين الآخرين سالمين «ليست إلا الحمد لتمكنهما من العودة للقتال إلى جانب إخوانهم».

 

«القتال واجب»

 

في بريتال، تنصب عائلة الشهيد علي حسام إسماعيل خيمة «التبريكات» في حي الجامع. يشير والد الشهيد إلى قريب له ليساعده في شرح وجهة نظره. 

الوالد أبكم ولكنه يجيد التعبير بالإشارات عن مكنونات قلبه. ليس ما قام به ولده وهو وكل عائلته سوى «الواجب». يقول الرجل إن الله عوض عدم قدرته على الكلام بإهدائه «شهيد». وهكذا أصبح بإمكانه أن يشارك «السيد حسن الذي لم يبخل على المقاومة بابنه هادي أيضاً، الشعور الفخر نفسه».

بريتال نفسها تبدو فخورة بنحو أربعة شهداء قدمتهم حديثاً، كما «لم تبخل قديماً على المقاومة»، كما يقول قريب الشهيد.

على الطريق من بريتال إلى بعلبك، يقول صاحب مؤسسة كبيرة في دورس إنه طلب بضاعة جديدة بعد خطاب نصر الله الأخير. حجته أن «خطاب السيد أعطى الأمل للناس، وعليه ستزدهر الأعمال». يقول الرجل «نحن لدينا ثقة بالحزب وبخيارات قيادته»، لذلك، «كان يتعيّن على حزب الله أن يلاقي الأعداء لا أن ينتظرهم ليهاجموه في عقر داره، وهذا ما كان سيحصل مليون في المئة».

في قلب بعلبك، تقول والدة الشهيد عباس عثمان إنها تتوقع من زوارها تهنئتها بالشهادة وليس «التعزية». هي فخورة بأنها أنجبت رجلاً شجاعاً ذهب إلى الشهادة بقلب جسور وبإيمان عميق. تقول إنه ما زال لديها أربعة شباب «هؤلاء ليسوا أولادي، بل أبناء المقاومة وجاهزون في أي ساعة يطلبونهم بها». عندما ودعت عباس (32 عاماً) كانت تعرف أنه قد يعود شهيداً «لكّنه ليس أغلى من الإمام الحسين أو أبو الفضل العباس».

زوجة عباس قالت لابنته البكر (سنتان) إن والدها ذهب إلى الجنة «قلت لها الحقيقة»، تقول. تزوجت من الشهيد وهي تعرف أنه مقاوم «وأنه مشروع شهيد وأنا أقبل بطريقه وأؤيده».

بالقرب من والدة الشهيد عباس تجلس أم مصطفى. لأم مصطفى شابّان يقاتلان في سوريا «وشايفتيني كيف قاعدة مرتاحة». تقول أنها سلمتهما «للسيدة فاطمة الزهراء، وهي تستطفل فيهما». تقول أم مصطفى إنها لا تعرف «القلق»، كما تؤكد «هيدا طريقنا وخيارنا وسنمضي به إلى النهاية». يكفي أم مصطفى أن «التكفيريين يذبحون من استطاعوا إليه سبيلا، ويقطعون الرؤوس، تماماً كما حصل في كربلاء».

 

مدينة الشمس

 

إلا أن القلق ينتشر بين الأحياء في «مدينة الشمس». فبعلبك مختلطة وفيها بعض الانقسام في السياسة الذي زاد ويزيد مع الحرب السورية والإعلان الصريح عن سقوط شهداء للحزب هناك.

ويرى مختار بعلبك غسان الجمال أن الشهداء الذين سقطوا في سوريا ساروا على الدرب نفسه للشهداء الذين سقطوا على الجبهة الجنوبية ضد إسرائيل. «نحن نعيش على شعار الإمام الحسين «هيهات منا الذلة»، يؤكد المختار، وهو يشير إلى أن معنويات أهالي الشهداء «عالية جداً» 

وبالفعل «المعنويات عالية»، يقول عم الشهيد محمد قاسم عبد الساتر (23 عاماً). يحمل محمد إجازة في إدارة الأعمال وذهب ليقاتل من «سيطعن المقاومة وشعبها في الظهر». حتى «العائلات اللبنانية المقيمة في سوريا هجّروها»، كما « انتهكوا الأعراض وأحرقوا المنازل»، وفق ما يؤكد. ويحمد راضي قاسم عبد الساتر ربه «لأن المعركة هناك وليست عندنا»، فالحزب «يدفع البلاء ليس فقط عن الشيعة وإنما عن البلاد بأسرها»، كما يقول.

 

حور العين

 

في طاريا لم تعرف أم هارون حمية أن ولدها الشهيد وفيق علي حمية، كان «قائداً» إلا بعد استشهاده: «جاء الكثير من الشباب صغار السن، وقالوا لي أن الشهيد كان يدرّبهم». أمام منزله الذي كان يعدّه لزفافه، تجلس. تقول إنها تستمد الصبر منه، من هناك. قبل أسبوعين من استشهاده طلب منها ألا تأتي بسيدة معينة لتندب في مأتمه. قال لها «فقط قراءة القرآن والمجالس»، فقفز قلبها وقالت «بعيد الشر عنك يا أمي».

طلب من شقيقه أن لا يطلق رصاصة واحدة في ذلك اليوم أيضاً. كانت تعرف أنه متفرغ في الحزب ولكنه لم يكن يقول لها إنه ذاهب إلى سوريا. في إحدى المرات، غاب أسبوعاً كاملاً وعندما عاد اقتربت منه وجعلت تمسّد جسده «دسدسته». قال لها «شو في يا أمي»، فقالت «ما شي بس مشتاقة لك». كانت تتفقده إذا كان جريحاً. 

تغالب الدمعة أم هارون، ولكنها تصمت قليلاً لتستجمع أنفاسها وتستذكر «وصية الشهيد». قال لها «بس تضايقي اقرئي القرآن والدعاء، وقولي إنّا لله وإنّا إليه راجعون». وهذا ما تفعله منذ اللحظة التي غاب فيها عن ناظريها للأبد.

كان وفيق ينوي الزواج قبل استشهاده، إلا أن أم هارون تبرر ما جرى قائلة: «الله سيزوجه من حور العين، نصيبه هونيك مش هون». «راح وفيق ع جنته وتركني هون»، تقول لترى أن مقولة «الجنة تحت أقدام الأمهات صارت «الجنة تحت أقدام الشهداء، وأنا عندي شهيد بالجنة ينتظرني».


Script executed in 0.17194485664368