أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

البحث عن مدفع رمضان

الإثنين 22 تموز , 2013 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,864 زائر

البحث عن مدفع رمضان

 وهذه ليست مبالغة. سيتوقف كل بضعة أمتار ليسلّم على شاب أربعيني بشعر ولحية فوضويين لوّثت ملابسه بقع شحم الميكانيك، أو ليحادث جاراً من رفاق العمر أصرّ على إيقافه لسؤاله عن صحّته، أو ليرمي السلام على بائع الحلويات الجالس على كرسي خشبي قرب دكانه ينتظر رزق الموسم. 

وأبو أحمد لم يعد نشيطاً كالسابق بعدما أصابه «الخبيث» في ظهره. لكنه، وعلى الرغم من ذلك، يحب المشوار إلى تلة الخياط. فهناك فقط تُردُّ إليه الروح.

يعرف أبو أحمد المنطقة جيداً. يعرفها أكثر من أي أحد. شكلها القديم ما زال مرسوماً في رأسه مثل خريطة ترفض أن تتغيّر. يغلق عينيه ليرى مشاهد بالأبيض والأسود كأنها فيلم من أرشيف. مشاهد من زمن آخر.  مشاهد من زمن الخمسينيات. يرى بيوتاً بطابق أرضي تتجمع في أحواش وتختبئ في كروم. وبين هذه الأحواش والكروم يأتي لشهر كامل في السنة ضيف عزيز على قاطني هذه المنطقة. ضيف اسمه مدفع رمضان.  

يرى أبو أحمد في ما يراه أيضاً شقيقه البكر سمير ممسكاً بيده ويسير به فوق رمول تلة الخياط ليشاهدا المدفع معاً. وهذا المشوار سيصير عرفاً عائلياً مع الوقت. يشب الطفل أنيس بعد بضع سنوات ليمسك بدوره يدي شقيقتيه باسمة وماجدة ويذهب بهما إلى الأرض نفسها التي أخذه سمير إليها. الأرض نفسها التي نصب الجيش فيها مدفعاً يطلق منه طلقة واحدة يومياًً كلما حان وقت الإفطار في شهر رمضان. وهذه البقعة يملك أبو أحمد إمكانية تحديدها بسهولة. بعد تقاطع «الأوبري» ودكان يوسف الآغا. وقبل أن نصل إلى مقهى أبو النور ومنزل آل الخياط نلتف يساراً من خلف منزل آل الأبيض فيصير المدفع أمامنا. طبعاً لم يبقَ من هذه الأسماء كلها إلا دكان الآغا الذي يزيد عمره على سبعين عاماً بعدما ورثه الحفيد عن والده وعن جدّه من قبله. قرب هذا الدكان شهد الجيران على يوسف الجدّ يضرب عسكرياً فرنسياً أفرط في السكر حتى صدم بالجيب ركناً من المحل. 

الطقس الرمضاني هذا لم يكن مقتصراً على أنيس الصغير وأشقائه فحسب. كان هذا المدفع محجةً لكل أبناء تلة الخياط والمناطق البيروتية الأخرى. يأتي الأطفال بالعشرات من الملا وعائشة بكار والزيدانية وكركون الدروز، وأحياناً من البسطة. يصلون قبل آذان المغرب، يقفون للناحية المسموح فيها، وينتظرون بحماسة. ينتظرون وينتظرون إلى أن يشير مندوب «دار الفتوى» مؤكداً اكتمال مغيب الشمس فيشعل العسكري فتيل المدفع الذي يحترق ببطء ثم.. بوم!

 

 

 

الأرض المسكونة والشياطين

 

 

 

يعلو صوت المدفع كزلزالٍ مدوٍ ويتراكض الأطفال مثل المجانين في كل اتجاه. كان الصوت الراعد يصل إلى الطريق الجديدة والمزرعة والباشورة. لم يكن هناك بنايات شاهقة تخنق الصوت وتحجب الضوء كما اليوم. من تلة الخياط يرى المرء بيروت كثباناً متدرّجة من الرمال وصولاً إلى بحر الرملة البيضاء. يقسم أنيس طرابلسي أيماناً مقدسة أن الجالس في كرم الأنسي في تلة الخياط كان يسمع صوت موج البحر يتكسّر على شاطئ بيروت.

وما إن يضرب المدفع ضربته الوحيدة حتى يعلو صوت آذان المغرب من مسجد الفاروق في الزيدانية ومن مسجد القصّار في عائشة بكار. كانت فوهة المدفع موجهة إلى «الشرقية» وليس إلى البحر، على ما تقول ذاكرة أبو أحمد، لسبب غير واضح. لكن القذيفة كانت «فشينك» أي صوتية لذلك فوجهة الفوهة كيفما كانت ليست مهمة. 

