وفي وقت بات فيه مصير البلد برمته على محك نار الفتنة المتنقلة، ما عاد يمكن التذرع بضرورة أخذ الجيش الغطاء السياسي، بعدما سالت هيبة الجيش على الطرق والحواجز، والصور واللافتات المهينة لكرامة المؤسسة العسكرية، لا رادّ لها سوى اضطلاع قيادة الجيش بدورها والضرب بقوة على منتهكي كرامات الناس والجنود والبلد قبل فوات الأوان
ليل أمس، بدا «أمر العمليات» بقطع الطرقات وشلّ الحركة في البلاد واضحاً. لا يمكن أن يقتنع أحد بأن انتقال قطع الطرقات والإطارات المشتعلة من البقاع إلى الشمال وبيروت أمر عشوائي، بل حركة ممنهجة تديرها غرفة عمليّات واحدة بحجّة التضامن مع بلدة عرسال. وبدا ظاهراً أن الفريق المعادي لسوريا وحزب الله في لبنان أراد ايصال رسالة واضحة إلى من يعنيهم الأمر، بأن هذا الفريق قادر على شلّ البلاد في أي لحظة من أقصاها إلى أقصاها، وافتعال أحداث أمنية تواكب الوضع الميداني في سوريا، وتربك حزب الله في الداخل اللبناني. ليس هذا فحسب، يعمل الفريق المقابل لحزب الله على ارباك الجيش اللبناني بشكلٍ واضح عبر توسيع رقعة التوتر، خصوصاً داخل العاصمة، مستغلاً التردد الواضح الذي تبديه قيادة الجيش في ضبط الأمور، بدل الضرب بيد من حديد والعمل بقسوة على فرض سلطة الدولة على المخلّين بالأمن والمحرّضين على الفتنة، مع إدراك هذا الفريق الصعوبات التي يواجهها الجيش إذا ما اتسعت رقعة التوتر.
ظهر أمس، تحوّلت المناوشات التي وقعت صباحاً بين مسلّحين لبنانيين وسوريين في خراج بلدة عرسال ومسلّحين من بلدتي اللبوة والنبي عثمان، إلى قطع طريق بيروت ــ دمشق الدولي عند نقطة المصنع، ومن ثمّ اشتباك بين مسلّحين والجيش الذي حاول إعادة فتح الطريق، ما أدى إلى سقوط قتيل وثلاثة جرحى. ولم تقف الأمور عند حدّ المصنع، إذ قطع ملثّمون وعدد من الشبان طريق عام شتورا ــ زحلة في بلدتي تعلبايا وسعدنايل بالحجارة والإطارات المشتعلة، وتطور الأمر إلى اشتباكٍ بين مسلّحين والجيش عندما حاول فتح الطريق، أدى إلى سقوط أربعة جرحى. ومع ساعات الليل، قطع شبانٌ وملثّمون طرق دير زنون ــ رياق وقب الياس ــ البحصاصة في البقاع وعمل الجيش على فتحها.
وفي الشمال، عمد شبان الى قطع طريق العبودية ــ الشيخ عياش وطريق البيرة ــ القبيات ــ الكويخات. كما قطع شبانٌ الطرقات عند دوار أبو علي في طرابلس بالإطارات المشتعلة.
وقبل منتصف الليل، قطع عدد من الشبان والملثمين طريق مطار بيروت الدولي عند المدينة الرياضية بالإطارات المشتعلة، وطريق كورنيش المزرعة عند مسجد جمال عبد الناصر، وطريق قصقص، قبل أن يعمد الجيش إلى فتحها. وترافق قطع الطرقات في بيروت مع تجمعات لمسلّحين داخل أحياء الطريق الجديدة، لا سيما في منطقة صبرا.
