أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

نزوح من عمر «النكبة» لا يبدد التصاق الجنوبي بأرضه

الثلاثاء 13 آب , 2013 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 7,582 زائر

نزوح من عمر «النكبة» لا يبدد التصاق الجنوبي بأرضه

كان مشهد الرابع عشر من آب، تاريخيا وأسطوريا بكل معنى الكلمة. بدأ سريان وقف الأعمال القتالية عند الثامنة صباحا، لكن كل الدروب المؤدية إلى الجنوب ومن كل رياح لبنان، شهدت مسيرات عودة تنطبق عليها كل مواصفات المغامرة. الإسرائيليون لم ينسحبوا بعد وأهل الجنوب يتحدون الخطر والألغام ويعودون الى قراهم وبلداتهم. 

مئات الآلاف استجابوا لنداء العودة حتى لو كان الثمن الاستشهاد. في ذلك اليوم تحديدا سقط مشروع تحويل الجنوب أرضا محروقة بلا أهله وساحة لقوات «يونيفيل» دولية معززة. في ذلك اليوم تكرست معادلة الجيش والشعب والمقاومة على أرض الحقيقة. 

 

يحفر النزوح في ذاكرة الجنوبيين قصصاً تكاد لا تنتهي، عمرها من عمر تمدد هذا الكيان الإسرائيلي الغاصب إلى فلسطين، ومن عمر ذاكرة تموز 2006 الطرية من خلال تهجير جماعي ممنهج لأكثر من مليون مواطن جنوبي. هي حكايات موسومة بالآلام والجراح والغربة القسرية داخل الوطن وعلى امتداده وصولا الى الجارة سوريا، والشعور باليتم المكرس في التجارب غير المنقطعة لغياب حضن الدولة، وإذ بها تتجدد نزفاً كلما حلت فوق رؤوسهم لعنة التهجير، جراء عدوان يحضّر لعدوان آخر محتمل. 

دأب العدو الإسرائيلي منذ العام 1948، على دفع أبناء القرى الأمامية الجنوبية، لمغادرة قراهم، مرة من خلال ارتكاب مجزرة أو مذبحة جماعية، وأخرى من خلال تدمير أو قصف منهجي وثالثة من اجتياح واحتلال لهذه المدينة أو تلك القرية، فضلاً عن اقتطاع مساحات من حقول زراعية، كانت تشكل العمود الفقري للحياة الاقتصادية الجنوبية. في مواجهة ذلك، لم ينقطع نضال سكان المناطق المهجرة ومقاومتهم على مختلف الصعد لتحقيق العودة المرجوة، منها ما استمر سنوات طويلة، ومنها أشهراً وربما أسابيع معدودة سرعان ما تنتهي مع انتهاء العدوان. 

جاء إلحاق العديد من القرى اللبنانية الجنوبية بفلسطين (نحو 23 قرية ومزرعة)، في التقسيم الاستعماري للمنطقة في العام 1923 وعملية ترسيم الحدود قبله، ليسجل في العام 1948 أول عملية تهجير جماعية للعائلات اللبنانية من القرى السبع (وهي: طير بيخا، هونين، النبي يوشع، صلحا، قدس، المالكية وإبل القمح) باتجاه المناطق الجنوبية الحدودية ثم نحو الداخل اللبناني. تهجير جماعي أراده العدو الإسرائيلي ان يبقى تحت مظلة التهجير الفسطيني العام في مقابل إصرار أبناء هذه القرى على أنهم لبنانيون ويحق لهم العودة إلى قراهم «اللبنانية» المقتطعة، وكان هذا الإصرار يقابل بجفاء السلطات اللبنانية المتعاقبة التي اعترفت بشكل خجول في تسعينيات القرن الماضي بأن أبناء هذه القرى هم لبنانيون. 

