أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

حارة حريك: الحرب الإسرائيلية والمقاومة الناس والأمكنة والانتماء المشترك

الإثنين 19 آب , 2013 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 5,156 زائر

حارة حريك: الحرب الإسرائيلية والمقاومة الناس والأمكنة والانتماء المشترك

أو شارع المقاومة والتحرير

 

أسير في دربٍٍ شائكٍ، ماذا نرى؟ عندما ننظرُ؟ وماذا نَصِفُ؟ عندما نَصِفُ؟

1) منذ ربيع العام 2007 وأنا أسلكُ شارعَ حارة حريك الرئيس أو شارع المقاومة والتحرير، في طريقي إلى مقرِّ إدارةِ مشروع وعد، أو في طريقي إلى أمكنةِ الدمارِ وإعادةِ الإعمارِ في حارةِ حريك. 

في الأيامِ الأولى التي تَلتْ وقفَ الحربِ، كان الوافدون كثرًا. يأتونَ ليحاولوا الدخولَ إلى المجالِ المدمَّر، من شارعِ حارة حريك غرباً، ومن شارعِ بئر العبدِ شرقاً.

2) سلكتُ الشارعَ مع الوافدينَ الكُثر. واجهةُ الشارعِ الغربيَّةِ لم تكن أصلاً في دائرةِ الاستهدافِ الوحشي. كلُّ شيءٍ فيها يُشبه ما هي عليه اليوم. زحمةُ المحالّ التجاريَّة، والألوانُ الصارخةُ، والملابسُ المزَّينة في الواجهاتُ الفيترينات. ارتفاعُ المباني، وخطُّ السماءِ والسماءُ فوق الخطِّ. كلُّ شيءٍ في هذهِ الواجهةِ، يَصِفُ ذاتَه، ويُشير إلى ما يميُّزه.

موضوعُ الفضولِ عندَ الوافدينَ الكُثر، كان محصوراً في واجهةِ الشارعِ الشرقيَّة. استهدَفَتِ الحربُ فيها مناطق محدودة، وكلُّ الدمارِ استقرَّ خلفَها.

لم تَبُحِ الواجهةُ بشيءٍ. المباني، المعروضاتُ في الطوابق الأولى فوق المتاجر، الإعلاناتُ التجاريَّة الملونَّة، الجهدُ الإشْهاريّ الطاغي، كلّ الملامِحِ ساكنةٌ. كلّ المنافذِ نحو الشرق، صامتةٌ، لا تهمُسُ بشيء. صورُ القصفِ الذي استمرّ ثلاثة وثلاثين يوماً، وملأ كلّ شاشاتِ التلفزةِ، حاضرة في الأذهان. الحرائقُ، واللَّهبُ، والدخانُ، كلها حيَّةٌ في الذاكرةِ. إلا أنَّ الأمكنةَ في الواجهةِ الشرقيَّةِ للشارعِ، غيرُ مُكترِثة. الناسُ في الشارعِ. هذا ينظِّف دكَّانه وجارُهُ يساعدُه. مشترونَ في الدكاكينِ القريبةِ، ومتفرِّجون في الجوار. إلا أنَّ الأمكنةَ هنا متكتِّمةٌ جدا، تَخفي انفعالَها، وتكْتُمُ مشاعرَها، ولا تبوحُ بالواقعِ الذي يختبئ خلفَ زجاجِ متاجِرِها الشاهق الارتفاع، وخلفَ الستائرِ التي تحجب الشرفات. الشرطي البلديُّ يحاولُ تنظيمَ حركةِ المرور. سيَّاراتُ الأجرةِ تتوقَّفُ عندَ كلِّ منتظِرٍ إلى جانبِ الطريق. 

اللافتُ للنظر، هو أن الازدحامَ في الشارعِ أكثرُ من المعتادِ، وأن الاطمئنان ظاهرٌ على الوجوه. اطمئنانٌ يكادُ يصرُخُ معلناً قناعتَهم بأن إسرائيلَ قد هُزِمت، وبأنَّها قد أنهتِ الحربَ مرغمةً، وبأنَّ النصرَ كانَ حليف أهلِهِم، وناسِهم، وأحبّائهم: المقاوِمُون.

 

II

إلى منطقةِ الدمار، خلف الواجهات 

1) نزلتُ من «التاكسي» في طرفِ الشارع. تبعدُ الكنيسةُ عني قليلاً. وقفتُ مع الناسِ، ننظُرُ كلُّنا إلى واجهةِ الشارعِ الشرقيَّة. مبنى الكنيسةِ خلفنا، ومبنى المجلس البلدي المقابلِ، بحالةٍ جيِّدة، ترى الرُّكامَ في الداخلِ بوضوحٍ. لا وصولَ إلى الداخلِ من المنافذ هنا. تدلُّك جموعُ الوافِدينَ إلى الأسفلِ، إلى الشارعِ مقابِلَ الثانوية. في المكانِ تقاطعٌ جميلٌ، كلُّ محيطِه سليمٌ، وكلُّ ما فيه من مبانٍ ومخازنٍ وواجهات، سليمٌ ايضاً. كل الستائرِ لا تزالُ معلَّقةٌ مسدلةٌ كما في أعلى الشارعِ، تحجبُ الشرفات.

