تعيش منطقة البقاع على صفيح ساخن. أهون ما يصيبها هو الصواريخ التي تتساقط على أراضيه، سواء صواريخ الجيش السوري على بلدة عرسال، أو صواريخ المعارضة التي لامست أمس منطقة البقاع الأوسط، بسقوطها قرب بلدات سرعين والنبي شيت، من دون وقوع إصابات أو أضرار.
أخطر ما في البقاع الشمالي هو التوتر الأهلي الذي يلامس حافة الانفجار، بعد جريمة قتل ابن بلدة عرسال علي الحجيري قبل يومين قرب مدينة الهرمل، وما تبعه من توتر بين أبناء عرسال والقرى المحيطة، وسط استنفار الطرفين أمنياً وعسكرياً. ولم يكن ينقص المنطقة إلا الموت الغامض لرجل من مدينة بعلبك، يُدعى علي صلح. ورغم ترجيح الطبيب الشرعي والقوى الأمنية أن يكون صلح قد قضى انتحاراً، فإن بعض القوى في بعلبك، وبينها بعض من أقاربه، يصرون على أنه ضحية جريمة قتل، مع ما استتبع ذلك من توتر في مدينة الشمس، سرعان ما ارتدى لبوساً مذهبياً. فوق كل ذلك، تحدّثت تقارير إعلامية عن حدوث اشتباكات عنيفة بين عناصر حزب الله وآخرين من المعارضة السورية في المناطق السورية المقابلة لبلدات النبي شيت وحام ومعربون ويحفوفا اللبنانية، لكن من دون أن تؤكد مصادر عسكرية وأمنية هذه المعلومات.
يوم البقاع الشمالي الحافل أمنياً بدأ ظهراً بقصف مروحية حربية سورية وسط بلدة عرسال. المؤكد في كل ذلك أن عرسال قصفت بصواريخ من مروحية حربية سورية، لكن الاختلاف يكمن في عددها وفي خلوّها من أي قدرة تدميرية. بيان قيادة الجيش أكد عملية القصف، متحدثاً عن خرق مروحية حربية سورية الأجواء اللبنانية، واستهدافها وسط بلدة عرسال بصاروخين من مسافة بعيدة، أديا إلى جرح مواطن وإلى حصول أضرار في الممتلكات. واللافت في بيان الجيش قوله إن «وحدات الجيش المنتشرة في المنطقة اتخذت الإجراءات الدفاعية اللازمة للرد الفوري على أي خرق مماثل».
بدوره، رأى رئيس الجمهورية ميشال سليمان أن «القصف المتكرر على بلدة عرسال من قبل المروحيات العسكرية السورية يشكل خرقاً لسيادة لبنان وحرمة أراضيه، ويعرض أمن المواطنين وسلامتهم للخطر ويتعارض كذلك مع المعاهدات التي ترعى العلاقات بين البلدين ومع المواثيق الدولية». ودعا سليمان إلى «عدم تكرار مثل هذه الخروقات، مؤكداً بعد التشاور مع رئيس الحكومة، حق لبنان في اتخاذ التدابير الكفيلة بالدفاع عن سيادته وحماية أبنائه وأمنهم وسلامتهم، بما في ذلك تقديم شكوى لجامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة».
في المقابل، أعلن الجيش السوري في بيان أن «القوات المسلحة استهدفت مجموعة مسلحة حاولت الفرار من الأراضي السورية إلى عرسال، فأصيب البعض وفرّ الآخرون إلى منطقة عرسال، فتمت ملاحقتهم بالنيران». وإذ أكد البيان «استمرار الجيش (السوري) بالقيام بواجبه في حماية الأراضي السورية والحفاظ على سلامة مواطنيه وأمنهم»، أوضح «حرصه على احترام سيادة لبنان وأراضيه وسلامة أهله».