توتر اللبوة ـ عرسال
وكان ساد جو من التوتر منذ صباح امس بين عرسال من جهة واللبوة والنبي عثمان من جهة ثانية (رامح حمية)، على رغم الجو الإيجابي الذي عكسه تسليم أهالي بلدة عرسال، منتصف ليل أول من أمس، ص. ف.، الى استخبارات الجيش. وفيما قالت مصادر أمنية إن ص. ف. أحد المشتبه فيهم بارتكاب مقتلة وادي رافق، أكدت مصادر عشيرة آل جعفر أنه أحد الشهود. وتعرّضت اللبوة صباحاً لإطلاق نار من اسلحة متوسطة، مصدره منطقة الشعب الفاصلة بين البلدتين، فردّ أهالي اللبوة على مصدر النار. وتطور الأمر، وسط توتر شديد، الى نزول عدد من أبناء البلدة عملوا على منع العراسلة من الخروج من بلدتهم. وشدّد رئيس بلدية اللبوة رامز أمهز على أن أهالي البلدة في انتظار نتائج «التحقيق الذي بات واضحاً سواء لناحية حيثياته، أو مرتكبي الجريمة»، فيما حذّرت منسقية «تيار المستقبل» في عرسال، في بيان، من أن «حصار عرسال» من شأنه «أن يزيد الأمور تأزماً، بما يضع الدولة أمام مسؤولياتها في معالجة هذا التأزم قبل أن يتطور إلى الأسوأ».
وليلاً، عقدت فاعليات اللبوة اجتماعا حضره رئيس البلدية والشيخ نبيل امهز واصدروا بيانا تلاه الأخير جاء فيه «ان من قطع الطريق الذي يربط بين اللبوة وعرسال هو من ارتكب الجريمة وقطع اواصر التواصل بين اهالي المنطقة بجريمته البشعة، ونحن اهالي بلدة اللبوة نعلن ان الطريق مفتوح وهو في عهدة الجيش اللبناني».
بدورهم عقد اهالي بلدة عرسال اجتماعا في دار البلدية حضره رئيس البلدية علي الحجيري واعضاء المجلس البلدي، وابدوا استعدادهم لتأدية دور ايجابي بكشف المؤامرة وتفويت الفرصة على المصطادين في الماء العكر في المنطقة وحصر المسؤولية بمرتكبي الجرائم والمساعدة على تسليمهم للعدالة.
وعلمت «الأخبار» أن اتفاقاً تمّ بين وجهاء بلدة اللبوة وعائلات المغدورين من جهة ورئيس بلدية عرسال علي الحجيري من جهة ثانية برعاية الجيش ومفتي بعلبك الهرمل الشيخ بكر الرفاعي يقضي بفتح الطريق على بلدة عرسال مقابل تعهد الحجيري بفتح أبواب عرسال لمداهمات الجيش واحضار أي مشتبه فيه. وذكرت مصادر مطلعة على الاتفاق بأن التسليم قد يحصل اليوم لمشتبه فيه ثانٍ. وعلمت «الأخبار» أن عدد المشتبه فيهم ثلاثة لبنانيين وثمانية سوريين.
المواجهة تقترب في صيدا
وفي صيدا (آمال خليل)، يشعر سكان المدينة بأن جولة العنف المجنون التي شهدتها صيدا قبل يومين ليست الا بداية. وفي غياب وسيط قادر على فرض معادلات جديدة تمنع اللعب بدماء الناس وأرزاقهم واعصابهم، لا يوجد في الافق ما يوحي بامكان تراجع التوتر، فيما تجمع الجهات الامنية المتابعة على انطلاق عمليات تحشيد ذات طابع امني وعسكري من قبل جميع الاطراف. ففي جانب الشيخ احمد الاسير وانصاره، تدور الماكينة لفرض وقائع ميدانية استعداداً لجولة عنف جديدة كما لوّح الاسير. وفي الجبهة المقابلة، يتصاعد الخطاب المحذر من ان «فترة السماح» تقترب من نهايتها، ما يوحي بامكان اندلاع مواجهة قاسية. فيما لا تزال القوى الامنية والعسكرية الرسمية في حالة «شلل»، مقابل اكتفاء السياسيين بالدعاء ورفع الصوت دون اي حركة على الارض.