من هنا كانت الجموعُ تدخلُ: هذا شارعُ الشهيد أحمد قصير، قال أحدُهم. معظمُ الوافدين وأنا منهم، كنا نعرفُ شارع حارة حريك جيداً، إلا أننا لم نكن نعرفُ الداخلَ. في بداياتِ السبعينيات كان لديَّ ورشةٌ صغيرةٌ في أعلى الشارع، فرعٌ لتعاونية استهلاكيَّة. المقاولُ في الورشةِ، كان النقيب الراحل بهاء الدين البساط. 

كان الشارعُ درباً مُتعرِّجاً في حارةٍ، أليفاً، مُتواضِعاً، بمَبانيه وبعِمارتِه. ثمَّ عَرفتُه متحوِّلاً حتى منتَصَف السبعينيات مع بداية الحرب الأهليَّة. 

2) عبَرتُ مع الوافدينِ الكُثر، بوَّابَة الشارعِ ونحن ننظُرُ إلى الشمال. لم نرَ إلا الركامَ يَحوطُ بعضَ المباني التي صمدَتْ. عشراتُ الأمتارِ نحو الشرقِ نسيرُها. الركامُ قريبٌ منَّا، يحجبُ ركاماً هائلاً بعيداً يبدو، وسط حقلِ التفحُّمِ والاحترَاقِ والسوادِ. المشهدُ السُرياليُّ، هو في المباني المرتَفعة التي صمدَت وسطَ الدمارِ. كيف بَقيَتْ؟ لماذا لم تُدمَّر؟ من يسكُنها؟ 

تسترجعُ، وأنت تنظُرُ بدهشةٍ إلى الدمار الذي يحوطُكَ، صورَ الغاراتِ الجويَّة والحرائقَ وجَحيمَ اللَّهبِ، وغيوُمَ الدخانِ الأسودِ تسكُنُ السماءَ فوقَ البيوتِ. وقد أمطَرْتكَ بها شاشاتُ التلفزَةِ خلالَ أيامِ الحربِ الوحشيَّةِ.

شارعُ بئر العبدِ الرئيس لا يزالُ على حالِه. أعرفُ الشارعَ. كنَّا نسيرُ في جَانِبَيْهِ نزولاً من منطقةِ الغبيري. لي أصدقاء من آل الحاج يسكنونَ هناك، منذُ ما قبل الحربِ الأهليَّةِ وبعد انتهائها. 

الوافدونَ يأتون من كلِّ صوب. يغامِرون. يصعدون فوق جِبال الرُكام. شرفاتٌ بكامِلها، خزَّانات مياهٍ صمَدت، أدراجٌ، جدرانٌ... هياكلُ خرسانيَّةٌ غارتْ في جوفِ طابقٍ سفليٍّ هنا، أو بَقيتْ فوق تلَّة الرُكامِ هناك.

3) أُزيلَ معظمُ الركامِ بسرعةٍ، وامتلأتِ الأمكِنَةُ المحروقةُ بالوافدين. زوَّارٌ، ومُتابعونَ، وعائدون. العائدون إلى منازِلهم التي صَمَدَتْ، كما صمَدتِ المقاومةُ، يصعَدونَ الأدراجَ، يفتَحون الأبوابَ، يتلمَّسونَ الجُدرانَ، ينظُرونَ إلى الصورِ المعلَّقةِ، وإلى الأثاثِ الذي بقيَ في مكانِه، غيرُ مُصدِّقين. أو العائدون إلى ركامِ منازلهِم، يفتِّشون عن رسمٍ، أو صورةٍ، أو ذكرى.

هنا كانَ مبنى تلفزيون «المنار» يقول أحدُهُم، حيثُ إطارٌ معدنيٌّ شاهدٌ، وفجوةٌ في جوفِ الموقعِ. لتنتَصب أمامكَ فوراً شاشةُ «المنار»، التي لم تُوقِفِ البثَّ خلال القصفِ المستمرِّ. استمرَّ القصفُ، واستمرَّت المقاومةُ، واستمرَّ البثٌ. 

«وفي هذا المجالِ الصغيرِ كان يسكنُ سماحةُ السيد حسن نصر الله» يقولُ آخر. لا أثَرَ لأي بنيانٍ في الموقعِ. إطارٌ معدنيُّ لبوابةٍ خارجيةٍ، وركامٌ بسيطٌ في مساحةٍ صغيرة.