معلومات أهالي البلدة والمنازل التي تضررت أظهرت أن المروحية السورية أطلقت ستة صواريخ، بحسب أحد مخاتير البلدة محمد عز الدين، الذي أكد لـ«الأخبار» أن القصف أصاب 3 منازل، بالإضافة إلى صاروخ سقط في ساحة الجمارك في البلدة. وقد استنكر أبناء البلدة الاعتداء، بحسب عز الدين، الذي شدد على أن «عرسال تحت سقف القانون والدولة اللبنانية التي ينبغي لها أن تحمي مواطنيها من الاعتداءات المتكررة على عرسال». القصف الجوي السوري أتى ليرفع مستوى التوتر الذي يعيشه العراسلة، منذ قتل علي الحجيري غربي مدينة الهرمل أول من أمس، الذي شيعته عرسال أمس، وسط ظهور مسلح وأجواء من الغضب والاستنكار، بحضور منسقي عرسال والهرمل وبعلبك في تيار المستقبل بكر الحجيري وحسين صلح. وألقى شقيق المغدور، الشيخ مصطفى الحجيري، كلمة اتهم فيها حزب الله بقتل شقيقه، مذكراً بشقيق آخر له استشهد في الجنوب ضد العدو الإسرائيلي.
ويبدو أن الأجهزة الأمنية الرسمية تتابع جدياً التحقيقات في جريمة قتل الحجيري. وبحسب مصادر أمنية، تمكنت استخبارات الجيش من تحديد سيارة يُشتبه في أنها استُخدِمَت من قبل قاتلي الحجيري. واستندت الاستخبارات إلى إفادات عدد من الشهود، وتحديداً الشخصين اللذين كانا برفقة الحجيري في سيارة البيك ـ أب. وأكد مسؤول أمني أن دورية من الاستخبارات عثرت على السيارة، وهي من نوع كيا ريو، رصاصية اللون، تعود ملكيتها إلى المدعو م.ن. وعلمت «الأخبار» من المصدر الأمني أن استخبارات الجيش تتابع ملاحقة م.ن. الذي بات المشتبه فيه الرئيسي في جريمة قتل الحجيري بغية توقيفه والتحقيق معه. من عرسال ـــ الهرمل، انتقل التوتر إلى بعلبك، بعد العثور على جثة علي محمد صلح الملقب بـ«علي الزهوري»، داخل سيارته أمام مدخل قلعة بعلبك. وكشفت على جثة صلح الذي يعمل أمين صندوق بلدية بعلبك في القلعة، عناصر الأدلة الجنائية والطبيب الشرعي. وقالت مصادر أمنية لـ«الأخبار» إن تقرير الطبيب الشرعي أظهر أن جثة صلح مصابة بطلق ناري واحد، مع وجود وشم بارودي حول مدخل الطلق، ما يعني أن الطلقة أطلقت من مسافة تقل عن 20 سنتيمتراً. ورجّح مسؤول أمني أن يكون صلح قد انتحر، «نظراً إلى بصماته الموجودة على المسدس الذي كان إلى جانبه في السيارة، فضلاً عن أن صلح أقدم على وداع جيرانه صباحاً، مع الإشارة إلى مشاكل مالية قد تكون السبب في دفعه إلى القيام بالانتحار». وأكد المسؤول الأمني أن الشهود في المنطقة التي عثر فيها على الجثة لم يشاهدوا أحداً يقترب من السيارة ولم يسمعوا أي مشادة أو ما يشير إلى عراك أو استنجاد قبل إطلاق النار. لكن مسؤولاً أمنياً آخر استبعد أن يكون صلح قد انتحر، متحدثاً عن كونه ضحية جريمة قتل. والجدير بالذكر أن مدينة بعلبك شهدت حالة من التوتر الشديد بعد شيوع خبر العثور على جثة صلح، فأُطلقت العيارات النارية في المدينة بنحو كثيف من قبل أقرباء لصلح يرفضون فرضية الانتحار. وطالب نائب رئيس بلدية بعلبك عمر صلح، القوى الأمنية «بمتابعة ملف التحقيق بمقتله حتى النهاية وبالسرعة اللازمة، والعمل على إصدار بيان توضيحي لتلك الملابسات بغية قطع دابر الفتنة التي يسعى البعض مع وسائل إعلامية إلى إذكائها عبر رسائل خطية هاتفية تقول إن صلح أصيب بطلقين ناريين لا بطلق ناري واحد».