أولا: في الشكل كانت الرسالة قوية ومعبرة وخصوصا مشهد السيدات المشاركات في احتفال هيئة دعم المقاومة وقد بدا في اللقطات التلفزيونية لقاعات الاحتفال الموزعة في المناطق اللـبنانية ما يؤكد الصورة الحضـارية لحزب الله وحقـــيقة البيئة الحاضنة للمقاومة في لبنان بتواجد سيدات سافرات من منابت اجتماعية وثقافية متنوعة تعكس الطيف الوطني اللبناني بمعتقداته وتقاليده الاجتماعية ولكنها أصلا وأساسا تظهر حقيقة أن المقاومة ليست خيارا لفئة مغلقة متــشددة أو متطرفة بل إنها تعكس فكرا منفتحا وحدويا يشمل جميع فئات الشعب اللبناني وهذا مشهد تكرر في تاريخ نضالات حزب الله ويترسخ أكثر فأكثر ناسفا الصورة النمطية التي تعمل الرجعية العربية والحركة الصهيونية على نسجها منذ ثلاثين عاما لتشويه المقاومة وسمعتها ولمحاولة المطابقة بينها وبين صورة التكفير الإرهابي الذي تدعمه هاتان الجهتان ومعهما دول الحلف الاستعماري بقيادة الولايات المتحدة.
النسبة الكبيرة من السيدات اللاتي لا يرتدين الحجاب في قاعات الاحتفال هي رسالة قوية للغرب حول الطابع الوطني للمقاومة كخيار في لبنان وحول التسامح والانفتاح الاجتماعي عند حزب الله كسلوك وممارسة في علاقته بالناس.
ثانيا: اللغة الهادئة التي تحدث بها السيد نصرالله عن القرار ومفاعيله تعكس طمأنينة وثقة بالقوة والقدرة وبالتوازنات التي تتربع عليها المقاومة ضمن الواقع الاستراتيجي للمنطقة والتي بات واضحا ومحسوما ان القرارات المتلاحقة منذ عقود ضد المقاومة ومؤسساتها وأصدقائها في جميع أنحاء العالم لن تؤثر فيها لأن خيار المقاومة هو مشروع مبني على الإرادة والوعي والتضحيات وقد أخفقت جميع المحاولات الإستراتيجية الكبرى التي قادتها الولايات المتحدة منذ العام 2000 مستخدمة العقوبات والقرارات الدولية وتأليب واستخدام أطراف لبنانية محلية وتوظيف إمكانات وأدوات جميع الأنظمة الرجعية العربية بما في ذلك الحشد الكبير الذي قادته إدارة بوش خلال حرب تموز لسحق هذه المقاومة وكل ذلك لم يفلح في تغيير البيئة الإستراتيجية الجديدة التي تحكم واقع الشرق منذ التحرير الكبير في العام 2000 . لقد قدم السيد نصرالله بكلمـات بسيــطة ومباشرة الحقائق التي تعكس هذا المشـــهد وتعبر عنه وتوج عرضه بعبارته الشـــهيرة «هيدا القرار بلوا وشربوا ميتو» في إشارة إلى أن العقوبات الأوروبية التي قد تترتب على القــرار لن تخـــل في المعادلات ولن تنال من إرادة المقـاومة وقــوتها ولا من عزيمة جمهورها ومناصريها في جميع دول العالم.
ثالثا: كان السيد نصرالله مميزا جدا في خطابه خصوصا في محاكمته المنطقية للموقف الأوروبي وبلغة مباشرة موجهة إلى الرأي العام الأوروبي فقد برهن بداية على أن القرار لم يكن تعبيرا عن إرادة سيادية أوروبية بل هو ناتج الخضوع الكلي للمشيئة الأميركية الصهيونية المعلنة خلال سنوات متواصلة من التحركات والضغوط التي استهدفت الحكومات الأوروبية إلى أن أذعنت وهو ما يعني أن القرار لم يصدر تعبيرا عن مصالح أوروبية مباشرة أو غير مباشرة بل خدمة لمصالح إسرائيلية مباشرة ومعلنة وهذا أمر مهم في التحدث إلى الرأي العام الأوروبي الذي خاطبه السيد بمعاينة القرار من زاوية القيم والمبادئ والأخلاقيات التي يتمسك بها الأوروبيون وتخونها الحكومات من خلال استهداف حركة مقاومة تناضل ضد قوة معتدية وفقا لما تعترف به الأدبيات الأوروبية والسؤال الذي توجه به السيد نصرالله بالمنطق والهدوء نفسيهما شكل ضربة ذكية موفقة عندما قال ان كان الاتحاد الأوروبي قد أدان بناء المستعمرات وحركة الاستيطان في فلسطين وهو يدرس اتخاذ عقوبات ضد المستعمرات ومنتجاتها وان كان يعترف بان جيش الاحتلال الإسرائيلي يغتصب الأرض والحقوق الفلسطينية فقد كان الأولى بحكومات الاتحاد أن تدرج الجيش الإسرائيلي على لائحة الإرهاب.
خطاب السيد نصرالله يشكل تأســيسا لعمل إعلامي سياسي في مواجهة القرار الأوروبـــي ويحتاج إلى متابعة وبناء في سجال يجـــب أن يستمر على الرغم من إمعان الحكومـــات الأوروبية في إتباع نهج سياسي عدائي فرضته الإملاءات الأميركية والصهيونية وعلى الرغم من كـــون الأوهام العربية المتراكمة عن الحياد الأوروبي أو التمايز اتجاه السياسات الأميركية والإسرائيلية قد سقطت من زمن بعيد من خلال ظهور الحكومات الأوروبية أقرب إلى أجهزة في مستعمرات أميركية ولكن الشغل المثمر على قطاعات الرأي العام والرهان على استمالة بعضها إلى فكرة مشروعية المقاومـة كـانت وما تزال وستبقى غاية مشروعة ومؤثرة في توازن القوى وهذا ما يراهن عليه قائد المقاومة اللبنانية.