أُزيلَ الرُّكامُ بالكامل تقريباً. وهُدِّمتْ بعضُ المباني المتصدِّعة. ونُظِّفت الأمكنة. وبدَتْ واضحةً حدودُ منطقةِ الدمارِ الكاملِ، حدودُ الأرضِ التي أحرقتْهَا حربُ إسرائيلَ. في وَسَطِها، كشواهدَ على حبِّ الأرضِ وحبِّ الناسِ، وكرموزٍ للتعلُّق ِ بدفءِ الأمكنةِ، وكحرَّاس للذاكرة... 

في وسَطِها المباني التي تحدَّت القصفَ وصمَدت كما المقاومة، وقد عاد إليها سكَّانُها.

III

التنظيم المديني، 

إعادة الإعمار، وصورة الأمكنة

1) ناتجُ الحربِ على حارةِ حريْك دمويٌّ، وحشيٌّ، مدمِّر. ولكنَّ مساحةَ الدمارِ كانت صغيرة نسبياً، وهي لا تتعدَّى الأربعين هكتاراً. إصابةٌ موضعية، ومعالجةٌ تنظيميةٌ موضعيَّةٌ بالضرورة. تقومُ على عدم توسيعِ رقعةِ الدمار، وترميمِ كلِّ ما يُمكِنُ ترميمه. 

دراسةٌ تحليليَّة لشبكةِ الطرق الموجودةِ، وتلكَ التي حالتِ الحربُ الأهليةُ دون جعلِها أكثر اتساعاً، بتنفيذِ المخطَّطات التنظيميَّةِ المقرَّة، وتحديد الشارعِ الرئيسِ والشوارعِ الداخليةِ والشوارعِ الفرعيَّة. والحفاظ على الدروبِ الزراعيَّة القديمةِ، شرايينَ محمَّلةً بتفاصيلَ دافِئة.

يُحدَّد طابعُ العِمارةِ في كلِّ شارعٍ، انطلاقاً من أهميتِه. الانتظام في التراجعِ عن التخطيطِ في شارع الشورى الرئيس، وانتظَام الواجهاتِ وبساطتُها، وتخفيفُ نتوءِ الشرفاتِ، وتوضيحُ دورِها في تيبولوجيات المباني، وفي مورفولوجيَّةِ الشارع. أما في الشوارعِ الأخرى فالنظامُ مرِنٌ، لتنسَابَ معظمُ المباني مع تسلُّلِ الدروبِ العتيقةِ الملتويةِ، حاملةِ ذكرياتِ الزرعِ والقِطاف.

2) في الرؤيةِ العامَّةِ لتنظيمِ المنطقةِ مدينياً، تحسينٌ في التأليفِ، وراهنيَّةٌ في المعالجاتِ، وفي اختيارِ الموادِّ.

وفيها، معالجةُ زوايا المباني عند كلِّ التفاف، وعند أطرافِ الشوارعِ، باعتبارها بواباتٍ ترحِّبُ بالقادمين. والمحافظةُ على الأحواشِ الداخلية كفسُحاتِ لقاءٍ وضوءٍ وتهوئة. 

وفيها استلهامُ النسيجِ المحيطِ، وإعمارُ المهدَّم راهناً، أليفاً، مضيافاً.

وفيها استعادةُ روحِ الأمكنةِ، بما يَدعو النازِحين للعودةِ إلى أماكِنِ سكنِهم، وإلى أماكِن عمَلهم.

وفيها دعوتُهم إلى استرجاعِ حقوقِهم كاملةً، وإلى إِعادةِ بناءِ إطارِ حياتهم في أماكنَ لم يطلُ نزوحُهم عنها. 

وفيها أخيراً، إنعاشُ الذاكرةِ الجماعيَّة باستعادةِ الأمكنة، وإعادة بناءِ النسيجِ الاجتماعيِّ كما كان عليه قبل الحرب. التي، باستِهدَافِها الأمكِنَة، إنما استهدَفَتْ بالأساسِ ناسَ الأمكِنَةِ الذين احتضنوا المقاومةَ، وصنعوا انتصارَها. عادتِ الروحُ إلى الأمكنةِ، وعادَ ناسُها إليها.

3) لطوبوغرافيةِ الموقعِ دورُها في صياغةِ الأمكنةِ، وفي إظهار صورتها. ينحدِرُ الموقعُِ من الشمالِ الغربي باتجاه الجنوب الشرقي. 