مجزرة حولا تهجّر أهلها 

في 28 تشرين الثاني من العام 1948، ترتكب عصابات «الهاغانا» المنضوية في الجيش الإسرائيلي مجزرة في بلدة حولا الحدودية، يذهب ضحيتها ما لا يقل عن 90 شهيداً من أهل البلدة التي لم يكن سكانها يزيدون في حينه عن 1500 نسمة، ما دفع بسكان هذه القرية إلى هجرة جماعية نحو الأحراج والحقول المجاورة لبلدتهم، ثم نحو العمق الجنوبي، فالعاصمة بيروت حيث حلّوا في العراء تحت أفياء حرج بيروت الصنوبري، ثم نقلوا إلى مخيم في ضبيه ليقيموا في بيوت من قصدير؛ وظلوا فيه نحو تسعة أشهر قبل عودتهم إلى بلدتهم. 

«يومها دمرت حولا تدميراً شاملاً، مع ما خلفته المذبحة الجماعية من مآس عميقة لم تزل محفورة في قلوب «الحوليين» حتى تاريخ اليوم نظراً لفظاعتها وهولها»، يقول الدكتور قيصر مصطفى (من حولا)، مشيرا الى محاضر ضبط «سجلها عناصر الدرك بحق من كان يجاهر في الإعلان عن المجزرة، ومنهم الشيخ علي سليمان، يوم وقف في جويا وشقرا وبئر السلاسل يطلب بصوت مرتفع إغاثة أبناء حولا، فسجل الدرك بحقه محضر إقلاق راحة». 

ترك التهجير أثره البالغ على أبناء حولا «كنا فلاحين وفقدنا أرضنا وأصبحنا سكان مخيمات، ننتظر أن تتصدق علينا الدولة بلقمة من هنا أو هناك. ويوم عدنا في ربيع العام 1949، عدنا إلى العراء، ليبني الأهالي بجهدهم الخاص بيوتاً تهدمت، وقد باع بعضهم أرضه الزراعية ليبني بيتاً يستر عائلته، إذ أن الدولة لم تعوض بقرش واحد وأبناء القرية فقراء بمجملهم، وبقينا نتعلم في الكتاب حتى بنينا مدرسة من غرفتين في العام 1952» يقول أحد المدرسين من أبناء البلدة. 

لم تكن المجزرة في حولا هي الوحيدة التي دفعت بأبناء البلدة إلى النزوح أكثر من مرة، فلطالما عانت البلدة مثلها مثل بنت جبيل والخيام وعيناثا ومارون الراس والعديد من قرى العرقوب، التهجير والنزوح أكثر من مرة. 

الانتصارات تغير المعادلات 

تعرضت مدينة بنت جبيل ليلة رأس السنة من العام 1970 لقصف مدفعي بنحو ستين قذيفة من العيار الثقيل، كانت كفيلة بتهجير عدد كبير من أبناء المدينة، ثم توالت عمليات النزوح، وأبرزها تلك التي تلت مجزرة «سوق الخميس» وبلغت ذروتها في العام 1978، حينما احتلت إسرائيل المدينة مع قسم كبير من منطقة جنوب الليطاني. وكانت المدينة تشهد بعد كل تهجير قسري عودة متفرقة. ويقول الباحث د.مصطفى بزي ان «ما لمسه أبناء المدينة في عدوان تموز 2006، هو نيّة العدو في تحويل بنت جبيل إلى أرض محروقة، وقد صمدت المدينة بفضل مقاوميها وتشبث أهلها بأرضهم وبيوتهم. لكن أهم قرار اتخذ بعد حرب تموز هو قرار عودة النازحين إلى الجنوب، فقد كانت إسرائيل تراهن على ابتزاز الدولة اللبنانية من خلال رفض عودة النازحين، حتى تحقق المكاسب التي كانت تهدف إلى إخلاء المنطقة من السلاح والمقاومين. لقد انقلب السحر على الساحر وعاد سكان القرى منذ اليوم الأول لوقف إطلاق النار، وها أن الجنوب ينعم بأهله. وحده العامل الاقتصادي، يشكل عائقاً في عودة شاملة تعيد النبض إلى كل شرايين القرى والمدن الجنوبية». 

