أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

العائدون من الموت

السبت 17 آب , 2013 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,403 زائر

العائدون من الموت

لم تبعد بين الشظية والأخرى إلا بضع سنتيمرات. السنتيمترات نفسها التي تفصل عادة بين الموت والحياة. سنتيمترات النجاة بالروح في هذه البقعة من الشرق حيث بلاد الله تقطر دماً. سنتيمترات النجاة نفسها التي نركض خلفها كل يوم. فإذا أدركناها، نجونا. وإذا لم نصل إليها لبسنا الأكفان البيضاء على أرواحنا.

جلد الشاب في غرفة الطوارئ يشبه يومياتنا المثقوبة. الغرزات التي خاطته في خمسة أماكن على الأقل، من بينها وجهه، كانت متينة. لكن الشاش الأبيض الذي غطّاه كان هشاً كأمننا المفقود. من الشظية والأخرى في البشرة السمراء كان يسيل خيط رفيع من الدم الأحمر الذي لم يجفّ بعد. وفوق شظايا أخرى تخثر الدم فشكّل بقعاً سوداء. سخام الانفجار الأسود كان يلف جسمه كله، من رأسه إلى قدميه اللتين بالكاد تحملانه. 

كان فريد، الشاب الثلاثيني، في محلّه لبيع الأحذية عندما وقع التفجير. رماه عصف الانفجار فوق الزبونة المراهقة التي لم تتجاوز السادسة عشرة. حظ الصبية الصغيرة كان أن يحميها فريد بلحمه فلم تصَب بأذى الزجاج المتناثر الذي انهمر. لا يعرف فريد أين وقع التفجير بالضبط. هول ما حصل كان أعظم من أن يفكر في هذا التفصيل. كانت تلك اللحظة التي يشعر الإنسان فيها بأنه انفصل عما حوله. لكنه وقف على رجليه وحمل شقيقته مهى، الثلاثينية أيضاً، التي كانت في المحل لحظة التفجير إلى الطابق العلوي. كذلك حمل الصبية المراهقة بعدما كانت النار المجنونة تقرص بألسنة لهيبها كلّ ما كان في المحل. ثم طلب منهما أن تجعلا قميصيهما كمامتين تقيهما اختناق الدخان الكثيف. مهى التي سبقت شقيقها في الخروج من المستشفى قالت لأمها عندما رأتها: «لقد مُتّ وعدت إلى الحياة». وهذه كلمات فهمتها الأم جيداً مثلما بيّنت عيناها الزرقاوان الرقيقتان اللتان كانتا تنظران إلى ابنها المصاب الواقف أمامها. ابنها الذي ولد أمامها مرة أخرى بعدما منحته الحياة فرصة أخرى. 

في طبقة أخرى من المستشفى كان رجل خمسيني يفرك كفيه كلاً بالأخرى، أمام البوابة الرئيسية للطابق. كان فكره مشتتاً بين مكانين، وبين بلدين كتب على شعبيهما نزيف الدم. كان فكر الرجل مشتتاً بين شادي حسني ابن السنوات العشر الموجود في غرفة العمليات في «مستشفى الساحل»، حيث يقف منذ أكثر من ثلاث ساعات، وبين والد شادي، الشاب الثلاثيني زهير حسني، الذي شوّهه التفجير ويرقد الآن في «مستشفى بهمن». الرجل الخمسيني هو عم شادي وشقيق زهير الذي رفع يديه فجأة ليقول: «لا الله ولا دين ولا إسلام ولا أي مذهب يسمح بهذا الأمر. ألا يعرفون أن هؤلاء مدنيون؟». سؤال كأسئلة كثيرة، لن تجد من يردّ عليها.

الرجل سوري. هرب من بلاده من «الأعظم» فلحقه «الأعظم» إلى لبنان. مجدداً، حظ المنكوبين العاثر في هذه البقعة من الشرق.

لندع الطفل الذي يجلس على الكرسي المتحرك في «مستشفى بهمن» يتكلم. طفل السابعة اسمه جاد سليمان. أصابته الشظايا في جسمه وقصّت إحداها بعضاً من لحم قدمه، ما اضطر الأطباء إلى زرع جلد مكانها. 

كان جاد مع والدته زينب شمس الدين في الغرفة وكان شقيقه الأصغر جواد الذي لم يبلغ الثالثة يتفرج عليهما عندما حصل ما حصل. كانوا يدرسون أو يلعبون أو يضحكون أو يشاهدون التلفزيون، على ما يفعل العاديون في أوقاتهم. وصودف أن الغرفة تقع في الطبقة الأولى من أحد أقرب الأبنية إلى مكان التفجير.

ــ ماذا رأيت يا جاد؟

ــ رأيت المنزل كلّه يهتز. رأيت كل شيء يتكسّر. رأيت الأشياء تنقلب عن الخزانة. رأيت سريري يطير إلى السقف ويقع على الأرض. ورأيت «التابلو» ينقلب على أخي الصغير.

وما لم يره جاد رأته أمه المصدومة بولديها. أشلاء بشرية طارت من الشارع لتصل إلى شرفة منزلها. أصابع بشرية. مشهد قاس. لا أحد يريد أن يتخيّله.

ما رآه جاد كان كثيراً على طفل في سنه أن يراه. وما رأته زينب كثير على امرأة. وما رأيناه كلنا كثير علينا. اصعدوا إلى المرأة الجريحة النائمة في الطبقة السابعة من «مستشفى بهمن» وأخبروها أن زوجها قد فارق الحياة في الانفجار. هل من يقوى على ذلك؟ الطاقم الطبي لن يفعلها.

لم يملك موظف الاستعلامات في «مستشفى الساحل» إجابة لسؤال آخر طرحه الشاب طارق بدران، مع أن سؤال طارق كان محدداً: «هل محمد دياب جابر هنا؟». 

محمد هو قريب طارق. ومحمد يملك محلاً للإكسسوارات حيث وقع التفجير. حمل طارق سؤاله ودار به على جميع المستشفيات التي كانت تستقبل الجرحى والضحايا. لم يجد إجابته في أي منها. كانت مستشفى الساحل احتماله الأخير. لاحقاً، يصل ثلاثة أقرباء له. أحدهم شقيق المفقود محمد. كان الأكثر توتراً. ولما لم يحصلوا على إجابة واضحة من موظف الاستعلامات طلبوا من آخر أن يبحثوا عن قريبهم بين الجثث التي كان قد وصل سبع منها إلى المستشفى. 

أصحاب الأسئلة هؤلاء هم الناس العاديون في كل الأماكن والأزمان. العاديون الذين يلملمون ضحاياهم ولحمهم المبعثر في المصائب ويمسحون عن الأرض دمهم وحزنهم ليتابعوا عيش ما تبقى من أيامهم. أيام أقصى ما يريدونه أن تكون طبيعية من دون إجابات مبهمة عن حالهم ومصيرهم.

ربما يكون البعض قد نجا اليوم. لكن يبقى سؤال احتمال النجاة في الغد مطروحاً. وهذا سؤال آخر لا يملك أي منا إمكانية الإجابة عنه.


Script executed in 0.19598817825317