يقعُ شارعُ الشورى في أعلى الموقعِ شمالاً. ضُمَّةٌ من المباني التي صمَدَت، تفصُلُه عن حدودِ المنطقةِ شمالاً. كلُّ المباني التي دُمِّرتْ وسَط هذه الضُمَّة أُعيدَ إعمارُها. ينحدِرُ الشارعُ بلطفٍ من الغربِ باتجاه الشرق. إلا أنه يبدو شبه أفقيٍّ لاتساعِه في وسَطِه. بوَّابةُ الشارعِ الشرقيَّةِ عند تقاطُعهِ مع شارعِ بئرِ العبدِ مفتوحةٌ، وهي تذهبُ بالشارعِ بعيداً إلى الشرقِ. أما عند طرفهِ الغربيِّ، فالبوَّابةُ لا تزالُ مُقفلةٌ. 

في نظرةٍ من عندِ تقاطُعِه مع شارعِ أشبالِ الساحل، ترى الشارعَ أمامك بكامِله. البوابةُ حيثُ زوايا المباني نصفُ الدائرية، بليغةَ الحضور. فهي كأبراجِ قصورِ العربِ في الباديةِ، أو كأنَّها على الطرزِ المعماريِّ النيوباروكيِّ، المُستعارِ من عِمارةِ الخديوي إسماعيل في القاهرة.

في الواجهةِ الشماليَّةِ للشارع، تستمرُّ الأرصفةُ مستقيمةً. إلا أن ضُمَّة المباني التي رُمِّمَتْ، وتلك التي أُعيدَ بناؤُها متراجعةً عن حدودِ التخطيط، تجعَلُ الشارعَ عريضاً في وسَطه، وتزرعُ له قلباً يعيشُ وينبض هناك، كما الشجرةُِ الصامدةُ التي تُجاوِرُه.

قبلَ القلبِ، بواباتٌ إلى أحواشٍ داخليَّةٍ. تشدُّكَ الواجهاتُ الملتفَّةُ إلى هذه الأحواشِ، وتجعلُها امتداداً للشارِع. قبل القلبِ أيضاً، دلالاتُ التقاطعِ مع الشوارعِ الفرعيَّة التي تربِطُ شارع الشورى بشارعِ السيِّد عبَّاس الموسوي. 

أما ميزةُ الشارعِ الرئيسَة فتبقى قلبُه، وفيه بُطينَان كما في كلِّ قلب. البُطْينُ الأيمنُ في حديقةِ الشهيدِ صلاح عندور، والبُطْينُ الأيسرُ في امتدادِ الرصيفِ حيثُ المَباني المُتراجِعة. المقهى الصغيرُ في البطينِ الأيسرِ للقلبِ، أمامَه رصيفٌ عريضٌ وطاولاتٌ بلاستيكيةٌ مع كراسيّ ملَّونةٍ، خضراء وحمراء.

تجلسُ على كرسيٍّ أحمرٍ، أمامَكَ الواجهةُ الجنوبيَّةُ للشارع. الرصيفُ مشجَّرٌ، والرصيفُ المقابِلُ مشجرٌ أيضاً، والمجالُ يبدو فسيحاً، والسماءُ قريبةً زرقاء. المبنى أمامَكَ ملتفٌّ ليدلَّ على الزاوية. والشرفاتُ عريضةٌ عَميقةٌ، معلَّقةٌ على جسمِ المبنى. أما المَبنى الذي يُجاوره فتصنعُ الشرفةُ الناتِئَةُ زاويتَهُ، مع ظِلالِها على الجدارِ الأصمِّ الذي يَحمِلُها. عندَ البطينِ الأيمنِ للقلبِ، ضُمَّةٌ من المباني القديمة، يعودُ بعضُها إلى أوائل الستينياتِ، يوم كانَتْ شوارعُ اليومِ زواريبَ شاعريَّةً، والتفاصيلُ أنغاماً تُحيي العِمارات.

4) الأرضُ المحروقةُ التي خلَّفتها حربُ إسرائيلَ على حارة حريك، غطَّت أماكنَ متباعدةً نسبياً. إلا أن الجزءَ الرئيس فيها، امتدَّ من قلبِ شارعِ الشورى شمالاً، حتى شارع الشهيدِ أحمد قصير جنوباً، مروراً بشارعِ الشيخ راغب حرب، الذي يربطُ شارعَ السيِّد عبَّاس الموسوي بشارعِ الشهيد أحمد قصير، ويربِطُه بالتالي بالمنافذِ المتعدِّدةِ المؤدِّية إلى داخلِ مناطق الضاحيةِ الجنوبيَّةِ الواسعةِ. الحيِّز الذي أُحرِقَ وطُمِرَ بالرُّكامِ والرمادِ مربَّعُ الشكلِ، لا تتعدى مساحتُهُ الـ16 هكتاراً. وعددُ المباني المدَّمرة فيه فاقَ المئة مبنى. محوَرُ هذا الحيِّزِ هو شارعُ السيد عبَّاس الموسوي. 

