أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الصيدلي صاحب المسدّس

الثلاثاء 09 تموز , 2013 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 11,641 زائر

الصيدلي صاحب المسدّس

العاملون في الصيدلية خلال هذا الوقت، كانوا ثلاثة: صبيّتان وشاب. واحدة منهما ابنة صاحب الصيدلية. أما الصيدلي الثلاثيني الذي سنطلق عليه اسم محمّد فكان يتابع شؤون الصيدلية في غياب مديرها. لديه أفضلية مهنية على الصبيتين بسبب خبرة عمرها بضع سنوات في المهنة. كان الثلاثة يعملون في النوبة الصباحية. 

سأل علي إحدى الصيدلانيتين عن دواء Rivotril المخصّص للأعصاب. فأجابته: «لا يوجد». أصرّ على الحصول عليه مع أنه لم يكن يملك وصفة طبية بذلك. فالدواء المذكور مثل كثير من الأدوية المخدّرة لا يسلّم إلا بـ«روشتة» طبيب ويسجّل على «دفتر المخدرات» الذي تصدره وزارة الصحة على رخصة الصيدلية. وتحفظ هذه الأدوية في خزنة حديدية بقفل داخل الصيدلية.

فجأة علت نبرة صوت علي وسحب يديه من جيبيه. كانتا ترتجفان. بدا توتره واضحاً.

لعلّ الخطأ الأول الذي ارتكبته الصيدلانية الشابة أنها لم تنف وجود الدواء بشكل حاسم وبثقة كافية. ثم وقعت في الخطأ الثاني الذي ينمّ عن قلّة خبرتها في التصرّف أمام هذا النوع من الحالات. طلبت منه إحضار «روشتة» الطبيب. وبذلك تكون قد انقلبت على كلامها الأول وأكدت وجود الدواء في الصيدلية.

أمام هذا الموقف تدخّل الصيدلي محمد، صاحب التاريخ الحافل بـ«الاحتياطات». وهذه احتياطات «أمنية» بمعظمها يراكمها المرء في مثل هذه البلاد التي ينعدم فيها الأمان. كان سبق له أن تعامل مع حالات مشابهة. وقع في فخّ «الحبحبجية» مرات عدة إلى أن حفظ جميع خدعهم. ذات مرة دخل عليه شاب وطلب منه دواء Lagaflex الذي يرخّي العضلات ويستخدم للأوجاع (سحب لاحقاً من السوق). كانت رجله مربوطة ومغطاة بالشاش الملوّث بالدواء الأحمر وكان يتكئ على عكاز. باعه الدواء. لكن أحد جيرانه الذي راقب «المصاب» وهو خارج من الصيدلية أخبره أنه كان يسير على رجله بشكل طبيعي.

مدمنو الحبوب المخدّرة يبتدعون طرقاً غريبة للوصول إلى غايتهم، التمثيل أحدها. قد يرسلون والدتهم أحياناً كي تبكي للصيدلي وتستعطفه في سبيل حصول ولدها على الدواء. 

طلب الصيدلي محمد من علي أن يتوجه إلى مستوصف قريب ليحضر «روشتة» من هناك كي يسلّمه الدواء. قال ذلك على أمل أن يعود مدير الصيدلية فيجد حلاً لهذه المشكلة الطارئة. لكن المدير لم يأت. ذهب علي إلى المستوصف، افتعل مشكلة هناك، ومن ثم عاد إلى الصيدلية من دون «الروشتة» بالطبع. 

لكنّه عاد أكثر توتراً. سأل عن الدواء مجدداً وهدد بتكسير الصيدلية في حال عدم الاستجابة لطلبه. خاف الزبائن وحاولوا الخروج. لكن علي وقف سداً بينهم وبين الباب وهدّد بإحضار قنبلة وتفجير الصيدلية بمن فيها. عنفه الشّرس لم يكن يوحي بأي احتمال للمزاح. صار الوضع خطيراً. ثم ازداد سوءاً عندما بدأ أصدقاؤه بالتجمع أمام الصيدلية. مجموعة من الشبان العاطلين عن العمل، بأوشام مرسومة على أجسادهم تظهر من تحت «البروتيلات» وذقون فوضوية طويلة ترسم وجوهاً لشخصيات تبعث على التوجّس.

 

الصيدلي وحيداً

 

خاف محمد من هذا المشهد فرفع سماعة الهاتف واتصل برقم الطوارئ. أخبرهم بما يحدث وسألهم إرسال دورية. لكن الدركي على الخط ردّ ببرودة: «عندما يصبح المدمن في الصيدلية اتصل بنا». ظهرت علامات التعجب على وجه محمد وقال في نفسه: «أيمزح هذا الرجل؟». وعندما أوضح له محمد بأن المدمن يقف فعلاً أمام الصيدلية ويهدد بإحضار قنبلة، ردّ الدركي: «بركي ما جابها». كاد محمد يضرب على رأسه من إجابات الدركي غير المقدّرة لخطورة الموقف. أقفل الخط وعاود الاتصال بالطوارئ فجاءه الصوت نفسه: «سنرسل دورية». 

