كان من المفترض أن يفتح اللبنانيون عيونهم اليوم على صيف جديد ومجلس نيابي جديد ومؤسسات تشي بأن الدولة ما زالت موجودة، ولو بالحد الأدنى الذي يطمئن اللبنانيين، إلى حاضرهم قبل غدهم.
غير أن المجلس النيابي المشتهى، صار حلم ليلة صيف، أما الصيف، فصار موسماً للقلق والفراغ.. وأما الفراغ، فإنه حلّ محل الأرزة اللبنانية وكل مؤسسات الدولة من رأسها حتى أخمص قدميها.
حسناً فعل أولئك الذي ذكّروا، أمس، بحراكهم المتواضع، بأن اللبنانيين ومهما كانت الجدران من حولهم مسدودة، فإنهم ينظرون بأمل إلى مستقبل بلدهم ويُصرّون على الحد الأدنى من الديموقراطية ولو كانت مزيفة بلباس الطوائف والمذاهب و«قانون الستين البائد».
بالأمس، تبدّى مشهد أمني خطير، عبّر عن نفسه بنزول مبرمج ومدروس، إلى معظم «شوارع» لبنان السياسية ــ الأمنية، من أقصى البقاع الشمالي إلى أقصى عكار مروراً بالبقاعين الأوسط والغربي وصولاً إلى العاصمة بيروت، من دون إغفال حقيقة الشرارة التي انطلقت من جرود عرسال، ومرت في صيدا، وأعادت، أمس، تجديد المخاوف على طرابلس التي لم تخرج بعد من تداعيات جولة الموت والعنف والدمار الأخيرة.
لكأن السيناريو نفسه يتكرر: لتفتح كل الجبهات بوجه «حزب الله» وحلفائه، حتماً سيجد هؤلاء أنفسهم أعجز عن خوض كل هذه المواجهات، وتدريجياً سيجد «حزب الله» نفسه مضطراً لسحب قواته من الأراضي السورية، ليدافع عن نفسه على أرضه بدل أن يدافع عن النظام السوري هناك.
غير أن «حزب الله» الذي كان قد بعث برسائل واضحة في كل الاتجاهات منذ اليوم الأول لانخراطه في معركة القصير، ذهب أبعد من ذلك، بأن وضع جهازه المقاوم في الساعات الأخيرة، في حالة جهوزية كاملة على طول الحدود مع فلسطين المحتلة، في رسالة أراد توجيهها للداخل ولمن أعطى الأوامر من الخارج، «بأنه لو وجدنا أنفسنا في «مواجهة مثلثة الأضلاع»، فلن نتردّد في خوض معركة وجودية، ولكن على طريقتنا وبتوقيتنا وأسلوبنا وليس على طريقة الآخرين وتوقيتهم وأسلوبهم».
وفي مواجهة مخطط انفلات الأمن، وبطريقة ممنهجة ومبرمجة، جاء قرار قيادتي «حزب الله» و«أمل» بضبط النفس وتفادي أي انجرار إلى أي اشتباك والبقاء في موقع الدفاع عن النفس. وقد لاقت قوى سياسية وازنة في «ساحتها» ولا سيما في صيدا، هذا التوجّه، فأعطى أسامة سعد تعليمات واضحة لمناصريه بضبط النفس، لا سيما بعد انكشاف أمر الانتشار العسكري والأمني الذي نفّذه تنظيم إسلامي تاريخي يُسمّي نفسه «وسطياً»، في قلب عاصمة الجنوب، قبل يومين، على هامش الاشتباك الذي جرى في منطقة عبرا.
وسط هذا المشهد الخطير، والدخان الذي زنّر شوارع مناطق لبنانية كثيرة، أمس، أكدت مصادر عسكرية لبنانية لـ«السفير» أن الوحدات العسكرية وضعت في الساعات الأخيرة، في أعلى درجات الاستنفار لضرب كل مظاهر الفتنة ومسبّبيها، والحؤول دون تكرار محاولات العبث بالأمن، سواء في عرسال أو في صيدا التي عزّز فيها إجراءاته ووحداته، امس، او في طرابلس وبيروت.
وشدّدت على وجوب التصدي لأية محاولة للإخلال بالأمن واحداث الفوضى وقطع الطرق كما حصل ليلاً في بعض المناطق اللبنانية.
وقال قائد الجيش العماد جان قهوجي لـ«السفير»: «لا تهاون على الإطلاق في امن اللبنانيين واستقرارهم، والجيش سيكون بالمرصاد لكل من يحاول المسّ به».
وأكد قهوجي أن المرحلة شديدة الحساسية وبالغة الصعوبة، وتتطلب من الجميع من دون استثناء التنبه الى مخاطرها والى ما قد يترتب عنها، وهذا يوجب بالحد الأدنى التعاون، وبذل الجهود لتخفيف التوتر والاحتقان. وقال إن الجيش سيقوم بما هو مطلوب منه وأكثر.. في كل ما من شأنه ان يؤدي الى اخراج البلد الى بر الامان.
ومن الأمن المفتوح الى السياسة، وفى رئيس الجمهورية بوعد الشكوى العربية، بعد سابقتها الدولية، فيما كان مجلس النواب، يدخل اعتباراً من اليوم في مرحلة الولاية الممددة، على وقع الحراك الأمني في معظم مناطق لبنان.
ومن المتوقع أن يشهد المجلس الدستوري، اليوم، اختباراً صارت نتيجته معروفة، للمرة الرابعة على التوالي، علماً أن مهلة بت المجلس بالطعنين الرئاسي والعوني بقانون التمديد، تبقى متاحة حتى الثالث من تموز المقبل، تاريخ انتهاء مهلة الشهر، بدءاً من 3 حزيران تاريخ تقديم طعن «تكتل التغيير والاصلاح».
وعليه تبقى كل الاحتمالات واردة، حتى انقضاء المهلة بعد أسبوعين، الا اذا قرر رئيس المجلس القاضي عصام سليمان إصدار بيان يعلن فيه فشل المجلس في التوصل الى قرار وبالتالي سريان التمديد عملياً، لينتقل البحث سياسياً الى مقلبين أساسيين، اولهما تشكيل الحكومة، وثانيهما ملء شواغر المجلس العسكري، من دون إغفال الملف الأمني الذي أصبح يحتاج الى عناية سياسية عالية.