أُعيدَ إعمارُ الحيِّزِ المدمَّر كليَّاً، وعادَ شارعُ السيِّد عبَّاس الموسوي إلى مكانته. بوَّابةُ الشارعِ الغربيَّة مفتوحةٌ بكاملِ عرضها، والمبنى الذي أُعيد بناؤه عند البوابة، يلتفُّ، ويشدُّك إلى داخل الشارع. 

الشارعُ منحدِرٌ وامتدادهُ واضحٌ، وبوَّابتُه الشرقيَّةُ واضحةٌ أيضاً. تختَلطُ على جانبيه، المباني المرمَّمةُ والمباني المُعادُ إعمارُها، وتكثرُ فيه التقاطعاتُ والزوايا المُلتفَّة. تشعُرُ، وأنتَ تقفُ عند التقاطعِ الرئيسِ حيثُ الزوايا لأبراج، بأنَّك مدعوُّ للسيرِ في الاتجاهاتِ الأربعة. كما تشعرُ بأن الدروبَ هناك تأتي من بعيد، من استدارةِ آخرِ شارعِ الدكَّاش، وتذهَبُ في الاتجاهِ الآخرِ إلى البعيدِ أيضاً. تُوحي لك الامتداداتُ المتعرِّجةُ الليِّنةُ، بشاعريَّة الأمكنةِ وبترحيبِ المجالات، بدفئها بتَجَانُسِها وبانسجامها. في الدربِ الصاعدِ على يمينكَ، أربعُ مكتباتٍ وأربعةُ دورٍ للنشر. الكُتبُ معروضةٌ في الواجهاتِ، كما تُعرَضُ أزياءُ النساءِ وألعابُ الأطفالِ. ترى في وسطِ الشارعِ المنحدِرِ أمامَك مئذنةَ المسجدِ الجديد. تسيرُ مع انحدارِ الشارعِ. تتكرَّر التقاطُعات، وتكثُرُ معها المقاهي الصغيرةُ بأسمائها الغربيَّة، فتتساءَلُ عن سببِ هذا الإصرارِ على استعمالِ اللغـــــات الغربيَّةِ لإشــــهار دكانٍ، أو لترويجِ سلعةٍ، أو للدلالةِ على مَقْهى.

5) تكثرُ الدروبُ عند بوَّابةِ الشارِع الشرقيَّة حيثُ يتقاطَعُ مع شارعِ بئر العبد. الدروبُ هنا كالمتاهاتِ، تخرجُ منها عَبْر منفذٍ أمامَك، لتعودَ إليها عَبْر منفذٍ آخر. إنها لعبةٌ تُمارسُها بفرحٍ، وأنتَ تدورُ حولَ المجمعات المبنيَّةِ. ترسمُ الدروبُ العتيقةُ في هذهِ الزاويةِ، مثَّلثاً قاعدتُه شارعُ بئرِ العبد. 

أمَّا الدربُ الآتي من الشرقِ البعيد، فيُصبحُ داخِل الأمكنةِ شارعاً تجارياً مكتظاً، هو شارعُ السيِّد عبد الحَسن شرف الدين. معظمُ المباني قديمةٌ في هذا المربَّعِ الصغير. رُمِّمتْ كلُّها بعنايةٍ، وبَدَتْ أنيقةً منسجمةً مع جوارِها.

ثمَّةَ دربٌ آخر يأتي من الجنوبِ، ليوصلك إلى «مركزَ الضاحيةِ الجنوبيَّةِ التجاري». إنه مبنى ضخمٌ معولَمٌ، أنيقٌ لمَّاع. واجهتُه ملسَاءُ من زجاجٍ رماديٍّ ثابتٍ، ومن صفائِحَ من الألمنيوم الرماديَّة، تقنِّع الهيكَلَ الخُرسانيَّ للمبنى. يبدو المبنى فارغاً. 

6) شارع الشهيد أحمد قصير، يوازي بأهميته شارع الشورى، إذ يوصلُ الموقعَ، بامتدَادَاتِه داخلَ منطقةِ الضاحية الواسعة. لم تستهدِف الآلةُ الحربيَّةُ الإسرائيليَّة الشارعَ بكامِله. بل اكتفت بتدميرِ مبانٍ عدة في موقعِ تلفزيونِ «المنار». كان هذا الشارعُ، المدخلَ الرئيسَ إلى المنطقةِ المدَّمرة، بعد وقْفِ الحرب الإسرائيلية. تلتفُّ يساراً في مُنتَصَفِه، فتكتشِفُ أنَّك في شارعِ الربَّط، شارعِ الشيخ راغب حرب. لقد دمَّرت حربُ إسرائيل واجهةَ الشارعِ الغربيَّة بكامِلها. أعيدَ بناءُ الأبنيةِ المدمَّرة، أما المباني التي صمدت، فقد رُمِّمت بإتقان لافتٍ.

