قبل الحمل كانت ليليان لا تأبه لشيء: "زوجي يحمل الجنسية الأميركية ولم أفكر للحظة واحدة في الهجرة إلى أميركا". أرادت أن تبقى في لبنان "وأعيش هنا، وأربي أطفالي في وطنهم، وأساهم في تطوير بلدي وبلدهم".
اليوم، تغير كل شيء. عادت السيدة التي تسكن في شارع عبد الوهاب الإنكليزي في الأشرفية إلى التفكير في خيار الهجرة: "يعني إذا رحت بشي إنفجار، مين بيربي طفلي؟ لمين بتركه؟". وتقول إن الضاحية هي المستهدفة اليوم و"لكنني أقصد الضاحية دائماً وإن بوتيرة متقطعة، أتسوق وأزور أصدقائي وأشارك في بعض الأنشطة فيها".
بالنسبة إليها، الأمن هو أمن لبنان وليس أمن منطقة بذاتها فحسب، "يعني الضاحية وين؟ مش بلبنان؟ مش منطقة من بلدي؟ أكيد بدي حس بعدم الأمان، خصوصاً مع الحديث عن أنها ليست سوى البداية".
"ليست سوى البداية"، تعبير يخيف ليليان ولكنه يجعلها تتروى في اتخاذ القرار: "يمكن تنحل الأمور، ما بدي أترك كل شي وروح". "كل شيء" هو حياتها وعملها ومنزلها وأصدقاؤها وعائلتها والتزاماتها التي تقوم بها بحماسة وحب وشغف. "مهما كان بتضل بلاد الغربة غربة، ما بدي نفل، بس بدي الأمن". الأمن هو الذي يرجح الكفة بالرغم من "مرارة خيار الغربة"، تقول.
في الضاحية، وبالتحديد في حارة حريك، يقود أحمد خليفة دراجته النارية بين السيارات العالقة في الازدحام. ركن الرجل الأربعيني سيارته أمام شركته "اليوم أصبح الموتوسيكل حاجة أمنية"، يقول، بالرغم من علمه أن الانفجار لا يميز بين المشاة والسيارات والدراجات أو الجالسين في محالهم. "بس هيك الحركة أسهل، والخسائر أقل، إذا صار شي بترك الموتوسيكل بأرضه، بس السيارة بتلبك"، يقول.
يرى أحمد أن الضاحية وناسها يعيشون تداعيات الانفجار على طريقتهم: "يعني لن يترك ابن الضاحية منطقته وينزح إلى منطقة أخرى في بيروت بسبب الانفجارات". يقول إن خيارات الناس "محدودة لأسباب نفسية واجتماعية واقتصادية وسياسية وحزبية أيضاً. وقد تكون أمنية في هذه الفترة بالتحديد".
يقول إن الإيمان هو جزء من صمود الناس: "يعني يلي مقدر بدو يصير. ويجب أن لا ننسى شعار البعض القائل إن شهادتنا كرامتنا، وعليه لا خوف أو هروب من الشهادة". يضيف أحمد الالتفاف حول المقاومة و"حزب الله" إلى أسباب صمود الضاحية والتخفيف من أثر الانفجارات عليها: "قد لا يكون الجميع مع حزب الله في كل شيء، ولكن هل هناك من يتخلى عنه في الضاحية؟"، يسأل أحمد ويجيب: "طبعاً لا، خصوصاً عندما تصبح القضية تحدياً".
"على العكس"، يرى أحمد أن استهداف الضاحية من دون غيرها "يزيد من التفاف الناس حول المقاومة، لا يمكن أن يقبلوا بتعريتها".
ولكن ماذا عن الأمن وخوف الناس على حياتها وحياة أطفالها، ولاسيما أن المدارس على الأبواب؟
تقول ريبال عباس إنها ذهبت بأطفالها الأربعة إلى الجنوب "سنبقى هناك إلى أن تفتح المدارس أبوابها وتنجلي الصورة أكثر". تعترف أنها خافت: "طبعاً الناس بتخاف، كل الناس بدها تعيش وما حدا بدو يموت، ما حدا بيحب الموت". حب الحياة أمر والقلق أمر آخر، وخصوصاً شعور الإنسان بأنه "مستهدف". "نعم يشعر أهل الضاحية أنهم مستهدفون، بل نحن فعلاً مستهدفين، وهل هناك دليل أقوى مما يحصل؟". وعليه، "ستكون الضاحية أقوى"، تقول ريبال التي تنفي نيتها الانتقال إلى مكان أخر: "وين بدنا نروح هيدي منطقتنا وفيها منبقى". تستند ريبال، مثل كثيرين غيرها، كما تقول، على الجيش والمقاومة في آن: "الجيش والحزب يأخذون أقصى درجات الحيطة والحذر وهذا يطمئن الناس إلى حد ما".
