أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

المشنوق إذا «حشد»... 150 متظاهراً ضدّ حزب الله

الإثنين 10 حزيران , 2013 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,816 زائر

المشنوق إذا «حشد»... 150 متظاهراً ضدّ حزب الله

بعد كل شيء، من حق السوريين أن يصوّبوا أسئلتهم إلى المتحدثين باسمهم أمس في ساحة الشهداء. لماذا ترفع فتاة علم الدولة التركيّة في تظاهرة تضامن معهم؟ لقد كانت تهلّل به بسذاجة كأنها تنتصر نصراً يتكرر إذا داعب الهواء العلم. لفّت نفسها به ومرّغت أنفها به ولم ينقص إلا أن تخلع ملابسها وترتديه. لماذا لا تحضر لافتة إلا من قرية «بنّش» دون غيرها، وهي القرية التي تسيطر عليها «جبهة النصرة» تحديداً، وهناك أطلقت نشيدها «الثوري» الأشهر: «بالذبح جيناكم». وضحية «النصرة» الأولى هناك في «بنّش»؛ الطفل الذي لُقِّن الذبح على عجل. وضحيتها أمس: «أحرار بنش» الذين استُنسِخَت لافتاتهم ورفعت باسمهم هنا، قرب رايات «لا إله إلا الله».

لماذا يُستَلَب الشعب السوري إلى هذه الدرجة، فيتحدث باسمه رجل لم يسمع معظمهم به، قبل أن يكتشفوا أنه شارل جبور؟ أحد المشاركين سألناه عن هويّة «الخطابي» فقال إنه «شارل أيوب» في صحيفة «14 آذار». والحق أن الرجل هو شارل جبور، من صحيفة «الجمهوريّة»، وقد أتى ليتحدث باسم السوريين. والحق أيضاً أن «14 آذار» ليست صحيفة، بل إنها أشبه بتجمع عجيب يضم «الصدم» القواتية و«النصرة» القاعدية. والحق، طبعاً، أن قوات «الصدم» التي تباهى جبور، الزميل في صحيفة «14 آذار»، بأنه لم يرسلها لـ«حماية أقباط مصر ومسيحيي العراق»، هي قوات لم تعد موجودة إلا في كتاب الحرب الأهليّة المتعفن.

ويا لها من مصادفة. لم يأت قواتيّون ولا كتائبيّون ولا الذين التحقوا بمجد الرئيس السابق بشير الجميّل، من تيار مستقبل واشتراكيّين. وحدهم دون غيرهم، جاء «أحرار» نسبة إلى تسميّة حزبهم (الوطنيين الأحرار). شبان وصبايا في غاية الأناقة. وإن كان للأمانة معنى، فهي تقضي الإشارة إلى أناقتهم. لبوا دعوة «الناشط السياسي» صالح المشنوق، رفضاً «لمشاركة حزب الله بالقتال في القصير». صفف الشبان شعورهم بكثير من العناية، ولم يفتهم أن يضعوا نظارات واسعة، تقضم الألوان من المشهد، وتالياً تخفي أكثر مما تظهر. ارتدت الصبايا ثياباً ملونة ضدّ الحر. وعلى الموعد، في الثانية عشرة والنصف ظهراً، انتشر عشرة منهم، بين الكراسي البيضاء النائمة على ظهورها. عشرة، هم كل حاملو رايات «الأحرار»، التحقوا بحَمَلة رايات «لا إله إلا الله»، حتى إن بعضهم جلس من دون أن ينتبه إلى جانب رجل من المكتب الإعلامي لقرية «بنّش» يرفع علماً أسود عملاقاً طبعت عليه العبارة الدينيّة الشهيرة. وجاء سوريّون، على صورة الذين خرجوا في التظاهرات الأولى. نازحون ولاجئون يبحثون عن منبر يصل ذاكراتهم بالصور السلمية الجميلة التي اختفت من سوريا. تفاعل هؤلاء مع أغنية ابراهيم القاشوش الشهيرة وظلوا سلميين... حتى وصل المشنوق. حضر المشنوق، محاطاً بخمسة رجال يمشون مزهوين بعضلات ناتئة خلف قمصان (سود) ضيقة، وعيون متحجرة تطارد المتربصين بـ«القائد». مشى المشنوق برأس مرفوع، كما لو أنه يتهيأ لتحيّة الملايين. ولكن لا ملايين. تيار المستقبل لم يأتِ. بعض مسؤوليه في بيروت والبقاع وطرابلس جالوا خلال اليومين الماضيين على «مفاتيح» مناطقية لحض جمهورهم على عدم المشاركة في مهرجان الاعتراض على تدخل حزب الله في سوريا. حتى أنصار الشيخ أحمد الأسير لم يأتوا. وبعد البحث، يتبيّن أن «معجبي» المشنوق اللبنانيين على «فايسبوك» اختفوا أمس. قد يكونون مليوني لبناني، ولكنهم اختفوا وحضر منهم 150 فقط، ما اضطر بعض العمال إلى «ضبضبة» الجزء الأكبر من الكراسي وإبعاد الكاميرات، أثناء كلمة الزميل شارل، الذي هبّت رياح عاتية على منبره، فوقعت اللافتة على رأسه، ما أحدث بعض المرح. كان مرحاً ضروريّاً لمحو الخيبة عن وجه المشنوق، الذي فوجئ بقلة الحاضرين، واستاء من مَيَلان الكاميرات عن إصبعه الطويلة، عندما حضرت الفتاة الشهيرة التي ترتدي صورة اللواء أشرف ريفي (ولكنها لا ترتدي تنورة)، وتلوّن وجهها بعبارات ثوريّة.

خلال الأيام الماضية، ظن الجميع أن اللبنانيين مستعدون للزحف إلى ساحة الشهداء، لإطلاق «ربيع» ضد حزب الله، تُهاجَم فيه بيئة الحزب وسياساته. وخرج المشنوق عن المألوف اللبناني، هذه المرة، وأتى على ذكر المرجع الديني، السيد علي الخامنئي، أكثر من مرة، بطريقة ساخرة. وفي لبنان، يحسب التعرض للمراجع الدينيّة تحريضاً مذهبيّاً، حتى وإن سلمنا جدلاً بأن المشنوق يتحدث في السياسة لا في المذاهب. وعلى قياس لبناني «حساس»، يمكن القول إن المشنوق تخطى حدود السياسة ولامس المذهبيّة. لكن، بما أننا نتحدث عن «المذاهب»، فمن «ألطاف الله» كان العدد قليلاً، والجيش كان كثيراً. ولقد كان الجنود صارمين كما ينبغي. حشد الجيش قواته من شاتيلا إلى قصقص، وصولاً إلى رأس النبع وبشارة الخوري، وطبعاً في موقع التجمع، فقطع الطرقات بالملالات، وقام بمجهود خارق، يحسب له في هذا اليوم الحامي. والأهم من ذلك، أن اللبنانيين لم ينجروا خلف مشروع «القائد»، ولا خلف الشعارات التحريضيّة. لم يُزجّوا تماماً، حتى الآن، في هذا الفخ الكبير.


Script executed in 0.19261002540588