وتلّة الخياط لم تكن في شهر رمضان مدفعاً يأتي ويذهب فحسب، بل ركناً للعب الكلل في أرض آل بنات وللعب الـ«طرّة نقشة» في البركة التي لم تمتلئ يوماً بالمياه فوق الأرض «المسكونة» خلف منزلهم. ومع أن مشايخ معروفين «عملوا» على فك أسر هذه الأرض إلا أنهم لم يتمكنوا من طرد الشياطين منها. حتى الجارة العجوز التي تمارس السحر وكانت «مخاوية الجن»، تحدثهم ويحدثونها، لم تتمكن من فعل شيء. خمس حفارات تكسّرت فوق الأرض المسكونة ولم تتمكن عليها إلى أن فقد الحفّارون الأمل منها وغادروا. فظلّت على ما ظلّت عليه. أرض لا تأكلها الآلات الحديد وتنتصب شتلات القصب من فوقها تأكيداً على انتصار الشياطين على البشر ومعداتهم. 

تصير تلة الخياط أيضاً، بعد الإفطار، كوباً من الشاي الحلو ونارجيلة عجمية عامرة وقنينة «جلول» مثلجة في مقهى أبو النور الكوسا. كذلك نبرة مألوفة في صوت المسحراتي أبو رستم البيلاني الذي يوقظ أهالي المنطقة بأسمائهم قبل أن يدركهم الإمساك.  وقد ظلّ المدفع «يضرب» عن التلة حتى أوائل السبعينيات أو منتصفها. الأكيد أنه توقف قبل الحرب الأهلية التي صارت مدافعها تطلق قذائف حقيقية فوق رؤوس الناس. أما اليوم فلا مدفع يضرب في رمضان. يحسم أبو أحمد الأمر بشكل لا جدال فيه.

 

 

 

لقّم وأطلق النار

 

 

 

في مساحة رملية ليست بعيدة عن المكان الذي وقف أبو أحمد ينظر فيه بحنق إلى البناية الشاهقة التي ارتفعت فوق مدفعه القديم كانت حضيرة من عناصر «فوج المدفعية الأول» في الجيش اللبناني تتحضّر لإطلاق ضرب مدفعي من  مدفع أميركي من عيار «122 ملم». مدفع  كمثل الذي يستخدم في التشريفات عند استقبال ضيف أجنبي رفيع.

المساحة الرملية التي يوجد فيها مدفع الجيش تقع قرب مشروع «السمرلاند» ويلفها شريط شائك طويل جعلها منطقة عسكرية مؤقتة ممنوعة على المدنيين. وهذه المساحة ستظل «عسكرية» إلى حين انتهاء شهر رمضان. بعد ذلك تعود أرضاً بوراً.

صوت قراءات قرآنية يبعث على السكينة يعلو في فضاء منطقة الجناح. آذان المغرب بات قريباً. الشمس عند الواجهة البحرية تلفظ آخر أشعتها الرقيقة. تنتظر مجموعة من الشبان على الـــــدراجات النارية قرب الحاجز الوحــــيد للمســـاحة العسكرية. الحاجز لا يزيد على كابل كهــــربائي أبيض مجدول بعمودين. حضر الشبان لمشاهدة لحظة الإطــلاق. 

«لقِّم» يصرخ الرقيب أول، مسؤول حضيرة الرماية، بصوت عالٍ. والرقيب أول لطيف على الرغم من محاولته الظهور بمظهر القائد العسكري الصارم. يُدخل عسكري شاب حشوة نحاسية من شحم وبارود في فوهة المدفع. وعناصر الحضيرة كلّها، باستثناء الرامي الشاب، يقفون بعيدين بضعة أمتار من المدفع، يتفرجون باهتمام إلى الرقيب أول الذي صبّ عينيه على الهاتف الخلوي في يده. جدول «دار الفتوى» لتوقيت الغروب يحفظه الرقيب أول في منبّه الخلوي. ولأن صوت المدفع يخرج من الخلف، على ما تخبرنا العلوم العسكرية، جرى توجيه فوهته إلى البحر.

 ليلة إعلان الصوم يطلق ثلاثاً. كذلك يفعل عند إعلان العيد. وفي رمضان يطلق طلقين واحداً عند الإفطار وآخر عند الإمساك. 

سكّر العسكري الشاب مغلاق المدفع بإحكام، قبض جيداً على حبل إطلاق النار، ووقف ينتظر أمر الإطلاق.

جمع الرقيب أول قبضته اليمنى ورفعها في الهواء. العسكري الشاب ما زال متأهباً. عيناه على يد الرقيب أول. ثانية. اثنتان. ثلاث. بضع ثوان.. يصرخ الرقيب أول بأعلى صوته: «نار!»، وفي اللحظة التي ينزل فيها قبضته يسحب العسكري الشاب الحبل بسرعة خاطفة ويعلو صوت انفجار البارود. 

لكنه صوت يظل محدوداً بكورنيش الجناح والرملة البيضاء لا أكثر. لن تسمعه مناطق أخرى. ولن يسمعه بشكل خاص أنيس طرابلسي في تلة الخياط. 

فما زال أنيس يبحث هناك من دون جدوى عن صوت مدفع ذهب ولن يعود. 


Script executed in 0.18685698509216