تقول جارة ريبال إن الأخيرة مطمئنة نوعاً ما لأنها أبعدت أولادها عن الضاحية حالياً "يعني أنت أولادك بالجنوب ورح تلحقيهم اليوم"، تقول السيدة التي كانت برفقتها. بالنسبة إلى فاطمة، جارة ريبال، فإن "الخطر موجود بالرغم من استنفار الحزب والجيش". وتسأل جارتها: "دخلك ما كانوا مستنفرين قبل تفجير الرويس؟"، لتؤكد أن "الاستنفار لا يعني الأمن مئة في المئة"، وعليه "نعم أنا خائفة، وهذا لا يقلل من نيتي "بالصمود، مش عيب نخاف، هيدا طبيعي، وكل هذه الإجراءات الأمنية تنم عن التخوف من انفجارات أخرى".
لكن الخوف أمر وقدرة فاطمة أمر آخر: "حتى لو خفت أنا باقية بالضاحية مع عيلتي وأولادي، وين بدنا نروح؟ شغلنا هنا، منزلنا هنا، مدارس أولادنا هنا واقاربنا هنا ومجتمعنا هنا... والانتقال إلى منطقة أخرى ليس كلمة تُقال".
إذا كانت تلك السيدة التي تعيش في منطقة سن الفيل في شرق بيروت خائفة من التفجيرات فما بال فاطمة وقريناتها. تقول سيدة إنها "مرعوبة" بالحرف الواحد. "يمكن بكرا يفجروا عنّا هون"، تعبّر عن تخوفها. و"عنّا" تقصد بها الضاحية الشرقية للعاصمة. لا تذهب سيدة إلى الضاحية إلا نادراً "يا ويلي رحت السنة الماضية ع معرض أرضي، مليح ما طلع إنفجار بوقتها". تقول سيدة إنها خائفة على أولادها وزوجها: "ابني كان معزوم ع عرس بالجنوب اتصل واعتذر. زوجي عنده طلبيات بمختلف المناطق ببيروت، قلت له ما بقى يروح صوب الضاحية، الله يستر من الأسوأ ويساعد الناس".
الخوف نفسه الذي تعيشه سيدة ينسحب على فاديا شحيمي التي تسكن بالقرب من جامع عبد الناصر في منطقة المزرعة. يتجزأ خوف فاطمة في مرحلتين: الأولى الخوف من "مواجهة سنية شيعية وبالتالي ستكون المزرعة خط تماس". وتخشى ثانية من الفوضى الأمنية وتنقل التفجيرات من منطقة إلى أخرى "يمكن نصير متل العراق، والنتيجة واحدة، سنكون جميعنا بخطر".
من المزرعة إلى الروشة ستعدل ميريام في جدول مشاويرها "سهر بالضاحية ما بقى في". هكذا جاءتها التعليمات من والدتها "جيبي صحابك لهون كل يوم بس وقفي روحاتك لهونيك" قالت لها بحزم.
منال نفسها، صديقة ميريام، قالت إنها ستمتنع عن السماح لرفاقها بإيصالها إلى منزلها عندما تتأخر ليلاً. تسكن منال في أخر شارع اوتوستراد السيد هادي نصرالله، ولا تريد أن تعرّض أصدقاءها للخطر "بيصير بيي يلاقيني ع مدخل الضاحية، ما فيي اتحمل مسؤولية حياة حدا".
اليوم تفكر منال في الانتقال للعيش مع جدتها في منطقة الحمرا: "شغلي برا الضاحية وكتير بطلع بالليل هيك أحسن ما إبقى ع الطرق، بعيش مع ستي".
تختلف وسائل التعبير ونظرة كل مواطن إلى التفجيرات والفوضى الأمنية التي نعيشها ولكن الهم مشترك وواضح: "يوماً بعد يوم نفقد الإحساس بالأمان وباقترابنا من حافة الهاوية أكثر فأكثر"، يؤكد سائق "السرفيس" الذي لن يوقف رحلاته نحو الضاحية. "إذا بقيوا السياسيين هيك، وإذا بقي الفراغ آكل البلد، كل لبنان ضاحية"، يقول الرجل الذي كان في الرويس قبل الانفجار بساعة، وكتبت له النجاة.
سعدى علوه