الاسم الذي اطلقه امين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله وصانع انتصار تموز الشهيد عماد مغنية، سيحتفل جمهور المقاومة بالانتصار الذي سُجل قبل سبع سنوات ، والذي بدأت تباشيره تخرج من شوك «خلة وردة». وقف الامين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله ، امام الاسرى العائدين في عملية التبادل التي جرت مع الجنديين الاسرائيليين اللذين اسرتهما المقاومة في منطقة مزارع شبعا ، والتي رفضت اسرائيل ان تشمل سمير القنطار، وامام ملصق كبير لصورة سيارة المقاومين التي تولت نقل الاسرى الاسرائيليين من داخل المزارع المحتلة التي حرّرها المقاومون طوال الدقائق المعدودة التي استغرقها تنفيذ العملية، وقال ملتفتا الى الملصق ليقول … «شوفو معي منيح .. هذا هو الخيار». بدأت المقاومة بالدراسة والتخطيط للعملية التي ستهز اسرائيل .. ومعها العالم، فكان ان عاش الاحتلال الاسرائيلي حالة الهاء اُعدّتها له المقاومة عبر محاور عدة ومنها محور مزارع شبعا ، فركز الاحتلال وجوده وتركيزه على هذه المنطقة التي رجح ان يختارها «حزب الله» لتكون ساحة لضربته الجديدة، .. لكنه اختار مكانا آخر لـ «الوجبة الدسمة» التي اختارتها المقاومة.. فكانت «خلة وردة» الحدودية الواقعة عند الطرف الجنوبي لبلدة عيتا الشعب ، بعد ان تمت عمليات مسح لخط الحدود على مدى اكثر من خمسة اشهر ، في عملية بحث مضنية عن هدف تكون نتائجه مبهرة عسكريا وامنيا، خاصة وان المقاومة تتعامل مع عدو يزعم ان اداته العسكرية تشكل منظومة لا يمكن قهرها بسهولة. بعد حال الاسترخاء و«الهدوء الكاذب» الذي استحضرته المقاومة ، انتظر «حزب الله» قرار قيادة اركان جيش الاحتلال بتخفيض حال التأهب في صفوف جنود الاحتلال المتمركزين على خط الجبهة مع لبنان ، حالة التأهب هذه كانت فُرضت على دوريات الاحتلال المؤللة التي كانت تجوب خط الحدود ، منذ عملية اسر الجنود الاسرائيليين في مزارع شبعا قبل سنوات ، حيث كان يُحظر على الاحتلال تسيير دوريات على الطريق المحاذية للمناطق اللبنانية ، لقد دخلت قوات الاحتلال في حال الاسترخاء العسكري .. وهي اللحظة التي تلائم المقاومة لتنفيذ ضربتها الموعودة.. للايفاء بالوعد الذي قطعه امين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله وبات يُردده انصاره وجمهوره «لن نترك اسرانا في المعتقلات الاسرائيلية».. فعادت الدوريات الاسرائيلية الى الظهور مجددا .. وباتت تحت مرمى نيران المقاومة ، بعد ان تحدثت التقارير الاستخباراتية لاسرائيلية عن ان المخاوف من عملية لـ «حزب الله» عبر خط الحدود لاسر جنود اسرائيليين قد زالت ، وعاش جنرالات الحرب الاسرائيليين اجواء هادئة ..الى ان استفاقوا على الصدمة الكبرى التي هزت كيانهم وحركت العالم لـ «نُصرة» اسرائيل.. لقد اصيبت قيادة اركان جيش الاحتلال الاسرائيلي بالرعب ، حين تأكدت ان «حزب الله» تمكن من الحصول على تقارير الاستخبارات الصهيونية التي اوعزت الى وحداتهم العسكرية العاملة على خط الحدود .. بالخروج من حالة التأهب التي كانت مفروضة قبل عملية «الوعد الصادق» عند الحدود مع بلدة عيتا الشعب، واستبعاد اية مخاوف من عمليات اسر لـ «حزب الله»، وشكل هذا الامر اللحظة القاتلة.. نعم قالها الاسرائيليون «ان حزب الله استطاع تحقيق اختراقات مرعبة داخل الجيش الاسرائيلي.. وهو حصل على اسرار عسكرية مصنفة «سري جدا». كانت اسرائيل تدرك جيدا ان «حزب الله» مُصر على اطلاق كافة الاسرى اللبنانيين ، وبالاخص سمير القنطار ، حتى انه ادرج اسماء معتقلين واسرى فلسطينيين بارزين ، امثال