تشير هذه القضية إلى أن مساحة الرأي صارت أضيق من أن تستوعب رأياً نقدياً. وقراءة العبارة التي كتبها الشاب العشريني، التي قال أصدقاؤه إنها سبب التوقيف، تزيد الأمر التباساً. لقد ردّ على تغريدة للمغني راغب علامة يخبر فيها أن لقاءه كسفير لبرنامج «الأمم المتحدة» مع رئيس الجمهورية «يتمحور حول مكافحة الجوع». فكتب: «يا ريت تخبر فخامتو انو اذا خفف سفر ومصاريف وتبرع فيها للجمعيات، بيقدر يساعد بمكافحة الجوع».
هذه الجملة، على الأقل، «لا يندى لها الجبين»، على ما وصف الرئيس ما قاله شبان بحقه على «الفايسبوك»، في قضية سابقة، أمام أهلهم الذين زاروه وقتها من أجل استعطافه وتحريك «أبوته» ليسهل إطلاق سراح أبنائهم.
لا تحمل هذه الجملة، التي نشرت في 11 الجاري، أي إهانة أو اساءة إلى رئيس الجمهورية كما جاء، في كتاب رئاسة الجمهورية الذي أرسل إلى «مكتب مكافحة الجرائم الألكترونية»، التابع للشرطة القضائية، والذي استدعى عاصي وأوقفه لما يزيد على ست ساعات.
والجملة في إيحائها الساخر لا تقدم جديداً في موضوعها. إذ لا تتوقف وسائل الإعلام «الرسمية» عن بث أخبار أسفار الرئيس. والرئيس نفسه، في مقابلة تلفزيونية، سُئل عن هذه المسألة ولم يجد في ذلك حرجاً أو اهانة. وقال إنه يعتبر أن «العلاقات بين الدول تتطلب تواصلاً مباشراً لتأمين حضور لبنان الفاعل في القضايا المطروحة».
هكذا، إذا صح أن الرئاسة صاحبة البلاغ، فإن ما توحيه القضية فهو أن الرئاسة تتحول إلى الشخصنة. ولا يقل عن ذلك خطراً أن هذه المؤسسة تنشط في مراقبة الناس في آرائهم، عبر وسيط تشاركهم فيه، حول مسألة عامة كهذه. إذ إن سفر الرئيس لتمثيل لبنان «في المحافل الدولية»، والذي يرى فيه المواطن جان عاصي مبالغة وتبذيراً، ليس شأناً خاصاً بالرئيس بل هو عمومي كباقي مهماته الوظيفية. لكن، في استعانة بخيال مُفتقد في هذا الحدث، يمكننا أن نتخيل أن «الأجهزة الأمنية» في تنافسها على كسب رضى الرئيس رصدت كتابات سابقة لعاصي على «تويتر».
وكانت مواقع التواصل الاجتماعي، أمس، قد تحولت إلى مطرح للدفاع عن حرية التعبير. هكذا، أطلق «هاشتاغ» خاص، على «تويتر» و«فايسبوك»، متعلق بقضية عاصي. ولم تخل التعليقات من سخرية مضاعفة من انشغال «الدولة» أو «رئيس الجمهورية» بملاحقة مواطن بسبب مواقفه، بينما ينتشر السلاح في كل مكان في البلاد. ودعم وزير الاتصالات في حكومة تصريف الأعمال نقولا صحناوي حق عاصي في التعبير عن رأيه متمنياً على رئيس الجمهورية «أن يكون متسامحاً معه»، ذلك أن «حرية التعبير تبقى واحدة من القيم المتبقية في لبنان». وكذلك فعل وزير الطاقة جبران باسيل مشدداً على أن «حرية التعبير مقدسة والتعرض لها أمر مشين».
واعتبرت «جمعية مهارات» في بيان أصدرته أمس أن «النقد السياسي للرؤساء والشخصيات العامة هو حق لكل مواطن وصحافي في المجتمعات الديموقراطية وذلك ضمن الحدود المتعارف عليها، والتي يضع اطاراً لها الاجتهاد القضائي والعرف والممارسة الديموقراطية صوناً للحريات العامة». وأشارت أيضاً إلى أنها ضمنت في اقتراح قانون الإعلام الذي تتم مناقشته حالياً في لجنة الإعلام والاتصالات النيابية «جملة اصلاحات من شأنها أن تلغي التوقيف الاحتياطي لكل من يعبر عن رأيه، لا سيما على مواقع التواصل الاجتماعي وإلغاء عقوبة الحبس».
منذ ثلاث سنوات
في هذا الشهر بالذات، وبعد مرور ثلاث سنوات (حزيران 2010)، يمكن اللبنانيون أن يتذكروا، في تكرار غرائبي، أول قضية «قدح وذم وتحقير» بحق رئيس الجمهورية ميشال سليمان أوقف بموجبها ثلاثة شبان. وهؤلاء كانوا قد عبروا عن آرائهم الخاصة، والتي لم تخلُ من شتائم، عبر «الفايسبوك». هكذا، تحركت «النيابة العامة التمييزية» وقتها لتوقيفهم وملاحقة آخرين. وقد حلت المسألة بعد زيارة أهالي الشبان الثلاثة لسليمان من أجل «طلب السماح لأبنائهم».
عاصم بدرالدين