ما أن تدخُلَ الشارعَ، حتى ترى في محوره عند طرفِهِ الشمالي، إحدى مئذنتي المسجدِ الجديد الذي بُنيَ قُبالته، في الواجهة الشمالية لشارع السيد عبَّاس الموسوي. وأصبحَ الشارعُ بذلكَ طريقَ الوصولِ إلى المسجدِ الجديد.

كنَّا في المخطَّطِ التنظيميِّ الذي أَعدْدناهُ لإعادةِ الإعمارِ، قد قَرأنا الشارعين، شارعَ السيد عبَّاس الموسوي وشارعَ الشيخ راغب حرب، شارعاً واحداً على شكلِ «T» بالفرنسية أو بالإنكليزية. وينحصِرُ دورُ شارعِ الشيخ راغب حرب، وفق هذه الرؤية، بربطِ المنطقةِ بالمدخلِ الرئيس إليها، أي بشارِعِ الشهيد أحمد قصير. وبعدَ بناءِ المسجدِ تأكَّد هذا الدورُ لا بل ازداد وضوحاً، إذ أصبحَ الشارعُ وكأنَّه صُمِّم كمسارٍ للوصولِ إلى المسجدِ، الذي أصبحَ الهدفَ الرئيسَ في المكان. 

 

IV

عودة الناس إلى الأمكنة... 

والانتماء المشترك

1) العمارةُ، هي، ما ننظرُ إليه عندما نُنهي بناءَه، وما ننساهُ عندما نسكنُهُ أو نستعمِلهُ، ونجولُ فيهِ أو حَوله، يقولُ المعمار الإيطالي مسِّميليانو فوكساس. والعِمارةُ الحقَّةُ أقولُ، هي المجالُ الذي نبنيه للآخر، يكونُ في الوقتِ ذاتهِ تعبيراً عن فَرادتِهِ، وعن التعرُّف عَبْرَ هذهِ الفرادةِ، على انتماءٍ مشترك. 

جُلتُ مرَّات عدَّة حولَ العِمارات في الشوارع التي تحوطُ المربَّع المدَّمر، الشوارعُ الحدودُ كما أسميِّها، لا لأنسى العمارةَ، كما يقولُ فوكساس، بل لأراها، لأُمعِن النظرَ فيها، لأتأكَّد من عودةِ الناسِ إليها. 

عاد الناسُ بالفعلِ إلى مُحيطِ المربَّع المدمَّرِ إلى مباني الحدودِ، فورَ وقفِ الحرب. أما المَباني التي صَمدَتْ داخلَ المربَّعِ وهي كثيرةٌ، فقد عادَ إليها أهلُها بعد إزالةِ الركامِ. وعادتِ الزحمةُ إلى هذهِ الشوارعِ الحدودِ، بعودةِ النشاطات التجاريَّةِ إليها. واصطَّفت كالمعتادِ، السيَّاراتُ أمامَ الدكاكين. وفي الشرفاتِ والنوافذِ فوقَ الدكاكين، اسْتُبدِلَت بعضُ الستائِرُ الطويلةِ المتدليَّة، وأُعيدَ تثبتُ بعضِها على النوافذِ من الخارج، وعمَّت الواجهاتِ الستائر فسيفساءُ ملوَّنةٌ، موزعةٌ بانتقائيةٍ فيها الكثيرُ من التأليفِ العفويِّ، والإيقاع الموسيقي. علاماتُ العودةِ إلى الأماكنِ التي لم تُدمَّر في المحيطِ وفي مناطقَ عدَّة من المربع، واضحةٌ، مرئيَّةٌ، تَصنعُ الحياةَ بكلِّ تفاصيلها. 

2) انتهت أعمالُ إعادةِ الإعمارِ تباعاً داخلَ المربَّع، وسُلِّمت المنازلُ والدكاكينُ إلى أَصحابِها على مراحل، فعادوا إليها على مراحلَ أيضاً، وعادتْ إليها الحياة بالتدرُّج. السِتارةُ الطويلةُ المتدليَّةُ والتي تحجبُ الشرفة، هي الدلالةُ الرئيسةُ على وجودِ الناسِ في المنازلِ. هي إعلانُ الرغبةِ في إبقاءِ مجالِ الأُسرةِ محميَّاً حميماً. إنَّها التعبيرُ عن الفرادةِ، في المجالاتِ التي نَبنيها للناس. والفرادةُ هذه يشاركُهم فيها سكَّانُ الشرفاتِ المقابِلة الـــذين أسدَلوا ستائرَهُم أيضاً، وعبَّروا بذلكَ عن انتماءٍ مشتركٍ مُعلنٍ. ونرى هذا الانتماءَ المشتركَ في معظمِ مناطق بيروت الإدارية وبيروت الكبرى، حيثُ الستائرُ المتدليَّةُ تحجُبُ الشرفاتِ، والنوافذَ، وكلَّ الفتحاتِ.

