لم تكن إصابتها بالغة، لكنّها أمضت الساعة الأولى من وصولها إلى المستشفى منهارة. مرّت عليها ثلاثون دقيقة من الجحيم قبل أن تعرف أن ابنها الصغير، أحمد، بخير وأنه نقل هو الآخر إلى المستشــفى بعدما عثر عليه أحد الجيران بعيداً عنها.
قبل الانفجار، كان الشارع الرئيسي في بئر العبد يعجّ بالمواطنين الذين يستعدون لشهر رمضان. وكانت المحال التجارية تعلن عن عروضاتها التسويقية. لم يكن أي شيء يشي بعدم الأمان و«خصوصاً في الضاحية»، كما تقول.
أمام مدخل طوارئ مستشفى بهمن، حيث نقل غالبية جرحى الإنفجار، تجمهر مواطنون كثر. بعضهم قلقون على أقارب لهم خرجـــوا ولم يعــرفوا عنــهم شيـــئاً في ظـــل انقــطاع الاتصـــالات إثر الانفجار، فيما جاء آخرون بفعل الفضولية، وطبعاً شكّل الإعلاميون جزءاً من الازدحام.
يؤكد المدير العام للمستشفى علي كريّم لـ«السفير» أنه «تم نقل خمسة وخمسين جريحاً إلى بهمن غادر منهم اثنان وخمسون بعدما تلقوا الإسعافات اللازمة».
ويشير كريّم إلى أن الجرحى الثلاثة «خضعوا لعمليات محدودة كنزع زجاجة من محيط عين أحدهم، أو بسبب كسر في القدم»، لافتاً إلى عدم وجود أي جرحى مصابين بشظايا من الإنفجار. وقد جاءت الاصابات نتيجة تطاير الزجاج من نوافذ المنازل ومداخلها أو من واجهات المحال، أو نتيجة سقوط أجسام صلبة في المنازل، أو سقوط بعضهم أرضاً بفعل قوة الانفجار.
أما في مستشفى الساحل، فيؤكد مصدر طبي لـ«السفير»، استقبال أربعة جرحى غادروا بعد إسعافهم. ولم يسجل إجراء أي عملية جراحية فيها.
اختصر قسم طوارئ بهمن، أمس، الصورة في الضاحية. فبين لحظة وأخرى كانت سيارات الإسعاف تنقل مصاباً جديداً، أو يصل مواطن متوتر وقلق يحاول دخول الطوارئ ليتأكد بنفسه من وجود قريب له أم لا. كان من الصعب على طاقم المستشفى من حراس وممرضين ومسعفين وأطباء امتصاص قلق العائلات بســهولة. كان الكل يجادل بحقه في الإطمئنان ورؤية جريحه.
«يمكن إصابته خطرة مش عم تقولوا لي» بهذه الجملة صرخت أم سامر بالحارس الممسك بباب الطوارئ محاولاً تخفيف الضغط عن المكان الذي عجّ بالعشرات. لم يهدأ بال المرأة الســتينية إلا بعد السماح لها بالــدخول ورؤية ابنها لتخرج بعــدها وتبدأ بالبكاء الصامت «يا ميمتي كان راح».
بدت وكأنها وعت لحظتها حجم الخطر الذي كاد ينال من فلذة كبدها.
تقول الحاجة إن ابنها كان قد خرج إلى موعد عمل قبل عشر دقائق من دوي الصوت الذي هزّ منزلها ومعه كيانها، «خفت عليه كتير». خوف أنساها إصابتها في قدمها نتيجة الزجاج المتطاير من خزانة المطبخ. كانت أم سامر ترتاح في بهو الطوارئ عندما انتبه أحد المسعفين للدم يبلل قدمها.
كرستينا حمدان (15 عاماً) التي تسكن في المبنى الملاصق لموقف السيارات حيث وقع الإنفجار كانت ما زالت نائمة في غرفتها عندما استيقظت على دوي الإنفجار وشعرت أنها «تطير» كما قالت. وقعت النافذة على كرستينا فأصيبت بجروح في يدها وقدمها.
وكان للأطفال حصتهم أيضاً. ويؤكد كريّم أن مستشفى بهمن استقبل سبعة أطفال تحت سن الخمس سنوات. هؤلاء أصيبوا خلال وجودهــم في منازلهم بزجاج النوافذ. إصابات، وإن لم تشكل خطراً جسدياً، لكنّها زرعت الهلع في نفوسهم الطرية.
الهلع، «لا يعرفه أهل الضاحية». هكذا كان المتجمهرون أمام الطوارئ يعبرون عن موقفهم من انفجار استهدفهم مع بداية شهر رمضان. «من صمد ثلاثة وثلاثين يوماً في وجه إسرائيل و الـ«إف 16» والأسلحة والقذائف الذكية الأميركية لا ترعبه عبوة»، هكذا قال محمد اللوباني، وهزّ الموجودون من حوله رؤوسهم موافقين. جملة كان لها أن تعيدهم إلى عدوان تموز 2006، نعم إنه التاسع من تموز قبل ثلاثة أيام من الذكرى السابعة للعدوان الإسرائيلي.
سعدى علوه