أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

جنبلاط يحبس كلامه في «قمقم الخوف»

السبت 17 آب , 2013 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,043 زائر

جنبلاط يحبس كلامه في «قمقم الخوف»

إنّه الخوف من الغد.. من ساعاته القريبة.. من غدر صار بيننا.. من جحيم صار على الأرض.. من زلزال لم يعُد بعيداً.. لا بل تكاد تشققاته تبتلع كل شيء.

فلسياسة الأرض المحروقة شروطها وأكلافها. لا صوت يعلو أصوات الضحايا الذين اختارتهم يدُ الغدر، لتبصم جريمة بشعة، ترقص بوقاحة على قبور الفتنة المذهبية. ولذلك ستكون باطلة كل قواعد الاشتباك التقليدية وأدواتها. 

الخربشات التي خطّها «البيك» بيده قبيل ساعات، ليطلقها يوم الأحد أمام جمهوره المحتشد تكريماً لشهداء الحزب، رُميت في سلّة المهملات. أمام هول الفاجعة التي لفّت «العمق الشيعي»، صار كل الكلام في السياسة بالياً. كيف يمكن له أن يدوزن تموضعه الجديد وفق الوصفة السعودية؟ كيف يمكن له أن يجاري طبول الحرب فيما بنادقها تقترب من أعتاب «إمارته»؟ لقد تبدّلت الأجندات...

سخيفة بدت لعبة التشاطر الحكومية. لا أهمية لصيغة الـ«ثلاث ثمانيات» من «المستوزرين» و«طالبي الكراسي»، طالما أنّ عدداً موازياً لها صار تحت التراب. لا نفع لثلث ضامن أو معطّل، طالما أنّ شياطين الفتنة تعطّل حتى أرواح الأبرياء وتقصيها عن محيطها. لا مكان للحيادية، طالما أنّ وحش القتل يفتح فاه ليلتهم الأخضر واليابس. لم يعد هناك من مربعات أمنية محصنة ضد أي اختراق، أو محميات سياسية محيّدة. رفعت «الأغطية» عن كل الجغرافيا...

هذه المرة بدا البيك منسجماً مع نفسه. سبق له أن حذر مراراً وتكراراً من اللعب على حافة الهاوية، لأنّها ستجلب الويلات للجميع، من دون استثناء. صحيح أنّه كان أول من وقف على الجبهة الشامية، ملوحاً بعلم المعارضة السورية، لكنه عاد وفرمل نسبياً اندفاعته، بعدما تيقن أنّ «كبار اللعبة» تورطوا جميعاً في المستنقع الدمشقي. فدخلنا في المحظور.

قبل أيام، كان الحزب التقدمي الاشتراكي يرتّب هندامه لتكريم شهدائه في احتفال مركزي يفترض أن يصير سنوياً. فيما بدا زعيمه منشغلاً في الإعداد للخطاب الذي سيلقيه أمام ناسه. استجمع كل التحديات التي تحاصره كزعيم الموحّدين أولاً، وكشريك في التركيبة اللبنانية ثانياً، وكعابر للخنادق المتحاربة ثالثاً.

راكم الفراغات التي تجتاح المؤسسات الدستورية الواحدة تلو الأخرى وتهدد الكيان برمته. حاول التسلل إلى تلك القطب المخفية التي تحاك من خلف الحدود، علّه يلتقط كلمة سر تعيده إلى الضوء. وسطّر أولى كلمات خطابه.. قبل أن يضعه جانباً.

كارهٌ وليد جنبلاط حالة الجمود، لا بل الشلل القائمة، ويخشى مما هو بعدها: العاصفة. يريد إحداث فجوة، ولو صغيرة في جدار الأزمة، شرط أن تبقيه معلّقاً بين «الجنة والنار». 

لكن مسلسل التفجير قطع شبكة البرامج العادية. لن يكون بمقدور الاشتراكيين أن ينفلشوا في ساحة عاليه ليستمعوا إلى زعيمهم يقدم مقاربته للوضع اللبناني، ومن خلفه الأزمة السورية. لا الوضع الأمني يسمح بهذا الترف الجماهيري، ولا الوضع السياسي يتيح هذه البحبوحة في الكلام.

إنّها لحظة الصمت التي توازي ذهباً. قد يحتاجها كُثر لمراجعة أوضاع البلاد. لم تعد التحذيرات من الأعظم مجرد كليشيهات يتسلّح بها الساسة ممن تفرغ جيبوهم من رأي سديد قد يملأون به عقول ناسهم.. إنّها آخر وأفضل الكلام.


Script executed in 0.16280198097229