3) والطريفُ، هو أن هذا الانتماء المشترَكَ يجدُ تعبيراً آخرَ له، في عجقةِ تثبيتِ أجهزةِ التكييفِ في الواجهاتِ. يَجهدُ المعماريُّون حفاظاً على حسنِ الأداء التقني، وعلى تناسق الواجهاتِ، كي يجدوا المواقِعَ الملائمةَ لهذه الأجهزة تقنياً وجمالياً. ويأبى الساكنون، إلا أن يثبِّتوها في أماكنَ انتقائية يختارونَها، لتكون قريبةً منهم، في متناول أيديهم، لصيانتها، أو استبدالها، أو تنظيفها، دون الاكتراثِ بجهد المعماريّين، وبالضروراتِ التقنية والجماليَّة. إنه انتماءٌ مشتركٌ بالفعل، يحدِّد علاقةَ الناسِ بمفهومِ الانتفاعِ بالمصنَّعَاتِ وبالتجهيزاتِ، وبموقِعِ هذا المفهومِ من العمارةِ باعتبارِها شأناً عاماً، بكلّ ما تنسجُهُ من علاقةٍ بالناسِ، بالشارعِ، وبمحيطِها الأوسع.

4) عاد الناسُ إلى الأمكنة. نسِيرُ أمامَ العِمارةِ في شارعِ الشهيدِ أحمد قصير، أو نجلسُ أمَامَها على الكرسيِّ الأحمرِ في قلبِ شارعِ الشورى، فلا المارَّةُ وهم كثرٌ، يحجبونها عنَّا، ولا المتفرِّجون على معروضاتِ الدكاكينِ أو المتسوِّقون في داخلها، يجعلونَنا ننساها، ولا الزحمةُ على الأرصفةِ الضيقةِ تُبعدُ نظَرنَا عنها، وتشدُّنا إلى عجقةِ المتنزِّهين والعابرين.

لا. العِمارةُ هنا، موجودةٌ، بكُتلتِها، وطَوابِقها، والتأليفِ في واجهاتِها، وألوانِ موادِّها. نظَرنا إليها بعدَ أن أنهينا بناءَها، ثم جُلنا حولَها، وصَعَدنا أدراجَها، وأطللْنا من شُرفاتِها العاريةِ على الشرفاتِ المقابِلةِ العاريةِ أيضاً، ثم غادرناها. 

وأتى الناسُ بعدَنا وسكنُوها. ورُغمَ ذلكَ لم ننسَها كما يرى فوكساس، ونحنُ جالسون قُبالتها ننظُر إليها، ونتعرَّفُ على علاقة ساكنيها بها. بعضٌ من دلالاتٍ على الانتماءِ المشترَكِ للناسِ هنا وهناك، نراها في الستائرِ المتدليَّةِ تُقفِل الشرفاتِ بإحكامٍ، وعجقةُ أجهزة التكييف في الواجهات. 

نادراً ما يُطلُّ وجهٌ من خلفِ ستارةٍ.

5) أُعيدَ الإعمارُ وعادَ الناسُ إلى الأمكنة. عُد إلى كرسيِّك الأحمرِ في قلبِ شارع الشورى، وانظر إلى الواجهةِ أمَامَكَ، إلى المخازنِ الكبيرةِ والدكاكين الصغيرة، في الطابق ِالأرضيِّ. «أكسسُّوريز» في الزاوية. فيتريناتٌ زجاجيةٌ شاهقةُ الارتفاعِ، خلفها مجسَّمات لعارضاتٍ يرتدينَ «الدارجَ» من الملابسِ النسائيةِ اليوم. الفستانُ المختصرُ، الكَتِفُ العاري، الثوبُ من قطعتين أو أكثر، الزهريُّ والورديُّ يطغيان. بجانبِ المخزنِ الكبيرِ مطعمٌ صغيرٌ «لفرحات الحايك»، فول حمُّص فِّتة، يذكِّر «بمرّوش» في شارعِ الصِّيداني في منطقةِ الحمرا. مقهى صغيرٌ أيضاً بجانبِ المطعم، «نيروز كافيه أند جوس». يشذُّ «فرحات الحايك»، حيثُ كل الكتاباتِ على واجهتِهِ باللغة العربية. ويشذُّ معهُ أيضاً، «ميني ماركت عيسى». وعندما يستديرُ المبنى في الطرفِ الآخرِ يحتلُّ الزاويةَ بكاملِها «إل.سي.دي ستايشن»، أدواتٌ مطبخيَّةٌ ومنزليةٌ، أدواتٌ كهربائية. 

