ويعود الأصل في انتشار البرك إلى ضعف الموارد المائية جنوباً، لا سيما في المناطق الحدودية التي تفتقر إلى المجاري المائية والعيون الكبيرة، فضلا عن المشاريع المائية الإنمائية، وبالتالي شكلّت البرك الاصطناعية ضرورة حياتية يومية.
ويقول المزارع محمد رزق: «إنّ انتشار الزراعة بشكل واسع، لا سيما زراعة التبغ، التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، خصوصاً خلال فترتي التشتيل والغرس، يعتبر السبب الأول لبروز الحاجة لهذه المنشآت، إضافة إلى كون هذه البرك مورداً لسقاية المواشي وقطعان الرعاة خلال مواسم الجفاف. كما تعتبر المصدر الأول للمياه التي تستعمل في ورش العمار».
ويلفت المزارعون الجنوبيون إلى أن «البرك كانت تشكل المقصد الرئيسي لسكان القرى الجنوبية من أجل غسل الأواني والأدوات المطبخية والثياب قبل أن تصل مياه الشبكة الرسمية إلى المنازل».
وتشكل البرك، إضافة إلى أهميتها الزراعية، مصدر رزق بالنسبة إلى أصحاب صهاريج نقل المياه. وتتحول ساحاتها إلى موقف للصهاريج التي ينتظر أصحابها مرور زبون يحتاج إلى نقلة مياه تؤخذ مجاناً من البركة، ويدفع طالبها بدل نقلها الذي تختلف تسعيرته تبعاً للمسافة ولثمن المازوت.
ولقد انتشرت برك المياه الاصطناعية في الجنوب منذ مئات السنين، وتعتبر بركة بنت جبيل من أكبر هذه البرك. ويشير حجم البركة وسعتها في بلدة ما، إلى مدى اتساع البلدة أو كبرها وعدد سكانها، إضافة الى حجمها الاقتصادي، لا سيما أنّ الزراعة كانت تشكل المورد الاقتصادي الوحيد لتلك القرى قبل أن تشكل هجرة ابنائها ونزوحهم نتيجة الاحتلال والحرمان ونأي الدولة بنفسها عن قراهم، رافداً اقتصادياً لها.
أمّا عن طريقة حفرها، فيشير فؤاد حسون إلى أن هذه «البرك لطالما حفرت في الأراضي الترابية لسهولة الحفر فيها، ثم يقام حائط من الحجارة الصخرية حولها قبل وضع طبقة من الطين عليه كي لا تتسرب منه المياه».
يقول: «يفضل انشاء البركة في الأراضي المنخفضة لسهولة جر مياه الأمطار إليها التي تعتبر المصدر الرئيسي لتغذيتها بالمياه شتاءً، وتكون القرية أو البلدة محظوظة إذا ما وجدت فيها عين للماء، يمكن أن تغذي البركة خلال موسم الشح، ما يمكن أن يبقي مياهاً فيهاً لفترة أطول».
يضيف: «إنّ البرك التي كانت تحفر في الصخر هي أفضل بالرغم من أنها تتطلب جهداً أكبر لبنائها وذلك لأن الصخر يحافظ على المياه. أمّا اليوم فمع وجود الآلات الثقيلة فإن حفر البرك لم يعد يشكل مشكلة، وقد استبدلت الحجارة الصخرية في جدرانها بالاسمنت المسلح».
وتحتاج البرك باستمرار إلى تنظيفها من الترسبات الناجمة عن الرمال والوحول والصخور التي تحملها سيول الأمطار شتاءً، ويتم ذلك عادة في نهاية فصل الصيف حيث تكون المياه عند أقل مستوى لها. ويرسم حجم المتساقطات السنوي الصورة الزراعية للموسم الصيفي. وكانت المتساقطات تشكل المقياس شبه الرسمي للمزارعين عن حجم الأمطار التي سقطت بغياب موازين القياس الرسمية في القرى والبلدات.