يحذّر المفوّض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنطونيو غوتيريس من أن «النزوح السوري إلى لبنان سيتحوّل إلى مشكلة وجودية». ويعرب عن تخوّفه هذا في أكثر من مناسبة ومن على منابر مختلفة كان آخرها خلال زيارته لبنان في حزيران الماضي. ويبدي كثيرون من المسؤولين اللبنانيين تخوّفهم، مثل غوتيريس، من انعكاسات النزوح السوري إلى بلدهم الصغير، لا سيّما أنّ أرقام الأمن العام باتت تشير إلى وجود نحو مليون ومئتي ألف سوري على الأراضي اللبنانية، بينما تتوقع «المفوضية العليا لشؤون اللاجئين» أن يصل عدد النازحين المسجلين لديها، نهاية العام، إلى مليون. لكنّ هذا التخوّف لا ترجمة له على أرض الواقع سوى باتباع سياسة النعامة التي تخفي رأسها في الرمال.
هكذا لا رأي لأحد من المعنيين، سلباً أم إيجاباً، في موضوع إنشاء مخيمات للنازحين، حتى أنهم يهابون طرح الملف بشكل جدّي على طاولتي الحكومة المستقيلة أو مجلس النواب المتعثّر بسبب ملفات تهمّ «روّاده» كالانتخابات النيابية وقانونها والتجديد والتمديد وغيرها من الأمور المتعلّقة بالمناصب.
وفي معمعة السجالات تتضاعف أرقام السوريين الذين ينزحون إلى لبنان هرباً من القتل والعنف بشكل يفوق دائماً توقعات المفوضية والمعنيين الرسميين في الملف. وقد باتوا ينظمون حياتهم في البلد الجار تحسباً لطول الأزمة، بينما يلهث عدد كبير منهم وراء القوت والمأوى يومياً.
وحتى أمس قريب كانت الدولة اللبنانية لا تزال تنتهج سياسة ردّ الفعل على الملف الطارئ، من دون أن تعمد إلى معالجته كبند طارئ وملحّ على جدول أعمالها. فهي رأت أن عليها أولاً استقبالهم من دون التضييق عليهم، وأن عليها ضمان حق أطفالهم بالتعليم، ومرضاهم بالمعالجة الطبيّة. إلا أنّها لم تفكر يوماً بتنظيم وجود نحو مليون ضيف يساوون ربع أبناء البلد المقيمين، الذين يعيشون أصلاً حياة غير «طبيعية» تفتقر إلى الكهرباء والمياه وشبكات الصرف الصحي وغيرها من بديهيات العيش.
وقد عجزت الدولة حتى عن استقطاب الأموال اللازمة لإغاثة هؤلاء النازحين، وفضّلت الجهات المانحة توجيه مساهماتها إلى المفوضية وشركائها. وهي خضعت إلى محاكمة في السياسة جعلت دولا عدّة تسأل في أحد الاجتماعات الخاصة بالتمويل: كيف لنا أن نموّل حكومة فيها حزب الله، وحزب الله مشارك في معركة القصير؟ ما الذي يكفل لنا صرف أموالنا للإغاثة وليس في المعارك؟ يومها، كما يقول مصدر مطلع، لم يجد المندوب اللبناني جواباً، واستسلم للصمت.
فرصة جديدة
حتى أمس قريب كانت المفوضية أشبه بالآمر الناهي في الملف في حين كانت الدولة بوزاراتها ولجانها تمسك بطرفه. فكانت لجنة أمنية تحصي وتراقب توزع السوريين على المناطق، ووزارات تشملهم بتقديماتها. بينما تستمر في السياسة عملية النأي بالنفس. وهو نهج جعل سياسيين يناشدون إنشاء مخيمات للنازحين في الأروقة والمجالس الخاصة، وآخرين يحذرون منها أيضاً في الأروقة والمجالس الخاصة، ليتحوّل الحديث إلى إقامة ما يسمى بمراكز إيواء للطوارئ وللداخلين الجدد إلى لبنان، يحولون منها إلى داخل الأراضي اللبنانية. وهذه المراكز لم تبصر النور بعد.
لكن ثمة أمراً تبدّل اليوم، وهناك خطوة يمكن الرهان عليها إذا صممت الجهات اللبنانية المعنية على تحمل مسؤولياتها تجاه هذا الملف. فمع حضور غوتيريس إلى لبنان في حزيران الماضي أطلق نداء مشتركاً بين المفوضية والحكومة لجذب أموال الإغاثة. يومها يمكن القول إن الدولة التي عجزت عن كسب ثقة الجهات المانحة، تلطّت خلف المفوضية التي تقدّمت بطلب 1.7 مليار دولار لخطة إغاثتها المقبلة في لبنان على أن تحصل الدولة منها على 450 مليون دولار، بعدما كان لكل منهما نداء منفصل. ويرى الاستشاري رمزي نعمان المكلّف من جانب رئاسة الحكومة إعداد الدراسات والخطط لملف النازحين أن أمام الدولة فرصة لبسط سيادتها على ملف النازخين، فتكون صاحبة الرأي في توجيه أسس الإغاثة والإيواء.
وأشار إلى أنه «لا مانع من أن تتولى المفوضية والجهات الشريكة مسألة صرف الأموال، ولكن على الدولة اللبنانية أن تقرر وتراقب أين وكيف تصرف هذه الأموال، لا سيما أن قضية النازحين باتت تشكّل أزمة قومية داهمة»، علماً أن هذا الدور منوط بأداء المسؤولين اللبنانيين المستقيلين من مسؤولياتهم حتى الساعة.