عاد الناسُ بوضوح. زاويةٌ كبيرةٌ «للدارج» من الملابسِ النسائية، وزاويةٌ كبيرةٌ أُخرى للأدواتِ المنزلية. وفي الزاويةِ الثالثةِ القريبةِ، تُجاهرُ «محلات عَلوية» باهتمامِها بالبياضَات المنزلية. البيتُ والأسرةُ، واحتياجاتُ البيتِ والأسرةِ، مالئَةُ الأمكنةِ وزينتُها.

في شارعِ الشهيد أحمد قصير، حضورُ السكَّان عَبْرَ الانتماءِ المشترك، يُدهشُكَ وأنتَ تنظُرُ إلى واجِهة المبنى أمَامَك. ماذا نقرأُ؟ بدايةً؟ أيُّ حضورٍ للانتماءِ المشتركِ هو الأكثرُ تأثيراً؟ عجقةُ المكيِّفات، لوحةٌ تجريديةٌ؟ الستائرُ المُسَدلةُ وهي تتركُ فسحةً فعليَّة لتسلُّل الهواء؟ أسماءُ الدكاكينِ النافِرةِ والملوَّنةِ؟ «علي سليم» صالون للرجال (كوافّور يور أوم)؟ أم تسَلُّلُ هذا الإعلانِ الكبيرِ باللُّغةِ العربيَّة للدكتور «طارق حامد»، في طبِّ وجراحةِ الفم والأسنان؟ أمَ الصالونُ النسائي «دولتشي»، مُذكِّراً أمثالي بفيلم «لادولتشي فيتا»، ومجاوراً بفضولٍ فاقعٍ، الستارةَ المُسدَلةَ في المسكنِ اللَّصيق.

6) عودةُ الناسِ؟ في الحضوُرِ المميَّز للسياراتِ، وفي احتلالها للمَجالاتِ. تتركُ السياراتُ الطرقَ واسعةً، وتبتلِعُ تجاويفَ الأرصفة. إنه أحدُ المظاهرِ الرئيسَةِ للانتماءِ المشترك هنا، كما في مُعظَمِ شوارعِ بيروت الكُبرى، في مار الياس، وزقاق البلاط، والمصيطبة، والطريق الجديدة، أو في الضاحيةِ الجنوبيَّة. 

المشاة هنا في كلِّ الأمكنة، في الشوارع وقد أصبحت واسعةً، في الدروبِ الخفرةِ وهي كثيرةٌ، وفي المتبقي الضيِّق من الأرصفة. أمَّا السيَّاراتُ فتصطفُّ عموديةً على الطرق، بانتظامٍ شبهِ عسكريّ. قد تكونُ الأقسام المتبقِّيةُ من الأرصفةِ بعد قضمها، مُتفاوِتَة العرضِ في شوارع بيروت، إلا أنها تحوَّلت هنا إلى شريطٍ يكفي لعبورِ المارَّة أو المتسوقين، ولدخولِ الدكاكين. ربَّما بدتِ الأرصفةُ العريضةُ غير مرغوبةٍ بجانب بوَّابات المباني، أو أمام المقاهي الصغيرةِ الكثيرةِ الانتشارِ، مثل «لا ليغا» في شارع السيد عبَّاس الموسوي، و«V.I.P» في شارعِ الشورى، مثلاً. واللافتُ للانـــتباه أنَّ الأسماءَ كلُّها قد كُتِبَتْ بلغاتٍ غربية.

 

V

يقول لوكوربوزييه ما مَعناه: يجبُ علينا دائماً أن نقول ما نرى، ويجبُ علينا أيضاً، وهذا أكثرُ صعوبةً، أن نرى ما نرى. ويتساءَلُ الكاتبُ الفرنسي جورج بيرك قائلاً: كيف نتجوَّل في المجالاتِ؟ كيفَ نَرى؟ ماذا نصفُ؟ عندما نصفُ؟ وماذا نَرى؟ عندما ننظُرُ؟

كــــيف كــــان تجـــوالي في المجالاتِ؟ قبل الحرب وبعدها؟ أســـــألُ. أسألُكُم. هـــــل استطـــــعتُ أن أَرى الأمكنةَ عندما نظــــرتُ إليهــــا؟ هــــل نجحــــتُ في وصفِها؟ هـــــل نــــرى صورتَها ونحـــــنُ نقــــرأ النصَّ ونشـــــعرُ بدفءِ عــــودةِ النــــاس إليـــها؟


Script executed in 0.19652485847473