يحتار من يشاهد برنامج “كلام الناس” هل أن ما يراه برنامج كوميدي بطله مقدم البرنامج مارسيل غانم أو منبر دعائي لتنظيم “القاعدة” ولتهديدات أمراء الحروب الأهلية، أم استسهال مهني لعرض صور مؤلمة عن تفجيري مدينة طرابلس شمال لبنان، واتاحة الوقت لـ”كلام” كل من يستطيع أن يبث ناراً في موقد الجمر المتوهج على مساحة هذا الوطن الصغير.
البرنامج الذي تتغنى بشعبيته المؤسسة اللبنانية للإرسال (LBC – LDC)، استضاف، مساء الجمعة، “الداعية” عمر بكري فستق متظللاً بعلمين للقاعدة على الرغم من حظر القانون اللبناني الترويج لجماعات تصنفها الأجهزة الأمنية الرسمية “إرهابية”، في وقت دعا فستق عبر منبر غانم تنظيم “القاعدة” و”جبهة النصرة” إلى مناصرة “التيار السلفي” في لبنان ضد الآخرين، فيما كان لافتاً أن نفي الداعية القاعدي لمسؤولية “التكفيريين” عن تفجيري طرابلس كان بالقول إن “التيار السلفي لا يمكن أن يضرب مساجده”، فهل أن هذا التيار يضرب مساجد ومناطق غيره؟ وهل أن التيار يصنف نفسه”تكفيرياً”؟….هي أسئلة كان من المفترض أن يطرحها الإعلامي البارز لكنه تجاهلها، ووقع فستق في تبرير آخر بأن مسجدي التقوى والسلام “يصلي فيهما أمراء محاور التبانة إلى جانب قياديي التيار السلفي”، من دون أن تثير المعلومة فضول البرنامج عن حجم رعاية “السلفيين” لأمراء الحرب في طرابلس.
ويسأل غانم بـ”سذاجة” ضيفه: “النظام السوري يقتل أو حزب الله؟ لأنو سمعنا أن حزب الله يرد!!!”، وكأن الإعلامي يريد، على ما يبدو، أن يضع سؤاله بموقع المعلومة التي يتلقاها ذهن المشاهد المراد أن تصل إليه كلمة برنامج “كلام الناس”، وهو ما استدعى تصحيحاً من ضيفه الخبير في الشؤون الإسلامية أحمد الأيوبي بأن “حزب الله ما زال بعيداً عن التفجيرات في الساحة الداخلية”، وإن حمله “مسؤولية بنصرته للنظام السوري”، وهو ما وافق عليه القيادي في تيار “المستقبل” علي حمادة بأن “من المبكر الحديث عن اتهام حزب الله”، إلا أن غانم واصل الإصرار، أمام القيادي الأزرق، على “كلامٍ عن دور لحزب الله في تفجيري طرابلس”، ليقفز، في وقت متأخر من الحلقة إلى وزير الاقتصاد نقولا نحاس، مستفهماً باستغراب عن تحميل “التكفيريين” المسؤولية عن التفجيرات، ربما على أساس أن “التكفيريين” أحد الأطراف السياسية اللبنانية التي لا ينبغي التطرق إليها.
مفاجأة أخرى سجلها البرنامج بمداخلة قائد محور “حارة البرانية” (احد محاور باب التبانة في طرابلس) زياد علوكي الذي زعم أن الأمين العام لحزب الله “السيد حسن نصرالله رد الصاع صاعين”، فهل أن الصاع الأول (تفجير الرويس) كان من مسؤولية من يدور علوكي بفلكهم من “تكفيريين” وجماعات تأتمر بأوامر دول إقليمية، متبنياً عن جهل أو عن قصد تفجير الرويس الذي عده “أول الغيث”، و”مبشراً” باعتداءات أخرى ضد الضاحية الجنوبية لبيروت، ومهدداً بأن لبنان سيصبح “عراقاً ثانياً”، من دون أن يستدعي ذلك سؤالاً من غانم ولو من باب رفع المسؤولية.
الإعلامي المحنك كان يذكر بـ”براءته الإنسانية” أن هناك “جثثا وشهداء وميتين على الأرض” في طرابلس، عندما يحتدم النقاش أو تخرج مداخلات مدير مركز “الارتكاز الإعلامي” سالم زهران عن المسار الموجَّه للحلقة، وهو ما لا يمكن أن يسعف غانم، الذي بدا في حلقته كمن يقدم برنامجاً فكاهياً، فقد تبادل النكات ضاحكاً بملء فمه مع حمادة خلال نزع خليوي الأخير عن الطاولة بعد تشويشه على البث، وقبل ثوان من الدخول في فاصل إعلاني كان مقدم “كلام الناس” يتشارك مع الضيف نفسه العبارات غير اللائقة والإيحاءات الجنسية إثر انقطاع الاتصال مع “الريجي”، من دون أن ينسى غانم أن يوزع ابتساماته متكلاً على “خفة دم” يفترض أن الناس يجدونها فيه.
وفي سياق الدراما التي يتحفنا بها البرنامج، عرض نجم قناة “ال.بي.سي.” صورة موجعة من مشاهد الانفجارين في طرابلس متحدثاً عن “ضرورة تحريك مشاعر الناس” لكن هل كان المقصود التجييش مغلفاً بالتعاطف وبلغة الحوار؟ لا ندري، لكن الحقيقة الصادمة أن إحدى الصور التي تدعو إلى “الغضب والثورة”، بحسب غانم، تعود إلى ضحايا حركة “20 فبراير” الاحتجاجية في المغرب، الذين تفحموا في حريق في أحد المصارف في مدينة الحسيمة الساحلية، بتاريخ الـ20 من شباط/فبراير 2011، وهو ما اقتضى توضيحاً من البرنامج في وقت لاحق بعد العاصفة التي أثارتها الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأقر غانم في نهاية الحلقة بأن أكثر المشتركين في برنامجه على المواقع الالكترونية كالوا الشتائم والانتقادات ضد الحلقة، ليبرر بأنه كمقدم تلفزيوني “ما الذي نستطيع أن نفعله”، لكن ألم يكن بالأجدى أن يستضيف في هذه اللحظة الحساسة، ممثلين عن “المجتمع المدني” وهيئات الإسعاف والإنقاذ وذوي وأقارب الضحايا والمصابين، تنفيساً للاحتقان وتهدئة للخواطر، بدلاً من حضور رؤوس حامية تزيد من لهيب الجرح اشتعالاً؟