عندما أذهل المصريون العالم بثورة 25 يناير 2011، تأثر لبنانيون بمعجزة اقتلاع الحاكم من كرسيه. ومدفوعين بنشوة زوال الطاغية، محاولين التجريب وإن غلبتهم الحماسة وسبقتهم، تداعى شبان من طوائف عدة إلى تشكيل ما عُرف بـ«حملة إسقاط النظام الطائفي».
آنذاك، عُقدت الاجتماعات «الثورية» ونُظمت الندوات، ثم بدأت المسيرات الأسبوعية فجذبت الآلاف، وصدحت الأصوات مطالبة بـ«رحيل النظام الطائفي»، إلى أن همدت وأخمدت مثلما بدأت: بسرعة المتحمّس المستعجل، فبدت مثل صرخة لا أكثر.
اليوم، اجتاز المصريون معجزتهم الأولى، وصنعوا أيقونة بشرية، بدأب نملة وخبرة مهندس يرسم الطريق قبل تعبيدها. أخبر المصريون، اليوم، أنهم يختارون الرئيس ثم يزيحونه إذا ضلّ الطريق التي رسموها. علّم المصريون العالم بأن الشعب يصبر لكنه لا ينسى، لا يضل الطريق. صنعوا معجزتهم الثانية.
مع ذلك، بدت الصرخة في لبنان، اليوم، مكتومة، تقابلها مواقف سياسية خبيثة، بينما تبدو ردود الفعل العامة، لمواطنين عاديين ينتمون إلى ما يُعرف بـ«الشعب»، أشبه بفقّاعة في إناء يغلي بما فيه: لم تشهد الطرق سيارات أو دراجات نارية تسير احتفاء بفوز «شعب» جبّار، مثلما تسير احتفاء بفوز فريق كرة قدم.
همج
ربما تبدو الهموم الأمنية - السياسية، قبل سماع آراء الناس، مبرراً للامتناع عن احتفالات حماسية. وقد يظنّ مؤيدو الأيقونة المصرية، أن اللبنانيين جميعاً يشاركون المصريين فرحتهم، يحسدونهم، يتعلّمون منهم لغد ينتظرونه.. ولو بعد حين.
لكن جولة ميدانية في بيروت وضواحيها، تظهر أن غالبية اللبنانيين منغمسون في وحل السياسة، إذ تغدو التحليلات السياسية هي الحدث، بينما المعجزة الأساسية غائبة: لا أحد يتحدث عن المصري، المواطن، الذي تمرّد ثم تعثّر ثم تمرّد.
الكل يتخذ صفة المحلل السياسي، العارف بخبايا الثورات وأسرارها. لا أحد يسأل. اللبناني يعرف، لا يسأل. وثمة من يقول إن الثورة المصرية هي نتيجة مؤامرة أميركية: «أنا لم أتأثر بما حدث بمصر، وتضايقت لأن الشعب لم ينزل إلى الميدان بإرادته، بل وفق قرار خارجي»، يقول حسين ماجد.
ماجد رجل أربعيني، مهندس، ويقطن في الكفاءات. برأيه، أثبتت «الأحداث» الأخيرة في مصر أن «الإسلام فشل في إرساء حكم عادل بالحياتين الميدانية والسياسية، منذ تجربة الأردن في التسعينيات إلى التجربة المصرية الحالية».
ويتكرر اسم الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي، في إفادات المواطنين الذين حاورتهم «السفير» أمس: «لن يأتي حاكم أفضل من الآخر في مصر. مرسي انتهى لأنه وقف بوجه المقاومة في لبنان، لذلك نتمنى أن يكون النظام الجديد مؤيداً للمقاومة»، يقول الحاج عبّاس.
يهز الرجل رأسه مجيباً: «نعم، صحيح أن المصريين نفذوا ثورتهم بأنفسهم، وهم أشخاص فقراء مثلنا، ونحبهم لطيبة قلبهم، لكن أميركا ستستغلهم مثلما فعل الإخوان المسلمون».
ورداً على سؤال، مفاده أن المصريين، من بين أسباب عدة ثاروا لأجلها، فقد احتجوا في ثورتهم الأخيرة على خضوع نظام مرسي للولايات المتحدة، يجيب الرجل الستيني: «إذاً، يتعيّن أن ينعكس ذلك في إلغاء اتفاقية كامب دايفيد فوراً».
يضحك الحاج عباس ويلوّح بيديه قائلاً: «ثورة، هنا في لبنان؟ نحن، سواء من يؤيد منّا 8 أو 14 آذار، همج. ولو أردنا أن نثور، كنا فعلنا ذلك قبل سنوات. ألا يستحق أن يكون حكامنا في السجون؟ يسرقوننا ويحكموننا».
