أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

تقاسيم الموت العادي.. (مؤثرة)

السبت 17 آب , 2013 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 5,284 زائر

تقاسيم الموت العادي.. (مؤثرة)

دخل العريس إلى صالون منذر، منادياً عليه "يا خال، بدنا نحلق". منذر عيسى(35 عاماً) خالُ الجميع في الرويس، لبقٌ ويحبه الجميع. دخل العريس الذي أتى من كندا منذ ثلاثة أيام، يرافقه شخص آخر إلى المحل. قال العريس لمنذر، "بدك تزبطلنا هل شبوبية، بكرا العرس، بدك تطلعنا حلوين". ضحك منذر، وبدأ بتزبيط العريس، الذي لم يرقص مع زوجته المستقبلية في اليوم التالي، ولم يضع الخاتم في إصبعها الرقيق، ولم يقّبل ثغرها المزين بأحمر الشفاه. ولم يقبّل يد والده ولا رأس والدته، لم يعانق أخته ولا أخيه، لم يُرمَ عليه الأرز ولا حتى الورد الجوري.

 

العريس انتهى عرسه لحظة انتهت قصة الشعر الأخيرة في صالون منذر للحلاقة في الرويس، المكان الأقرب إلى السيارة المحملة بالموت. هاتف العريس الذكي، كان يمكن أن يرسل كلمة "بحبك" إلى العروس البعيدة قبل اللحظات الأخيرة، ليقول لها "حبيبتي زبطت حالي، والله ليموتو البنات من الغيرة بكرا"، ليغلق الهاتف من بعدها ويضحك. لكن الواتسأب خذله وشركة الإتصالات ايضاً وكذلك القدر.

 

البزة الرسمية الجديدة التي انتظرت في المصبغة، ما زالت تنتظر من يلبسها، وما زالت تنتظر والد العريس أن يجهز نفسه من أجل غد ابنه. من حق الأب في ليلة عرس إبنه أن يربط له ربطة عنقه. لكن الأب رُبط لسانه، بعدما ربط الموت موعداً للعرس مع العريس. رحيل العريس كان عرس الضاحية الحزين.

في الطريق إلى الضاحية الجنوبية ألف قصةٍ وقصة، وألف حياةٍ أخرى. سيارة التاكسي التي حملتني إلى موقع الإنفجار، حملت معها أشخاصاً من قلب الضاحية. ظلت الحاجة الجالسة بجانب السائق مع ابنها الصغير، تدعي على من قتل أخواتها وجيرانها واصدقائها. "الله يفجر قلبن وعيونن، متل ما بكوا امهات هل شهدا يلي ماتوا مبارح".

 

في الطريق إلى الرويس، إلى مكان الموت الثاني بعد بئر العبد، يقّسم الناس حياتهم بين إعادة إعمار حيواتهم المهدمة وبين البحث المستمر عمن فقدوا من أحبائهم. الحواجز الحديدية التي يتمترس خلفها أمن حزب الله ومخابرات الجيش والشرطة الجنائية، تفصل الناس عن بيوتهم وجيرانهم ومحال الخضار الذي اعتادوا أن يشتروا منها الخضار والبطيخ والفواكه. حتى البطيخ انكسر رأسه وتلاشى نصفين، مثل الجثث التي مضت على عجل.

 

"هناك كان محل موسى خليل قاروط، الله يرحموا. عمي كان في محله، عندما قال له ابنه محمد، وابن اخته حسين، أنهم ذاهبون ليتناولوا الغداء في مطعم قريب. ركبوا دراجاتهم النارية، وبعدما قطعوا الشارع بثلاث دقائق، فصلهم الموت عن موسى، الذي قضى نحبه مباشرة، بسبب تواجد محله بجانب صالون منذر للحلاقة". هكذا قال أحد أقرباء الحاج موسى قاروط، صاحب محل قاروط لقطع السيارات. موسى سيوارى الثرى في تراب بلدته ميس الجبل اليوم.

 

على الجهة المقابلة لمحل موسى، كان الموت مشابهاً. بائع المياه، وجدوه متوفياً نائماً إلى جانب غالونات المياه في الأسانسير. لم يشرب منها حتى، حين فاجأه العطش. لم يعرف أن المياه التي يمدّ حيوات الناس بها، لم تمدّه بالحياة. مات بهدوء داخل الأسانسير.

 

قبل انتشار الموت بمبنى واحد، في بناية الوفاء المواجهة لمتجر محفوظ ستورز، اخرج عصفُ الإنفجار "مانكانات" الملابس عبر الزجاج، وهوى سقف الفوبلافون على البائع وشقيقه وعلى ثيابه المكدسة فوق جسده. "كنا نبيع ونشتري في المحل عند الساعة السادسة تقريباً حين انفجرت السيارة".

 

اصيب شقيق علي فاعور، صاحب محل فاعور للألبسة، ببعض قطع الزجاج المتناثرة التي ماتت هي الأخرى. الزجاج أيضاً له احساسٌ ولونٌ وشكل. يقول فاعور إننا "كنا دائماً نقول إن إسرائيل هي المسؤولة عن اي انفجار في بيت المقاومة، وما زلنا نقول إن هناك من يساعد اسرائيل في اعمالها الإرهابية". 

 

يقطع علي حديثه معي، بعدما رن هاتفه برنة "مين قدك لما تطل". يرد على الهاتف، ويقول "بيار يا حبيبي، سكوت كان راح خيك رضا، والحمدلله طلع من المستشفى، رضا صار نجم تلفزيوني، اعطى احاديث لأربع فضائيات". رضا نفسه، يبلغ من العمر 16 عاماً، دخل الزجاج إلى يده، وخرج بعد عملية جراحية في مستشفى الساحل.

 

في المبنى نفسه، على الطابق السابع، تختلف الرؤية. يسير حسين مهدي في شقة صهره الدكتور، بعدما تخلخعت أبواب الشقة، وتكسر الزجاج، وبات يشبه الخربة. تأتي والدة زوجته، التي تسكن بالقرب من بنتها، وتقول "الله لا يوفقكهن، عم بيدفعونّا ثمن أعصابنا، بعدنا عم ندفع على البيت من وقت حرب تموز 2006، هيدي اسرائيل واعوانها العرب عملو فينا هيك".

 

هكذا يقسم الرويسيون يومهم العادي، بعدما انفجرت بهم السيارة. الموت الذي لا يُحتمل، خلق من بعده حياةً وإرادة لا تنطفآن. الرويس بيتكم، ديروا بالكم. 


Script executed in 0.19156408309937