امين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين احمد سعدات. حين قال السيد نصرالله لسمير القنطار، الواقف الى جانبه خلال الاحتفال بتحريره «وينك.. عملنا الحرب منشانك»، كان يدرك ان القنطار بالنسبة لـ «حزب الله» لم يكن مناضلا ومقاوما يمتاز عن غيره من المقاومين الذين وقعوا في الاسر الاسرائيلي خلال المواجهات البطولية التي خاضتها المقاومة ، بل انه امتاز عنهم ، بانه تحول الى تحد في المفاوضات التي جرت بين «حزب الله» والعدو الاسرائيلي، من خلال وساطة المانية، ورأى «حزب الله» بانه مُلزم في العمل على اطلاقه .. التزاما بدوره المقاوم ، وتأكيدا على مصداقيته تجاه قضية الاسرى والشهداء الذين تم اسرهم في «معتقلات المقابر». الساعة الثانية وعشرون دقيقة من فجر يوم الثاني عشر من تموز عام 2006 ، تحركت المجموعات المكلفة اسر جنود دورية اسرائيلية ، لقد عرف المقاومون من هم الجنود الذين سيقعون في الاسر .. والسيارة عسكرية التي كانت تقلهم ، كمنت مجموعات المقاومة في الامكنة التي منها سينطلقون للانقضاض على الدورية ، عند اقتراب اقارب الساعة الى التاسعة صباحا ..سيارتان عسكريتان اسرائيليتان تعبران خط الحدود من «موقع الراهب» المطل على المنطقة ، وهو موقع اقيم على تل يشرف على بلدة عيتا الشعب ، وصلت سيارتا «الهمر» الاسرائيليتين الى المنطقة التي يطلق عليها اهالي بلدة عيتا الشعب «خلة وردة» ، والمعرّفة في الخرائط العسكرية الاسرائيلية بـ «النقطة 105»، فانقضت عليها ثلاث مجموعات للمقاومة ، تولت المجموعة الاولى اطلاق قذائف صاروخية من نوع ار بي جي باتجاه السيارة الثانية التي تتولى حماية السيارة الاولى ، وتم ابادة من بداخلها وهم ثلاثة جنود ، فيما تولت المجموعة الثانية اطلاق قذائف صاروخية باتجاه الجانب الايمن للسيارة التي تقل الجنديين الاسرائيليين اودي غولدفاسر والداد ريغيف ، في محاولة لاسرهما وهما احياء. في هذه الاثناء كانت مجموعة ثالثة تقوم بقصف «موقع الراهب» لشل حركته ومنعه من التدخل لاحباط عملية الاسر ، وعلى الفور اتجهت مجموعة من المقاومين نحو السيارة الاولى وقامت بنقل الجنديين بواسطة حمالتين الى داخل المناطق اللبنانية ، حيث استعانوا بعملية تمويه استخدمت فيها اكثر من سيارة مدنية.. بعد ان قام مقاومون باخفاء اي دليل يشير الى مصير الجنديين، بحرق كامل للسيارتين بمادة البنزين، وهو ما اربك اسرائيل طوال اكثر من عامين، وزاد من ارباكها خلال عملية التفاوض التي جرت بوساطة المانية، حينها دارت اسئلة لدى الاسرائيليين .. على ماذا نفاوض؟ على جنديين ما زالا على قيد الحياة.. ام على جثتين؟. لم تُزعج المقاومين المشاركين في عملية الوعد الصادق، ولو رصاصة واحدة من بنادق جنود الاحتلال ، لكن «ايدي المقاومين كانت مالحة» وفق ما عبر السيد نصرالله ممازحا ، وهو يشير، بعد اتمام عملية التبادل الى ان الاسيرين الاسرائيليين قتلا في ارض العملية، علما ان قيمتهما في التفاوض لم تتأثر بفضل اخفاء مصيرهما مدة سنتين واربعة ايام .. عشر دقائق .. هي المدة الزمنية التي استغرقتها عملية «الوعد الصادق» لتليها حرب واسعة شنتها اسرائيل على لبنان استمرت 33 يوما. بعد ساعات قليلة من عملية اسر الجنديين .. اعلن امين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله .. «الاسرى الاسرائيليين موجودين لدينا ، ولن يعودا الى الديار الا بوسيلة واحدة ، التفاوض غير المباشر .. والتبادل والسلام.. ما حدا في كل هذا الكون يردهم الى ديارهم الا بالتفاوض غير المباشر والتبادل». ورد رئيس حكومة العدو ايهودا اولمرت على نصرالله بالقول «نحن قلنا منذ البداية ، اننا لن نخضع لرسائل الابتزاز ، ولا نتفاوض مع ارهابيين على مصير جنود اسرائيليين ، هذا موقفنا في الماضي .. وهذا موقفنا اليوم». اندلعت الحرب.. وانتهت الحرب بانتصار المقاومة ، ولم يعد الجنديين ـ الجثتين الاسرائيليين الى الديار ..