ليس انقلاباً
بصوت هادئ، يتحدث محمد، وهو مصري يقيم في الضاحية منذ العام 1993، ويعمل ناطوراً لأحد المباني السكنية. يقف أبو ماهر، صاحب محل لبيع الخضار في المريجة، مستمعاً إلى تعليق محمد: «الجيش لم ينفذ انقلاباً على مرسي. الشعب هو من ثار. أيام مرسي أصبح ثمن قارورة الغاز 20 جنيها، بينما كان ثمنها أيام حكم حسني مبارك 4 جنيهات. أيام مبارك لم نكن نعرف أن التيار الكهربائي ينقطع، بينما أصبحت الكهرباء تأتي في المناسبات أيام حكم مرسي».
وحكم «الإخوان المسلمين»، وفق محمد، كان يتجهز لتحويل مصر إلى إمارة طائفية، بينما «نحن لم نعرف يوماً الفرق بين المسلم والمسيحي». يقول الرجل إن ابنه، البالغ من العمر 14 عاماً، شارك في الاحتجاجات الأخيرة في المنصورة. يشعر محمد بفخر، ويجيب رداً على سؤال: «حسناً، فلنفترض أن الرئيس الجديد لن يلبي طموحاتنا، فمثلما أزحنا غيره عن الحكم، نقتلعه هو أيضاً».
يرفض أبو ماهر التعليق. يبدو مأخوذاً في ما يقول محمد، الذي استأنف الحديث: «مصر تحتاج نحو عشر سنوات كي تتحسّن وتلبّي مطالبنا نحن الفقراء. مع ذلك، سننتظر بسرور، لأننا الآن نقوم ببناء مستقبلنا، بأيدينا».
بعد غد، سيعود محمد إلى مصر، ليمضي إجازته السنوية. لكن، «في قلبي غصّة: أنا لم أشارك ابني في ما فعل. لم أكن إلى جانبه حين هتف وصرخ وبكى وفرح». يبتسم أبو ماهر، ويربت على كتف محمد. يعود إلى محله، ويغادر محمد رافعاً إحدى يديه وهو يقول بصوت هادئ: «يكفيني أنني مصري».
مؤامرة أميركية
هدوء الأشرفية يشبه هدوء الضاحية. تزداد أشعة الشمس وتتضاعف لسعتها. بالقرب من ساحة ساسين، يجلس أندريه قاصوف في المقهى الصغير الذي يملكه.
بتلقائية سريعة، يجيب قاصوف، وهو رجل ستيني، قائلاً: «ان ما حدث في مصر لا يعنيني نهائياً، ولم أتأثر إيجاباً. ثمة علامات استفهام عدة، أبرزها: ماذا يريد الأميركيون؟ المهم، ما أتمناه، هو ألا يقتربوا من لبنان! أنا مقتنع بأن ما حدث في مصر مؤامرة أميركية».
يوضح أندريه أن «عمرو موسى ومحمد البرادعي يتزعمان الثورة في مصر. وهما معروفان بولائهما لأميركا. ما هذه المصادفة؟»، ثم تتوالى الأسئلة: «من أتى بمرسي إلى الحكم؟ أميركا. من أخرج مرسي من الحكم؟ أميركا. من سيأتي بالرئيس الجديد؟ أميركا».
يجاور المقهى الصغير، في الأشرفية، مطعم تعلوه لافتة تقول إن اسم المطعم «لا لا». ثمة كراسي في الباحة الخارجية. يرفع رجل خمسيني حاجبيه متبرماً، كما لو أنه سمع شتيمة، ويقول مجيباً: «مصر؟ يا عمّي شو خصّنا بمصر؟». وبالازدراء ذاته، يجيب شاب يجلس إلى جانبه: «نحن همّنا بآخر الشهر. ماذا حدث في مصر أصلاً؟».
الرأيان لا يعكسان، ربما، آراء سكان الأشرفية، كما لا تعكس الأجوبة أعلاه آراء سكان الضاحية، على الرغم من تكرار كلمات مثل: مؤامرة، الحكم الإسلامي، مقاومة، ما همّنا، انقلاب، استغلال...
لكن ثمة رأيا عاما يدور حول عناوين متشابهة، واختزالها في نص صحافي سيكون ضرباً من ضروب المعجزة. مع ذلك، يبدو غريباً أن النقاشات تأخذ خطاً حوارياً واحداً: التحليل السياسي، مستنداً إلى نظرية المؤامرة..