صحيح أن الكلمة هي أضعف الإيمان في زمن التكفير السياسي للجيش، إلا أن أكوام التصريحات والبيانات المعلّبة لا تعفي أصحابها من مسؤولية بذل جهد حقيقي لدعم المؤسسة العسكرية فعلا لا قولا، ومن واجب تأمين التغطية الفعلية لها في زمن الأزمات بدل اللعب على الحبال وممارسة الازدواجية النافرة التي كثيرا ما تحاول الجمع بين الجيش ومستهدفيه في كفة واحدة، بذرائع مختلفة.
ولعل أكبر خدمة تسديها الطبقة السياسية للجيش تكمن في أن تخفف عنه عبء الفراغ الذي صنعته يداها، وأثقل كاهل المؤسسة العسكرية بأعباء كبرى على امتداد مساحة الوطن، حيث وجدت نفسها تواجه في وقت واحد الإرهاب المتنقل والحروب الأهلية الصغيرة والحدود المكشوفة إلى جانب مهام أخرى هي من اختصاص قوى الأمن الداخلي.
وإذا كان بعض رموز السلطة قد افترض أنه قدّم للجيش في عيده هدية ثمينة عبر التمديد لقائده العماد جان قهوجي ورئيس الأركان اللواء وليد سلمان، لمدة سنتين بقرار إداري، إلا أنه يقتضي في هذه الحال التصويب ووضع الأمر في نصابه الصحيح، ذلك أن «ريع» التمديد يعود في جزء منه إلى السلطة نفسها، كونه يخفف عنها بعض أضرار الفراغ الذي تسببت به، حين قادت سياساتها وأخطاءها إلى تفريغ الدولة من محتواها عبر تعطيل السلطة التشريعية تحت وطأة صراع الصلاحيات، وشل السلطة التنفيذية العالقة بين حكومة تصريف أعمال وحكومة ممنوعة من الصرف وإدارة تشكو في أغلبيتها من الشواغر.
بهذا المعنى، جاء قرار التمديد لقهوجي وسلمان ليكون بمثابة «كفّارة» السلطة عن قليل من ذنوبها الكثيرة التي أنتجت في مجموعها الإجمالي أزمة وطنية، يحاول الجيش أن يحد من آثارها وتداعياتها على الداخل اللبناني المتشابك مع محيط إقليمي ملتهب.
وهكذا، بات الجيش يقاتل على جبهات عدة، في وقت واحد، بعدما انفلشت الأزمة بأبعادها الإقليمية على نطاق واسع، حتى باتت تهدد بإشعال حريق مذهبي يأكل الأخضر واليابس، في زمن تبدل الأولويات... وحتى «الأعداء».
لم يكن سهلا أن يغوص الجيش ـ المعد لحماية الحدود ـ في الزواريب والأزقة، كما حصل في طرابلس، منذ أربع سنوات ونيف، حيث بذل الدم والجهد لمنع تمدد الفتنة المذهبية والفصل بين أبناء مناطق وأحياء متجاورة، علما أن هناك أمكنة في عاصمة الشمال،
لم تستطع الآليات العسكرية التحرك فيها، لان الأزقة الضيقة لا تتسع لجنباتها. لكن الجيش، لم ينكفئ. البعض كان يحرضه على الحسم في أحياء مكتظة بالسكان، والبعض الآخر كان يهول عليه لدفعه إلى التراجع أمام المسلحين، فاختار ألا يخضع إلى هذا أو ذاك، وقرر أن يمزج بين الحكمة والحزم، عابرا حقول الألغام السياسية والمذهبية والإقليمية بأقل الخسائر الممكنة.
في عبرا، كانت المواجهة من نوع مختلف. لم ينتظر الجيش القرار السياسي ليحرر كرامته وهيبته من قبضة أحمد الأسير الذي ارتكب خطيئة العمر بالاعتداء على العسكريين. صحيح أن الرئيس سعد الحريري منح خلال اتصال هاتفي مع العماد قهوجي غطاء سنيا (وربما سعوديا) للجيش كي ينهي ظاهرة الأسير، لكن الصحيح أيضا أن الجيش لم يكن يملك أصلا سوى خيار واحد وهو القضاء على هذه الظاهرة بما تيسر من الغطاء، لأنه وجد نفسه أمام اختبار مصيري، وربما وجودي، ذلك أن الهيبة إذا فُقدت انتهى الجيش، أي جيش، ولو كان جرّارا.
نجحت المؤسسة العسكرية في الاختبار مرة أخرى، وأثبتت متانة نسيجها الذي لم يتأثر بكل أشكال التعبئة والتحريض التي مورست من جهات كانت تستخدم الأسير أو تراهن عليه، قبل أن تعود بعض تلك الجهات إلى استدراك موقفها وتصحيحه، بدليل عدم دعوة لجنة الدفاع الوطني إلى «الجلسة الموعودة»، وبدليل التكريم ـ الإفطار المقرر بعد غد السبت في «البيال»، بعدما كان يراد للمؤسسة العسكرية وقيادتها أن تحاكم... وتدان.