وصلت آلية عسكرية. نزل منها محقق وعنصر وانتظر زميلهم الثالث في السيارة. عندما رآهما المدمن جنّ جنونه. شتم عنصري الدورية فيما عمل رفاقه على تهدئته. ورغم ذلك لم يتخذ العنصران أي إجراء ضده. 

ما حدث لاحقاً، كان مثيراً للضحك أكثر. دخل المحقق الصيدلية وسأل محمد عن اسمه بالكامل، ثم سأله عن الاسم الكامل للمدمن. كاد محمد ينفجر غضباً بسبب القسم الثاني من السؤال. الدركي يسأله عن اسم شخص لا يعرفه فيما لا يبعد هذا الشخص عنه بضعة أمتار. سأله المحقق أيضاً إذا ما كان يرغب بأن يتقدم بشكوى ضده. لكن هذا الأمر لم يكن منطقياً بالنسبة إلى محمد، فالمشكلة مستمرّة وتتوجّب معالجتها على الأرض قبل قرار الذهاب إلى موضوع الشكوى. قال المحقق عندها: «سنرسل دورية من الاستقصاء لتأخذه». غادرت الدورية. 

لم تفعل الشرطة شيئاً. خلال هذا الوقت، انتهى الدوام الصباحي. فريق آخر سيبدأ مناوبته الآن بعدما غادرت الصبيتان. المشكلة لم تعد بين المدمن والصيدلية صارت الآن شخصية بين المدمن والصيدلي الذي رفض بيعه الدواء. علا صوت الصراخ والشتائم. وقف عدد من أهالي المنطقة إلى جانب محمد بعدما خافوا عليه من الأسوأ، لكنها كانت حماية إلى حين. لم يتمكن من مغادرة الشارع بعدما قطع علي ورفاقه الطريق عليه فبقي في دكان جاره. 

بعدما اتصل بمدير الصيدلية من دون أن يلقى أي اهتمام هاتف محمد والده الذي قام بمجموعة من الاتصالات ثم وصل لاحقاً مع عسكريين بآلية للدرك. خلال هذا الوقت تدخّل شبان حزبيون، وتمنّوا على محمد عدم التقدم بشكوى ضد علي بعدما اعتذر عن الشتائم التي أطلقها بحقّه «لأن وضعه متدهور». 

فكّر محمد جيداً. لا صاحب الصيدلية سأل عنه في ظرفه الصعب ولا مديرها. قال في نفسه: «طالعة براسي. هذا ابن المنطقة وأنا غريب عنها. الصدام معه ليس في مصلحتي. أنا آتي إلى منطقته كل يوم وسأستمر بذلك». لذلك عندما طلب الحاضرون منه إعطاءه الدواء تنازل وأعطاه إياه مخالفاً قناعاته الأخلاقية وقسَم المهنة. قدّمه له من جيبه الخاص وأمام عيون القوى الأمنية.

في الأيام التالية عاد علي واعتذر مرة أخرى وأحضر معه «روشتة» بالدواء الذي حصل عليه «بالقوة» من دونها.

 

وصفات بخفة يد

 

هناك أطباء عديدون يحرّرون هذه الوصفات بخفّة يدٍ لا تقرب الأخلاق وشرف المهنة بشيء. يكتبونها إما بداعي الربح المادي أو خدمة لزبون دائم. لكن محمد اتخذ بعد هذه الحادثة قراراً لا عودة عنه: من الآن وصاعداً لن يحمل تبعات أي مشكلة على عاتقه الشخصي. وكي يبرئ ذمته تجاه صاحب الصيدلية وتجاه نفسه صار يتفق على «الاحتياطات» الواجب اتباعها مع كل صاحب صيدلية يعمل فيها في حال التعرّض لحادثة مشابهة. سمع من أصحاب الصيدليات في المرات الثلاث التي غيّر فيها مكان عمله الجملة نفسها: «فلتعطهم ما يريدون». 

لكن مع كل ذلك ظل الصيدلي الشاب متوجساً وخائفاً على سلامته الشخصية. كلما سمع عن حادث اعتداء على صيدلية زاد هلعه. لذلك فعل ما لم يفكّر به يوماً. اشترى مسدساً. لم يكن أي شيء آخر ليطمئنه. في عزّ النهار حصل الحادث معه وفي عزّ النهار وجد نفسه وحيداً. ولأن لا شيء يضمن عدم تعرّضه لأذى المدمنين أو السارقين خلال عمله زاد يقيناً بصوابية خطوته. 

فكّر بكلّ ذلك ثم سحب المسدس المرخّص عن خصره من دون أن يراه أحد ووضعه في درج قريب من صندوق الصيدلية وارتدى «البرنس» الأبيض فوق ثيابه. 

لقد بدأ الآن العمل في المناوبات المسائية.


Script executed in 0.19060206413269