وقد عاد منسوب التوتر الأمني للارتفاع أمس على وقع تهديدات الأسير بالتحرك العسكري في حال لم يسلّم حزب الله الشقق التي يستخدمها في عبرا. وفي ساعات النهار، شوهدت سيارة ذات زجاج داكن تقوم بنقل مجموعات من المسلحين على مراحل من المربع الأمني لمسجد بلال في عبرا واليه. فيما استحدث أنصار الأسير دشماً رملية في محيط المربع الأمني وعلى أسطح عدد من المباني المجاورة، ونصبوا مرابض قذائف على أسطح مبان في الهلالية تشرف على حارة صيدا. وأُرسلت عبر الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي رسائل تزعم بأن الحزب استقدم تعزيزات وأسلحة إلى الشقق، وأن عناصره يحاولون بأسلحة كاتمة للصوت إصابة كاميرات المراقبة التي نشرها لرصد التحركات. تهويل الأسير دفع إلى إقفال المنطقة ومغادرة بعض العائلات منازلها في عبرا ومجدليون والهلالية، خوفاً من تجدد إطلاق النار. فيما كثف الجيش من انتشاره ودورياته المؤللة في عبرا ومحيطها.
وبلغ التوتر ذروته مساء، عندما تزاحمت سيارتان على جادة نبيه بري بين الحارة وعبرا، يستقلهما مسلحون تابعون لسرايا المقاومة وأنصار الأسير. وعندما أوقف الجيش السيارتين ومن في داخلهما ونقلهم إلى ثكنة زغيب في صيدا، عزز مناصرو الأسير في عبرا استنفارهم وهددوا بإطلاق النار في حال لم تطلق سراح السيارة العائدة لهم ومن كان بداخلها. وسرعان ما أرسل الأسير عبر الهواتف إلى أنصاره دعوات إلى الانتشار والاستنفار والجهوزية في حال حصول طارئ خلال الليل.
وعلمت « الأخبار» من مصادر مواكبة أن رئيس لجنة التنسيق في حزب الله وفيق صفا والمسؤول في حركة أمل أحمد بعلبكي زارا قائد الجيش جان قهوجي وأكدا له رفض الحزب والحركة للمواجهة العسكرية مع الأسير، وطلبا منه أن يتولى الجيش التحرك على الأرض ومعالجة الأمر.
وقال مصدر أمني لـ«الأخبار» ان قيادة اليونيفيل في الناقورة تنظر بقلق بالغ الى الوضع الأمني في المدينة التي تشكل نقطة عبور قسرية لجنودها وموظفيها وآلياتهم في طريقهم من بيروت واليها. ولمّح المصدر إلى احتمال تجهيز اليونيفيل لخط تحرك بديل عبر البحر من مرفأ الناقورة الذي تستخدمه بحرية اليونيفيل إلى مرفأ بيروت. وتساءلت مصادر مواكبة عن «جدية القرار الأميركي والغربي بنقل المعركة من طرابلس إلى صيدا للتضييق على حزب الله وفرض مواجهة سنية ــ شيعية، نظراً إلى محاذيرها الخطرة على قوات اليونيفيل، لا سيما الرئيسية منها التابعة لدول أوروبية لها يد في تغذية التحريض المذهبي».
4 جرحى في أبي سمراء
وفي طرابلس (عبد الكافي الصمد)، تحوّلت منطقة أبي سمراء ساحة اشتباكات وتوتر بسبب إشكال وقع بين شبان من آل حسون وعناصر أمنيين. فعندما كانت قوة أمنية تحاول امس اقتحام منزل ز. حسون، المتهم برمي قنبلة يدوية على مخفر درك أبي سمراء قبل أيام.