والأهم في ما شهدته عبرا أنه انطوى على رسالة من الجيش لمن يهمه الأمر بأن الاعتداء السافر عليه، لا يمكن أن يمر مرور الكرام، وما حصل في عبرا وقبله في مخيم نهر البارد يجب أن يشكّل عبرة. وإذا كان الجيش قد عضَّ على جرحه في عرسال الواقعة على خط التماس مع الأزمة السورية، لحسابات تتصل به، فإن من يظن أن هذا الاستثناء قابل للتعميم حتى يصبح قاعدة، هو مخطئ كما يؤكد العارفون. ويروى، في هذا الإطار، أن مرجعا سياسيا كبيرا نصح أحد رموز السلفيين في الشمال بأن يتعظ من تجربة الأسير الذي استطاع أن يشكل قلقا وإحراجا لخصومه عبر خطاباته ومواقفه، «لكن عندما لجأ إلى استخدام السلاح ارتكب الخطأ المميت وفقد حتى الحصانة المذهبية، فجرى ضربه وشطبه من المعادلة، وهذا هو مصير كل من يكرر فعلته».
من الواضح أن تداعيات المواجهة المحتدمة في سوريا تمثل تحديا كبيرا للجيش، بعدما تحولت الساحة اللبنانية إلى «جبهة خلفية» تؤثر وتتأثر بما يجري وراء الحدود. وإذا كان اتساع هذه الحدود، وتواضع قدرات المؤسسة العسكرية يحولان دون ضبط ممراتها وما يُهرّب عبرها من سلاح ومسلحين ذهابا وإيابا، في ظل انقسام داخلي محموم يزيد الوضع تعقيدا، إلا أن عيون الجيش ومخابراته تبدو مفتوحة على وسعها في الداخل، للحد قدر الإمكان من الاختراقات الأمنية، مع وجود أكثر من مليون ومئتي ألف نازح من سوريا في لبنان.
والى ذلك كله، يحرص الجيش على البقاء يقظا وحاضرا بجهوزيته المطلوبة على الحدود الجنوبية، حيث الخطر الإسرائيلي يستمر قائما، ويستدعي حشد كل الطاقات لمواجهته، بدل بعثرتها وتشتيتها، خاصة بعد صدور القرار الأوروبي بوضع «حزب الله» على اللائحة السوداء، وبروز معطيات تستدعي من الجيش والمقاومة البقاء في حالة جهوزية عالية.
والمفارقة الموجعة أن الجيش يواجه جميع هذه التحديات بإمكانيات متواضعة، وسط «التقنين» الدولي في تسليحه، تعبيرا عن الاعتراض على العقيدة القتالية للمؤسسة العسكرية التي لا تزال تعتبر إسرائيل عدوا، وهي عقيدة يترجمها الجيش على الأرض من خلال التصدي للخروق الإسرائيلية للسيادة اللبنانية كما حصل في معركة العديسة الشهيرة، ومن خلال التنسيق المتواصل مع المقاومة.
ويسجّل للجيش أنه لم يخضع للضغوط التي مورست عليه منذ العام 2005، لحرفه عن عقيدته وتغيير تموضعه الإستراتيجي واستدراجه إلى الخصومة مع المقاومة التي تقدر للمؤسسة العسكرية التزامها بالثوابت الوطنية على الرغم من تحولات الداخل والمحيط. وعليه، لم يكن بمقدور قيادة «حزب الله» سوى أن تدعم التمديد لقهوجي، بعدما نشأت بينهما ثقة متبادلة، مع إدراك الحزب للآثار الجانبية المترتبة على العلاقة التحالفية مع العماد ميشــال عون.
ولئلا يتم تحميل الجيش أكثر مما يحتمل، لا بد من التأكيد بأن الاستقرار في لبنان هو على الدوام نتاج مظلة سياسية، تتشارك في نسج خيوطها إرادتان محلية وخارجية، وبالتالي فإن الدور الموضوعي للجيش يتمثل في حماية الاستقرار وربما المشاركة في صنعه، ولكنه ليس هو من يصنعه لوحده، ليس لتقصير أو قصور منه، بل لأن طبيعة لبنان، منذ الاستقلال حتى الآن، تجعل الاستقرار فيه وليد تلك المعادلة المركّبة.
وعملا بهذه القاعدة، يمكن القول إن الحد الأدنى المتاح من الاستقرار حاليا، ما كان ليتوافر، بمواكبة من الجيش، لولا وجود قرار أميركي بعدم تفجير الساحة اللبنانية حتى الآن، يوازيه قرار مماثل من «حزب الله» برفضه الانزلاق إلى الفتنة المذهبية. وقد استطاع الجيش أن يستثمر هذا التقاطع الداخلي ـ الخارجي لمنع استرسال البعض في المغامرات ولجم جموحه نحو ضرب آخر مقومات السلم الأهلي المترنّح.
لكن السؤال المطروح الآن: هل يمكن أن يتلاشى الاستقرار الهش في ظل القرار السعودي بالانتقام من «حزب الله» بعد انخراطه عسكريا في المعركة السورية وصولا إلى وضع «فيتو» على مشاركته في أي حكومة جديدة، وهل يمكن أن تذهب الرياض في مواجهتها مع «حزب الله» إلى حد التفريط بهذا الاستقرار، الذي كانت السعودية تاريخيا من رعاته؟
حتى الآن، تشي النصيحة السعودية ـ الحريرية لتمام سلام بالتريث وعدم الإقدام على أي دعسة ناقصة، بأن الاستقرار اللبناني ما زال مطلبا إقليميا دوليا.