أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الى قائد الجيش

الأربعاء 29 أيار , 2013 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,921 زائر

الى قائد الجيش

ما حصل امس في عرسال، لم يكن الحادث الاول. قبل أكثر من ثلاثة أشهر، وفي المنطقة نفسها، تعرض الجيش لاعتداء إجرامي وقح. حاول يومها القبض على مطلوب. وبعدما قُتِل الأخير في اشتباك مع العسكريين، هوجم الجيش وقتل من قتل واصيب من اصيب من عناصره، ثم حصل ما يشبه الاحتفال من قبل الفاعلين. وانتهى ذلك النهار بالحديث عن دوريات سيّرها الجيش لملاحقة المتهمين.

قبل ايام، قتل ثلاثة عسكريين وجرح نحو مئة آخرين في طرابلس، في اطلاق للنار قام به مسلحون معروفون بكامل هوياتهم واماكن سكنهم وصورهم وهم يطلقون النار. وفي نهاية كل نهار، كنا نسمع الكلام نفسه، عن دوريات سيّرها الجيش لملاحقة المتهمين، وانه ينتظر القرار السياسي حتى يتحرك لوقف انتهاك حرمة المواطنين وحرمة الجيش نفسه.

في صيدا، انتقل الشيخ احمد الاسير من مسلسل قطع الطرقات عندما يريد، الى فرض مربعه الامني على جميع القوى الامنية وفي مقدمها الجيش، الى شن حملة لا تتوقف ضد ضباط من الجيش يفترض انهم موكلون مهمة حفظ النظام العام. ثم انتقل انصار الاسير الى مرحلة الاعتداء على الناس، وخطف مواطنين والتحقيق معهم وحجز حرياتهم، والقيام بعمليات انتشار مسلح، بينما يكتفي الجيش بالمراقبة عن قرب، او عن بعد، لا فرق. وفي آخر حادثة، حصل ان هاجم انصار الاسير وفي مقدمهم «زلم» فضل شاكر (صديق قائد الجيش) مواطناً كان يزور اهله، قرر هؤلاء انه ممنوع عليه دخول هذه المنطقة. لم يتدخل الجيش الا بعد حصول مداخلات واتصالات مكثفة مع قائده، وعندما ارسلت الدوريات الى هناك، اقدم الجيش على اخراج المواطن مكبل اليدين، على وقع اصوات الاحتفال لانصار الاسير المسلحين في الشارع.

بعدما انقذت الزهرة سمير جعجع من الموت، قرر اركان 14 آذار أنّ الانتشار العسكري للجيش في كسروان يستهدف ضمناً محاصرة معراب. وأن ضباط الجيش العاملين في تلك المنطقة هم من اتباع خصوم ساكن معراب وبالتالي فانه من المحق المطالبة بابعادهم، او السماح لرجال امن معراب المتمدد بحرية الحركة، ليس في محيط المقر بل حيث يجد هؤلاء الامر ضروريا، وما على الجيش الا الامتثال.

تأتي مناسبة التشكيلات العسكرية. فيقرر تيار المستقبل من يشكل من الضباط والعسكريين السنة، وكذلك يفعل حزب الله وحركة امل بالنسبة إلى الضباط والعسكريين الشيعة، بينما يرسل وليد جنبلاط مجرد ورقة لتنفذ بما خص الدروز، ويترك لرئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر والقوات اللبنانية وتيار المردة التصرف بالقسم المسيحي من الجيش. كل ذلك يحصل برضى القيادة، من قادة الالوية الى المجلس العسكري الى مديرية الاستخبارات الى مكتب قائد الجيش نفسه، علما ان قسماً اضافياً من التشكيلات يحصل ارضاء لقسم آخر من السياسيين والنافذين في القطاع الخاص... والفنانين ايضاً!

ما القصة؟

طيب، لنفترض ان قائد الجيش يريد أن يمدّد ولايته. او انه يطمح، كما غيره او كمن سبقه في قيادة الجيش، لأن يكون رئيسا للجمهورية. وانه يريد نفوذا سياسيا داخليا، ويريد بناء علاقات جيدة مع جهات دبلوماسية عربية وغربية لها دورها المؤثر في السياسات الكبرى للبلاد، فهل يفعل ذلك على حساب هيبة الجيش ودوره، وعلى حساب امن الناس؟

الا يلاحظ قائد الجيش، ومن يعاونه في حملته الرئاسية، ان البلاد عايشت نموذجين؟ واحداً يتعلق بالرئيس السابق اميل لحود، الذي حوصر وقوطع وتعرض لكل انواع التنكيل، لكنه ظل رئيسا يحسب له حساب في مجلس الوزراء وفي الاروقة الدبلوماسية وفي مكاتب كل الطبقة السياسية. صحيح انه استفاد بقوة من النفوذ السوري في لبنان حينذاك. لكنه استفاد اكثر من كون تجربته في قيادة الجيش جعلته غير خاضع لحسابات ومزاج الطبقة السياسية والمرجعيات الطائفية في البلاد. وهو عندما كان يتصرف على اساس انه جزء من المقاومة الوطنية، لم يكن يفعل ذلك لمحاباة او خلاف ذلك.

بينما لدينا نموذج آخر اسمه الرئيس ميشال سليمان، ينشغل في السفر او تركيب الافلام ضد خصومه. ويضطر فريق من مكتبه لملاحقة مشكلة افراد عائلته من الشقيق الى الابن الى الصهر. وهو الذي ما كان يلتفت اليه لا الرئيس فؤاد السنيورة ولا الرئيس سعد الحريري، وعندما حاول الرئيس نجيب ميقاتي تعزيز موقعه، باعه عند اول مفرق. وها هو الرئيس سليمان يريد ضمان الحياة السياسية لذريته، إذا تعذر التمديد له في موقعه، ولأجل ذلك، يبدي استعداده لتقديم الغالي والنفيس.

ربما حان الوقت لمصارحة قائد الجيش بأن الامر يلامس الخط الاحمر الذي يهدد كل شيء، بما في ذلك طموحه ودوره قبل ذلك. وحيث من الصعب مناشدته مراجعة طريقة اختياره لفريقه، وحسم الموقف بأن موقعه ودوره يتركز على تحصين البلاد في هذه اللحظة الخطرة، فإن من الضروري لفت انتباهه الى ان الجيش بحاجة الى نفضة. حيث تراجعت كفاءة وقدرات مديرية الاستخبارات، وحيث يفقد الضباط العاملون على الارض كل حافزية لمواجهة المخالفات التي تحصل امام اعينهم، وحيث صار العسكريون يقصدون المرجعيات وهم على ثقة بأنه سيتم توزيعهم للخدمة حسب طوائفهم ومذاهبهم وربما حسب انتماءاتهم السياسية.

ايها القائد، «بكير» على الرئاسة. وثمة تطورات عاصفة ستغيّر المعادلات القائمة. وفي هذا الوقت، تذكر، فقط، انك قائد للجيش. وأن اللبنانيين، بعد انهيار كل شيء في دولتهم، لا يرون خلاصاً او ملاذاً في غير الجيش. ولأن الامن لا يحتاج الى وصاية من الناس، فإن اي قبول بقواعد اللعبة السياسية وتأثيرها على المؤسسة العسكرية، يعني القبول بإنهاء الجيش، وتخيير عسكريين ما بين العمل لمصلحة المرجعيات على اختلافاتها وبين الذهاب الى البيت.. وليس بيننا من يريد للجيش ان يهان!


Script executed in 0.19105005264282