ما كاد البقاع الشمالي يلتقط أنفاسه بعد نجاته من محاولة اغتياله عبر «جريمة الجرود»، حتى انتقل مشروع الفتنة بكل عدّته وعديده الى صيدا، عبر بعض الطارئين على المدينة، ممن يحترفون الإساءة اليها ويجعلون منها مسرحاً لمغامراتهم العبثية.
إلا أن عاصمة الجنوب أثبتت مرة أخرى أنها قد تهتز، لكنها لا تقع في المحظور، متكئة على تاريخ وطني وعروبي عريق، هو أقوى من أن يصادره عابرو السبيل.
وإذا كان ما حصل في عاصمة الجنوب ليس مفاجئاً، قياساً الى المؤشرات المتراكمة، إلا أن ذلك لا يخفف بطبيعة الحال من وطأة الاشتباكات التي استباحت أمس عدداً من الشوارع، وأثارت موجة من القلق في صفوف المواطنين.
باسم «تحرير الشقق»، هناك من يحاول زرع الشقاق في المدينة، تحت وطأة التحريض السياسي والمذهبي، من دون إغفال مسؤولية الدولة عن بلوغ هذه الحال، بفعل حالة التراخي التي تعاملت بها مع ظاهرة الشيخ الأسير، منذ بداياتها.
بعد طرابلس والبقاع الشمالي جاء دور صيدا لتواجه الخطر الأمني، في تعبير واضح عن المخاطر المترتبة على التعبئة السياسية والمذهبية التي تُمارس على أعلى المستويات، وتفعل فعلها في الشارع المحتقن، مع الإشارة الى ان موقع صيدا يكتسب خصوصية إضافية، لكونه يشكل الممر الحيوي الى عمق الجنوب، وبالتالي فإن هناك قراراً لدى قيادة الجيش بعدم الإفساح في المجال أمام قطع هذه الطريق، لما يمكن أن يسببه ذلك من تداعيات خطيرة.
بالأمس، وقع أهالي المدينة في «أسر» ساعات عصيبة من الفلتان الأمني، وسط تبادل كثيف لإطلاق النار والقذائف الصاروخية، وانتشار للمسلحين بأعداد كبيرة، بعدما حاول أنصار الشيخ أحمد الاسير اقتحام الشقق العائدة الى «حزب الله» في عبرا، وتصدي عناصر من الحزب و«سرايا المقاومة» للمهاجمين.
وفي هذا السياق، أكدت مصادر بارزة في «8 آذار» لـ«السفير» أنه من غير المسموح المساس بالمنازل والمراكز والشخصيات المرتبطة بالمقاومة وحلفائها في صيدا، وأي محاولات من هذا النوع سيتم التصدي لها بحزم، كما جرى أمس، مع تأكيد الحرص في الوقت ذاته على التهدئة وتجنب الانسياق وراء مشاريع الفتنة، وضرورة أن تتحمل الدولة مسؤوليتها في الحفاظ على الامن.
وقد غطت الاشتباكات عبرا ومجدليون وجادة نبيه بري وصولاً الى بوليفار نزيه البزري، ما أدى إلى سقوط قتيل يُدعى محمد ابراهيم حشيشو وعدد من الجرحى، إضافةً إلى أضرار مادية جسيمة ومحاصرة لمواطنين عديدين كانوا عائدين من أعمالهم الى منازلهم.
ومساء، عاد الهدوء الى صيدا مع الانتشار الكثيف الذي نفذته أفواج المغاوير و«التدخل» في المناطق الساخنة، حيث عملت على سحب المظاهر المسلحة من الشوارع.
وبينما أكدت مصادر مطلعة لـ«السفير» أن غزارة النيران وسرعة انتشار أنصار الأسير تشيران الى وجود سيناريو ميداني معدّ سلفاً جرى تطبيقه بحذافيره على الارض، قالت مصادر عسكرية لـ«السفير» إن صيدا هي بوابة الجنوب ومفتاحه، ولن يكون مسموحاً العبث بهذا الشريان الحيوي، ونقل تجربة طرابلس الى صيدا. وأكدت ان الجيش أمسك بنقاط التوتر، وانه استخدم القوة لمنع إقفال الطريق البحري في رسالة واضحة بان طريق الجنوب خط أحمر ممنوع تجاوزه.