الا بالتفاوض غير المباشر والتبادل ، فيما غرقت اسرائيل بالهزيمة المدوية. الصفقة ــ الصفعة .. والثمن الباهظ «إسرائيل دفعت ثمناً باهظاً في صفقة تبادل الأسرى مع «حزب الله» اللبناني» .. هذا ما خلص اليه كبار المحللين العسكريين الاسرائيليين، وترجمته القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي التي نقلت مشاهد عن بكائية لعائلتي الجنديين الأسيرين لدى «حزب الله» الداد ريقف واودي غولدفاسر « بعد أن كشف القيادي في الحزب وفيق صفا الذي كُلف بملف التفاوض عبر وسيط الماني، في آخر لحظة من لحظات اتمام الصفقة ــــ الصفعة، المستور.. حول مصير الجنديين الاسرائيليين.. حيث فوجىء مندوبو اللجنة الدولية للصليب الاحمر بكشف تابوتين اسودين امامهم،.. في تلك اللحظة شعر الاسرائيليون انهم «اكلوا الضرب». بعد عملية التبادل التي جرت في العام 2008، التي اطلق عليها حزب الله اسم «عملية الرضوان» قال صفا ان اسرائيل حاولت الحصول على اي معلومة تساعدها في معرفة مصير الاسيرين، لكنها عجزت، فيما الوسيط الاممي ابتدع ان تتم العملية بمرحلتها الاولى بكشف مصير الجنديين الاسرائيليين، واشترط «حزب الله» ان يكون لهذا ثمن انساني يكون باطلاق سراح سمير القنطار ومروان البرغوثي، رفض الاسرائيلي وتم تجاوز هذا الابتداع، والذهاب الى رزمة واحدة وكاملة للتبادل.ويشير صفا الى ان وضع اسماء اسرى فلسطينيين جاء كرمزية، لان حزب الله كان سيُدرج اسماء اسرى فلسطينيين لهم وضع خاص، بينهم اطفال ونساء ومرضى وكبار السن. لكن اسرائيل لم تكن ترغب في ان يكون لـ «حزب الله» دور داخل فلسطين.. هو امر يرعب الكيان الاسرائيلي. منذ اللحظة الاولى لعملية «ألوعد الصادق»، خطط «حزب الله» لحفظ «سر الاسرار» المتعلق بمصير الجنديين الاسرائيليين الداد ريغيف واودي غولدفاسر اللذين اسرا في العملية، لضمان نجاح اتمام صفقة التبادل، بما يضمن افضل الشروط والنتائج، وهذا ما تحقق.. لقد احتفل اللبنانيون في «يوم وطني» بعودة الاسرى اللبنانيين ورفات 190 شهيداً لبنانيا وفلسطينيا وعربيا ، فيما كان هناك من يقول في داخل الكيان الاسرائيلي «لبنان البلد الصغير الذي لا يكاد يظهر على الخارطة الجغرافية، و«حزب الله» كمنظمة صغيرة تتألف من عدة آلاف من المقاتلين تمكنت من تمريغ انف إسرائيل وإجبارها على دفع ثمن حماقة اجهزتها الامنية.. يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، تارة ملهاة وتارة مأساة، وحين انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان في ايار عام 2000، أبقت على الأسرى اللبنانيين في سجونها ما حدا بـ«حزب الله» لتنفيذ عملية اسر للعقيد الاسرائيلي الحنان تننباوم، وإجبار إسرائيل على تنفيذ عملية تبادل اسرى عام 2003، ولكن إسرائيل مرة أخرى رفضت الإفراج عن سمير قنطار ورفاقه في هذه الصفقة فقرر «حزب الله» تنفيذ عملية اسر لجنديين عام 2006 واندلاع حرب تموز». مشهدان خرج بهما العالم من حرب تموز، انتصار المقاومة على العدوان الاسرائيلي بايامه الثلاثة والثلاثين، واستثمار عملية «الوعد الصادق» وفق ما رُسم لها، من خلال تحرير «جيش» من الاسرى الاحياء.. والشهداء، وهزيمة اسرائيل في حربها، .. وهزيمتها ايضا في صفقة التبادل التي تمت بعد عامين واربعة ايام.. صفقة لم تكن الا صفعة وجهتها المقاومة الى كيان العدوان.