يتذكر جميل ابن بلدة عيناثا الهجرة الأولى في نهاية الستينيات يوم حمل الرجال والنساء أطفالهم مع ساعات الفجر وتدحرجوا على طول الدروب المؤدية الى حقول الزيتون في كونين. في الهجرة الثانية في مطلع السبعينيات، أقلته وعائلته سيارة الى بلدة محرونة الجنوبية. في الهجرة الثالثة، في العام 1977، وكان الاجتياح (في العام التالي) مرتقبا، وصلوا الى العباسية. في الهجرة الرابعة في العام 1978، حطوا في الملعب البلدي في بيروت. استقروا هناك، قبل أن يعيدهم اجتياح العام 1982 من العاصمة الى الجنوب، وصمدوا هناك حتى حرب تموز، عندما عز على المسنين من أهله ترك القرية، فيما غادرها الآخرون، وما أن عادوا في اليوم الثالث والثلاثين، وجدوا أنفسهم أمام مجزرة ذهب ضحيتها الجد والجدة وعدد كبير من المسنين والنساء والأطفال الذين لم يتركوا بلدتهم. 

مع العودة التاريخية في آب 2006، ازدادت ثقة الجنوبيين بأرضهم وبذواتهم. ثقة استمدوها تدريجيا من المقاومة وتحرير الألفين، ولكنها أعطتهم بعد حرب الثلاثة وثلاثين يوما، فائضا من اثبات الوجود، فكان أن انطلق الجنوبيون انطلاقة جديدة «انتصارات المقاومة بدّلت المعادلة وقلبت المفاهيم والتوازنات، ولذلك نحن الآن نعيش مرحلة من الاستقرار والطمأنينة بعيداً عن الخوف والرعب، وها أن عدونا هو من يبني الجدران والتحصينات، بعدما كان يستبيح أرضنا ويدمر قرانا، بسبب أو من غير سبب، ومن دون رادع يردع، حتى أن حركة العمران امتدت إلى الأراضي التي كانت محرّمة على أهلها وأصحابها بسبب قربها من الحدود مع فلسطين المحتلة» يقول قيصر مصطفى. 

مجزرة الخيام 

كانت خديجة عكر واحدة من قلة شهدت مجزرة الخيام التي ارتكبها الاسرائيليون وعملاؤهم يوم 17 آذار 1978، ورأت بأم العين بعض تفاصيلها المؤلمة بحق العجزة والمسنين الذين بقوا فيها. تتذكر كيف دخل جنود العدو إلى ثكنة الخيام (التي تحوّلت إلى معتقل في فترة الاحتلال) في 14 آذار 1978 بعد قصف عنيف استمرّ يوماً وليلة كاملين، ما أدى إلى خروج مقاتلي «الحركة الوطنية اللبنانية» و«الثورة الفلسطينية» من البلدة التي لم يبق فيها غير النساء والأطفال والمسنين. 

خرج الصامدون من الأهالي من بيوتهم ليجدوا المتعاملين مع إسرائيل يجوبون شوارع البلدة وأحياءها لإحصاء الموجودين فيها. «أتى الجنود وأخذوني مع ابني وجميع من كان في المنزل إلى مكان قريب من المدرسة وجمعونا هناك. كنا نحو عشرين شخصاً جمعونا من الحارة الشرقية. قتلوهم جميعاً، أما أنا فقد نجوت بسبب طفلي الذي كنت أحمله فوق يدي. وبينما كنت عائدة، نظرت خلفي، فرأيت من كنت معهم يسقطون الواحد تلو الآخر، لقد أعدموهم. أكثر من خمسين مسناً وعاجزاً اعدموا بدم بارد». 

هذا التهجير تكرر مرة ومرتين وثلاثاً، ومع كل عودة كان أبناء الخيام يعيدون بناء بلدتهم من جديد. بعد عدوان 2006، ساهمت الأموال العربية في اعادة اعمار الخيام وبنت جبيل وعيتا الشعب وعيناثا وعيترون ومركبا ومارون الراس، وساهمت المساعدات التي يتلقاها الجنوبيون سواء من مجلس الجنوب أو الهيئة العليا للإغاثة، برغم ما يشوبها من خلل وفوضى، في توفير أجواء العودة السريعة، ونفض الغبار عن كل ما تضرر، برغم ما يخلفه أي عدوان من جروح لا تندمل.


Script executed in 0.17527008056641