المجلس الدستوري
ومع تلاحق «الظروف الاستثنائية» التي استندت اليها أكثرية اعضاء مجلس النواب لتبرير تأجيل الانتخابات النيابية، أخفق المجلس الدستوري للمرة الثالثة على التوالي في الانعقاد للنظر في الطعنين المقدمين من رئيس الجمهورية ميشال سليمان وتكتل «التغيير والإصلاح» في قانون التمديد، فحضر أمس 7 أعضاء وغاب كل من العضوين الشيعيين أحمد تقي الدين ومحمد بسام مرتضى والعضو الدرزي سهيل عبد الصمد، وانتهى «الاجتماع» الذي لم يحصل، بالإعلان عن تأجيله إلى العاشرة من قبل ظهر يوم الجمعة المقبل، لعدم اكتمال النصاب.
وبذلك يصبح قانون التمديد للمجلس النيابي نافذاً بدءاً من الخميس، تاريخ انتهاء ولاية المجلس وبدء فترة التمديد لسنة وخمسة أشهر.
وغداة كلام البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي الذي هاجم فيه فريقي «8 و14 آذار» واتهمهما بتعطيل الانتخابات، علمت «السفير» ان الرئيس نبيه بري بعث رسالة الى الراعي أبلغه فيه الآتي: غبطة البطريرك، إذا كنت تريد قانون الستين، فليكن، ولا حاجة عندها لنتعب أنفسنا بدراسة المشاريع الانتخابية.
وعلم أن الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي كاترين آشتون سألت بري خلال لقائها به أمس عن خلفيات الشلل الذي أصاب المجلس الدستوري، وحيثيات التمديد لمجلس النواب، معتبرة ان فترة التمديد طويلة، فشرح لها بري الأسباب التي دفعت الى اتخاذ هذ القرار، لافتاً انتباهها الى ان الوضع الامني لا يسمح بإجراء الانتخابات، وان الاولوية في هذه المرحلة يجب أن تكون للحفاظ على بقاء لبنان واستقراره، حتى يظل بإمكاننا إجراء الانتخابات.
وفي المعلومات أن آشتون أبلغت رئيس الجمهورية ميشال سليمان اثناء اجتماعها به ضرورة التسريع في تشكيل الحكومة، لأن هناك تحديات إقليمية تستوجب اتخاذ قرارات. كما اقترحت إقامة مخيمات للنازحين السوريين داخل الاراضي اللبنانية، فرفض سليمان الطرح، داعياً في المقابل الى تطوير مخيمات النازحين في سوريا، لاحتواء الأعداد المتزايدة منهم.
مذكرة سليمان
الى ذلك، سلّم سليمان، أمس، الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في لبنان ديريك بلامبلي «مذكرة بالخروق والاعتداءات ضد الأراضي اللبنانية من الأطراف المتصارعة كافة في سوريا، لرفعها إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لتوزيعها بوصفها وثيقة رسمية من وثائق مجلس الأمن».
وقال مصدر مقرب من رئاسة الجمهورية لـ«السفير» إن «كتاب سليمان يندرج في اطار مسؤولياته الدستورية، التي غالباً ما لجأ اليها أسلافه قبل الطائف وبعده، إذ لجأوا إلى توجيه كتب رسمية الى الامم المتحدة عبر الأمين العام لاعتمادها وثيقة رسمية من وثائق الامم المتحدة، وبالتالي، فإن المذكرة لا تعتبر خرقاً للطائف.
وأكد المصدر ان اتصالات أجريت، لا سيما على مستوى القادة العسكريين والأمنيين وعلى مستوى الامانة العامة لـ«المجلس الاعلى اللبناني السوري»، لكنها لم تفضِ الى لجم الخروق والانتهاكات للسيادة اللبنانية، فكان خيار رئاسة الجمهورية بالتوجه الى الامم المتحدة، حيث تم تناول هذا الموضوع من زوايا مختلفة واستقر الرأي على تقديم كتاب إبلاغ وليس شكوى رسمية مكتملة العناصر والأوصاف.