يؤمل من هذا النداء أن تتمكن الدولة اللبنانية من تنفيذ خططها التي من شأنها أن تدعم وزاراتها فترفع قدرتها على دعم النازحين، لا سيما أنّ الوزارات المعنية بالإغاثة كالتربية والصحة قد استنفدت طاقاتها «فاستهلكت المدارس إلى أقصى حدّ، وما عادت المستشفيات قادرة على استقبال لبنانيين» وفق نعمان. بينما تلفت المسؤولة الإعلامية في المفوضية دانا سليمان أن الخطوة من شأنها توحيد الأولويات وإيجاد أطر تكاملية للعمل بين الوزارات والمنظمات الشريكة.
وتوضح أن النداء الخامس والأخير الذي أطلقته المفوضية والدولة اللبنانية يشمل للمرة الأولى المجتمعات اللبنانية المضيفة، ويمكن لحظ خطط لإنعاشها سواء عبر إنشاء مرافق حيوية أو عبر تأسيس مشاريع صغيرة يمكن لتلك المجتمعات الإفادة منها. «فاللبناني في وادي خالد هو اليوم أفقر من السوري النازح إلى وادي خالد الذي يتلقى المساعدات وبدلات الإيواء»، يقول نعمان.
ويخطط النداء إلى ما هو أبعد من إعانة المجتمعات المضيفة أي استخدام اليد العاملة السورية بطريقة مدروسة في تنفيذ الخطط الإنمائية التي وضعتها الحكومات المتعاقبة كاستصلاح الأراضي وغيرها من المشاريع «فتكون مناسبة لاستخدام يد عاملة غير متوفرة في الأيام العادية ولإيجاد مصادر مالية لها».
لا قرار بالمخيمات
يتحدث نعمان وسليمان عن مليون و200 ألف لبناني متأثر بالأزمة السورية سيشملهم النداء، وسيشمل إغاثة مليون سوري، وهو الرقم الذي تتوقع المفوضية أن يصل إليه عدد النازحين السوريين المسجلين لديها حتى نهاية العام. تلفت سليمان بهذا الخصوص، إلى أن مكاتبهم تستقبل أسبوعياً ما يقارب 15 ألف نازح.
حتى الساعة لا جواب واضحاً عمّا يمكن أن تفعله المفوضية والحكومة اللبنانية في حال زاد العدد عن المليون نهاية العام، لا سيّما أن الأرقام كانت دائماً تسبق التوقعات؟ وماذا يمكن أن تفعلا في حال لم تتم الاستجابة للنداء خصوصاً أن ما حصلت عليه المفوضية بعد شهر على إطلاقه لا يزيد عن نسبة 15 في المئة من مجمل المبلغ المطلوب؟
ولا تخفي سليمان أن مشاكل ومصاعب كثيرة تواجه عملهم وأهمها عدم القدرة على تغطية كل الحاجات لا سيما في ما خصّ الإيواء والمياه والصرف الصحي. ناهيك عن المشاكل المتأتية عن نشوء المخيمات العشوائية التي تكثر فيها الأمراض والأوبئة، والتي تتطلب رعاية صحية خاصة.
ويرى نعمان أن على الدولة اللبنانية أن تحسم أمرها إزاء إنشاء المخيمات الشرعية وإيجاد حلّ للمخيمات العشوائية. ويسأل: « إذا فاضت المياه على الخيم العشوائية في فصل الشتاء، هل نترك النازحين من دون إغاثة أم ننقلهم إلى مراكز أكثر ملاءمة لإقامتهم؟ وحين ننقلهم إلى مراكز جماعية كحل للمخيم العشوائي غير القابل للسكن الا نكون قد أقمنا تجمعاً شرعياً للنازحين؟ وإذا كان هذا هو الحل فلماذا لم ننشئ مخيماً ملائماً منذ زمن؟
حتى الساعة لا حديث عن إنشاء مخيمات، أو بالأحرى تختفي أسماء ووجوه كثيرة خلف هذا الاقتراح مخافة من أن يُسمى عليها. علماً أن المفوضية وكجزء من خطة الطوارئ كانت قد اتفقت مع وزارة الشؤون الاجتماعية على إنشاء مراكز استقبال مؤقتة في حال النزوح الشديد، لم تبصر النور بسبب معوقات لوجيستية، كما أشارت سليمان. في حين تؤكد مصادر وزارية أنه تم الاتفاق على إنشاء مخيمين في منطقتين مختلفتين، محت فكرتهما اتصالات مكثفة لأطراف سياسية معنية، ما يعني أنه حتى الآن لا قرار بإنشاء مخيمات للنازحين السوريين.
إلى هذا، ما زالت أصوات المسؤولين اللبنانيين تعلو في المحافل الدولية وأمام كل ضيف أجنبي مطالبة بضرورة تحــــمل الأعباء المادية والـــــعددية إلى جانب لبـــــنان، لكن حتى الساعة لم تتم الاستجابة لنداءاتهم، فلا التمويل وصل ولا فتحت السفارات أبوابها أمام طالبي السفر أو الهجرة.
ويقال إنه على هامش اجتماع جنيف الأخير حذّر مسؤول لبناني ممثلي بعض الدول من أن تفتح أبوابها لطائفة دون أخرى أو حصر استقبالهم لأصحاب الكفاءات من السوريين. في جميع الأحوال، يعلّق نعمان، هجرة أو سفر أو لجوء عشرة أو عشرين أو ثلاثين ألف نازح سوري لن تخفف أعباء النزوح، لا سيما أن أعداد الذين باتوا خارج ديارهم يناهزون الأربعة ملايين ونصف.
بالنسبة لبعض الفاعلين، فالتفكير بالإغاثة على المدى القصير ليس خطأ، فبرأيهم سايكس وبيكو يزوران المنطقة من جـــديد وقبل أن ينهيا عملهما لا جدوى من وضع الخطط!