في أقفاص تمنعها من القفز ولو قليلاً، عند الطابق الأخير من المبنى المتصدّع التائه بين الأحياء العشوائية، تعيش ثلة من الديوك كي تموت: الرجل الخمسيني يعمل على تغذيتها وتدريبها، إلى حين حلول موعد المراهنة على بطشها، في حلبة المصارعة.
الرجل ملتزم دينياً، وفق ما يقول، ولذلك ربما يشدد على تأكيد فكرة:
«تربية الديوك كي تقاتل بعضها بعضاً، ليست حراماً في الدين، لأن الديك يُولد وتولد معه غريزة القتل، مثل الأسد الذي يصطاد الأرانب».
لعبة المراهنة على الديوك، ذائعة الصيت في ألمانيا وتركيا ودول أميركا اللاتينية. هناك، يراهن «الدييك»، وهو لقب بالعامّية يُطلق على مربّي الديوك، بآلاف الدولارات.
لكن في لبنان، تهدف معظم المراهنات إلى ربح من نوع آخر: الإعلان وجذب الصيت الطيّب لمربّي الديوك، إذ حين يفوز ديكه يصبح ذا شهرة واسعة بين التجار، وتتدفق الاتصالات للمفاوضة على أسعار البيع.
ذات يوم، تلقى الرجل الملتزم دينياً، اتصالاً هاتفياً من دولة عربية، يطلب خلالها المتصل شراء ديك بثلاثة آلاف دولار. رفض «الدييك» العرض، لكن العرض بحد ذاته تحوّل منذ ذلك الحين إلى إعلان، فازداد ثمن الديك من ثلاثة آلاف دولار إلى خمسة آلاف.
يسخو مربّي الديوك على راحتها. الكهرباء لا تنقطع عن الحجرة الواسعة بأقفاصها الصلبة. الطعام مدروس: عظام دجاج مطحونة، بيض مسلوق، فول مدمّس. أما الأدوية المغذية فتوزّع في أوقاتها، مثلما تتنقل أواني المياه الصغيرة في مواعيدها.
وحين يبلغ الديك من العمر سبعة أشهر، ينتقل من حياة هادئة إلى حياة عملية: تمرينات لتنمية العضلات، وتدريبات يحاول «الدييك» من خلالها، عبر عين خبيرة بالقتال والنزال، اختيار «الفنّان» الماهر، الشجاع، المقدام.
تدوم مدة التمرين نحو عشر دقائق، ثم تتضاعف يوماً تلو يوم إلى خمسين دقيقة. القتال اليافع تدور أحداثه بين الأقرباء. حرب أهلية ودّية: ديك يصارع شقيقه، باستغراب، وآخر ينازل زميله في الحجرة، بالاستغراب ذاته.
لكن ذلك لا يستمر طويلاً: تتلاشى علامات الارتباك والاستغراب مع مرور الأيام، بفضل «الدييك» الذي يدأب على تخويفها من بعضها البعض، فيغدو النزال محبباً وتلقائياً وشرساً، ويرتاح الرجل الملتزم دينياً. «لحظات القتال هذه، تحدد لي بطلي»، يقول مزهواً.
مباريات طائفية
يكبر الديك ويشتد عوده. في الصيف يرتاح من القتال. الحرّ يفتّت الريش، يتعبها ويبدّلها، والديك لا يحب النزال في أوقات القيظ. يستريح حتى مجيء الخريف.
مع ذلك، لا مفرّ: يلاحق الموت الديوك التي وُلدت لتذبح بلا قتال، سواء في فصل الصيف أم في الشتاء وما بينهما. مالكها يبيع منها نحو أربعمئة كل عام، منها ديوك تُذبح في لبنان، وهي قليلة، ومنها التي تُصدّر إلى الخارج، كي تُذبح وتؤكل، أو تقاتل وتتعب قبل موتها.
يأتي الخريف. الديوك جاهزة في أقفاصها، مستعدة للسفر هنا وهناك. في رسغ الديك ظفر حاد مثل السكين، يعتني المربّي بتقليمه.
قبل أشهر، شهدت منطقة بعلبك البطولة الأخيرة لمصارعة الديوك، «هواية الملوك» كما يسميها لاعبوها، وشارك فيها «أبطال» من جبيل والضاحية والجنوب، والجبل وبيروت.
كانت الديوك حائرة، لا تعرف أن اللعبة طائفية. «أبطال» الضاحية وبعلبك والجنوب اتحدوا ضد «أبطال» المناطق الباقية، وربحوا ثلاث عشرة مباراة، بينما ماتت الديوك الخاسرة، ومنها من نجا: الديك الذي يصرخ ويهرب من الخصم، وفق قانون لعبة الملوك، يخسر المباراة.
والديك الذي يتلقى ضربة قاضية فيقع أرضاً، يمنحه الحكم مدة دقيقة ليعاود الوقوف. إذا تمكن من النهوض، يستكمل المصارعة، التي تراوح مدتها بين عشرين دقيقة والساعة ونصف الساعة. ثمة ديوك تلوذ بالفرار من الدقائق الأولى، ما إن تحدّق بعينيّ خصمها.
المراهنون على حياة الديوك يتحلقون حول الحلبة. صراخ وصياح. منهم من يحدّث الديوك كما لو أنها تسمع وتفهم وتتكلم. إيماءات هنا وقفز هناك. إرشادات وتوجيهات. صراخ. عبوس، وضحك. يضحك المراهن حين يفوز الديك. ويعود إلى المنزل مسروراً. يقول المراهنون إن «لعبة الملوك» تمنحهم قوة خفية، ولذيذة: «تشعر كأنك قائد مسؤول عن تدريب الديوك وتغذيتها، كي تكبر وتقاتل وتجلب إليك صيتاً مدوياً. ينبغي أن تكون ذكياً ومحنكاً، فاختيار الديك القوي ليس بالأمر السهل».
في أقفاص تمنعها من القفز ولو قليلاً، عند الطابق الأخير من المبنى المتصدّع التائه بين الأحياء العشوائية، تعيش ثلة من الديوك كي تموت.