أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

رمضان بيروت.. ورمضان القرية

السبت 20 تموز , 2013 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,305 زائر

رمضان بيروت.. ورمضان القرية

يستيقظ صباحاً ليتوجه إلى عمله. يملأ الركوة بالماء. يشعل النار تحتها. يذهب ليغسل وجهه فتقع عيناه على صحن التمر. يتذكر: "نحن برمضان!". يعود ويطفئ نار قهوته غير المكتملة.

يأتي شهر رمضان ويصطحب معه نظام يومياتنا المعتادة. تنقلب ساعات النوم وأوقات الزيارات ومواعيد تناول الطعام، وحتى زحمة السير. في بيروت، ينشغل الناس بأعمالهم وقضاء حاجاتهم. يمضي علي (26 سنة) شهر الصيام وحده في بيروت، نظرا لعمله في أحد المستشفيات. يتشارك وزملاءه المائدة، إذا ما صادف دوامه موعد الإفطار. أما حين يكون إفطاره في المنزل، فيعد طعامه بنفسه، وذلك ليس بالمهمة السهلة: "يحتاج التحضير وقتا وجهدا لا أشعر بهما إلا بعد يوم شاق من العمل". تدخل المنزل المقفر. لا رائحة طعام شهي تدعوك. ينقص إفطاره نكهة الأم. يحضّر علي طعامه بما تيسّر. يتناوله كأنه يؤدي واجباً. أفراد أسرته في الجنوب، وسيتسنى له في عطلة نهاية الأسبوع مشاركتهم الطعام، فقط.

لا يحلو رمضان لعلي إلا بـ"جمعة العيلة". لا يشعر بتعب الصيام كما في بيروت. يسأل أمه عن حاجيّاتها لإعداد الإفطار. يقطف من أرضهم التي زرعوها، ما يكفي من البقلة والبقدونس لصحن الفتوش. يحضر لوازم السفرة مع إخوته. يسكبون شراب الجلاب في الأكواب ويوزعون حبات التمر بانتظار رفع أذان المغرب إيذانا بالإفطار.

بعد الإفطار يلتقي عليه وعائلته بأقاربهم والأصدقاء في الجامع. يستمتعون بـ"كزدورة" في الضيعة لا تنتهي إلا بعد انتصاف الليل. تعجّ القرى في ذلك الوقت بأهلها والمصطافين. يقلب رمضان الليل نهاراً. تفتح المحال أبوابها ليلاً، خاصة المقاهي والأفران. المنقوشة ثابتة، وإن تغير موعدها من "الترويقة" إلى السحور.

وللسحور تحديدا تقاليده في الضيعة، ومنها أن يجول الشباب في شوارعها، ينادون من يعرفونه باسمه، أما من يجهلون هويته فيدعونه إلى الاستيقاظ بالنداء المعروف: "يا نايم وحِّد الدايم".

رحمة عبود (20 سنة) لا يعنيها الاستيقاظ على السحور. يبدأ نهارها باكرا ويستمر إلى ما قبل المغيب بساعة واحدة. تعود إلى بيت الطالبات الخالي من زميلاتها اللواتي عدن إلى قراهن صيفاً. تطلب الـ"ديليفري". تعد قليلا من المقبلات الخفيفة التي لا تكلف جهداً. تسكت جوع معدتها. تقصد المسجد للدعاء، تشاهد بعضاً من المسلسلات الرمضانية قبل أن تنام باكرا.

تشتاق رحمة لعائلتها في الجنوب. مرّ أسبوعان من الانقطاع عنهم إلا هاتفيا. يفقد رمضان جو الألفة بعيدا عن العائلة. تجده صعباً ورتيباً. تحن إلى "الرمضنة الجنوبية". سفرة الإفطار على مد عينك والنظر. تنادي الصائم بمأكولاتها الشهية: "منظرها بيفتح النفس". ولا تحلو السهرة إلا عند بيت الجد أو العمة أو الخال.

تردد هدى (21 سنة): "صعب رمضان بلا ماما". تفكر في نوع الطعام الواجب إعداده. تحسب أن يتناسب مع ذوق أخيها أيضاً. يتشاوران ليتفقا على صنف مشترك. تنزل إلى السوق. حرارة الطقس مرتفعة. زحمة الناس في سوق الخضار. تتبعثر الحاجيات في أماكن مشتتة. تبحث عنها. لا احتمال لعدم العثور على أحد المكونات، حتى لو اضطرت إلى قصد سوبرماركت أبعد. لا تنسى أن عليها ألا تتجاوز المصروف المحدد. بديهيا، يزداد المصروف عندما تنفصل العائلة بين القرية والمدينة. يضاف إليه ارتفاع الأسعار في الشهر الكريم. تعود هدى إلى المنزل. تحضر الطعام كقصاص لها. هنالك "رهجة" لا تجدها في المنزل الموحش. تكسر صيامها وأخيها بما طهته. لا يستمتعان بالطعام. يسطو النعاس باكرا عليها نتيجة الملل.

في القرية، يبدأ النهار في العاشرة صباحاً. تنهض بهمة ونشاط. الحر ليس قاسياً، والجو أليف. تنشغل هدى مع أمها وأخواتها في إعداد الإفطار. تعلمت كيف تصنع بعض الحلويات. تستأنس بقضاء الوقت في المطبخ معها. تجزم بأنها لم تكن لتعرف هذه الأصناف أثناء إقامتها في بيروت. يتسمرون حول المائدة، يجتمعون ويستعيدون ذكريات عاشوها. رمضان والعائلة ثنائي يعيد روابط الأسرة أكثر من الأيام العادية. تمر أيام عادية من دون اجتماع العائلة على سفرة الغداء أو العشاء. في رمضان، يدفعك كل شيء لمشاركة الأسرة حميمية الإفطار.

 

(*) من رواية "ألبوم الخسارة" لعباس بيضون


Script executed in 0.17743015289307