بعد انفجار بئر العبد في 9 تموز الماضي، لاحظ سكان الضاحية الجنوبية ازدياد الاجراءات الامنية المتبعة من قبل شباب "حزب الله"، حواجز هنا وهناك وسؤال عن كل غريب يدخل الضاحية. لكن الاجراءات لم تكفِ على ما يبدو، فكانت الجريمة الارهابية في 15 آب في منطقة الرويس والتي اودت بحياة 28 شهيدا ومئات الجرحى. استنكرت المرجعيات الرسمية الحادثة ومشت، وكأن القصة انتهت هنا ولا خطر بعد اليوم على مجتمع ذنبه بنظرهم انه حارب اسرائيل وانتصر عليها.
بعد الانفجار الثاني، شعر "حزب الله"، كما تقول مصادر مقرّبة منه، بأنّ تحرّكه واجب، فأطلقه أمينه العام السيد حسن نصرالله الشرارة حين أعلن في خطابه الأخير أنّ "حزب الله" لن يسكت وينتظر قتله ولن يسلّم رأسه لأحد. وفيما طلب السيد نصرالله من الاجهزة الامنية القيام بدورها وتحمل مسؤولياتها، كان لافتا أنّ الحزب بدأ من جهته ما اصطلح على تسميته بأنه "عصر إجراءات جديد".
سريعا، تكثفت الاجراءات الأمنية التي نفذها الحزب عند معظم مداخل الضاحية الجنوبية، فعلى كل مدخل نصب حاجز لتفتيش السيارات. يختلف عديد هذا الحاجز بين مدخل واخر حسب ضغط السير عليه اذ حتى الزواريب الضيقة لم تسلم من الحواجز. هنا الكل يتحمل المسؤولية، يقول احد شبان الحاجز في مار مخايل لـ"النشرة". ويضيف: "الضاحية عريننا وسندافع عنها بأنيابنا وسنفعل المستحيل لحماية امنها وسنبقى في الطرقات الى حين انتهاء خطر التكفيريين". ويضيف: "عزيمة الشباب على الحواجز كالفولاذ الصلب لا تنكسر فهم يعتمدون على الله اولا لانه الحامي وعلى دقة تفتيشهم للسيارات ثانيا".
لكنّ هذه الاجراءات اصطدمت بزحمات السير التي لا بدّ أن تخنق المواطنين، لكن هؤلاء يبدون بمعظمهم مرونة إذ إنّ للظروف أحكامها، ويذهب بعضهم للقول أنّ زحمة السير تبقى أفضل من "زحمة الموت"، على حدّ تعبير أحدهم. يقول سائق مرسيدس لجاره في الزحمة: "صار الي ساعة من الطيونة لمفرق مار مخايل بس هيدي اول مرة بكون عارف انو سبب العجقة مش مرور موكب فلان او مش معروف سببها، هالمرة سبب العجقة امننا وسلامتنا وحمايتنا". "الله يعطين العافية هني كل النهار والليل عم بضلوا عالطرقات معليش نحنا ننطر ساعة هون"، يجيبه سائق الفان. سائق اخر يقول في حديث لـ"النشرة": "لاحظ الناس هنا، ستجد الجميع متقبلين لزحمة السير، لان الانتظار في الزحمة افضل من الانتظار في المستشفيات او الموت". ويضيف: "يقولون اننا في الضاحية لدينا دولة ضمن الدولة، نعم هذا صحيح ونحن كشعب الضاحية نرحب بدولة حزب الله لانها الوحيدة المهتمة بنا والخائفة علينا وما نفع دولتنا ان كنا بالنسبة لها اعدادا فقط".
عند الحاجز تحصي 12 شابا يقومون بتفتيش 5 سيارات في وقت واحد ليحاولوا قدر الامكان تخفيف الضغط عن المواطنين. عندما تصل الى اول الحاجز تسمع صوت جهاز الشاب: "ابو حيدر ارسل لي من عندك 5 سيارات". ننطلق ونقف صفا واحدا على يمين الشارع فيستقبلك شاب يرتدي "عصبة" صفراء على زنده: "السلام عليكم، لو سمحت فتحلنا الصندوق وغطاء المحرك"، يفتش بتأن وينتهي: "لا تواخذنا الله معك".
حبذا لو ان الدولة اللبنانية قامت بواجباتها قبل التفجيرات، وحبذا لو ان اجهزتها الامنية متكاتفة ومتراصة ومصممة ان تدافع على لبنان كل لبنان دون الدخول في مهاترات سياسية تفسد القضية المركزية. لو تحملت الدولة كامل مسؤولياتها لما رأينا امناً ذاتيا نأمل ان لا يطول عهده لان الأمن والأمان هو من حقوق المواطن ومن واجبات الدولة. مخطط الارهاب بدأ، ومواجهته على اعلى المستويات بدأت ايضا من قبل الدولة والاحزاب والشعب، حرب ضروس قد تطول بين من يريد خراب لبنان وبين من يريد صموده.