«رزق الله على إيام البير»، لسان حال قرى البقاع بناسها وزرعها وضرعها، مع كل صيف تشحّ وتجفّ فيه الخزانات وترتفع أسعار صهاريج بيع الماء الجوالة.
في قرى البقاع، وإلى زمن غير بعيد مضى، كان في كل قرية مجموعتها من الآبار العمومية للشرب والري. «للبير» في القرية أهميته ومدلولاته الخاصة في حياة الناس؛ فقد كان ولا يزال في حالات عدة أكثر من مورد ماء، فهو ثمرة تضافر جهود أبناء البلدة وتعاونهم في حفره وبنائه، ومنه كان مثلهم القروي «ولد على بلاطة البير». يختزن ذلك «البير» ذكريات عديدة لحسناوات القرية اللاتي يحملن الجرار، والشبان المعاكسون يطلبون شربة ماء، فيما المراد الحصول على ابتسامة أو حتى نظرة. قديماً كانت «بلاطة البير» منتدى الرجال وموعد لقائهم للحديث عن مواسمهم وأرضهم ورزقهم، وحتى عن أحزابهم وجمعياتهم القروية.
أما اليوم، في أيام الحنفيات والصنابير والخزانات الجافة، وحالات الشح المائي، وسوء التدبير في مؤسسة المياه لجهة توفير الحلول لمشكلة المياه في القرى وتلوثها في قرى غرب بعلبك، وشكلها الأشبه «بالوحول» في بعض أحياء مدينة بعلبك، فتسجل عودة لافتة إلى «البير»، الذي يتسع صدره بالماء فلا يبخل على الصهاريج «وبورصة أسعار نقلة المياه»، فيما يلجأ البعض الآخر إلى تركيب مضخات على بعض الآبار العمومية، وحتى تلك الخاصة لدى جيرانهم، بقصد الإفادة من مياهها.
إلا أن «البير» مثلنا يشبه أبناء القرى البقاعية؛ فهو قليل الثقة بمؤسسة المياه، «ونواطيرها الفاسدين والمزاجيين» في تحويل المياه تارة للأقارب وتارة أخرى لمن تتقاطع مصالحهم معه، كما يؤكد غالبية أبناء القرى البقاعية. أما عن شبكات جر المياه وتوزيعها، «فحدّث ولا حرج»، وأقل ما يقال فيها أنها مُدِّدت على عجل من «أشباه المتعهدين»، فتراها تزخر «بتحويلات عشوائية لا معنى لها، وفي ظل عدم وجود «سكورة» عند بعض التقاطعات، فيما خصص لبض الأحياء قسطل ضخ «إنش»، ومنازل معينة تحظى بمفردها بقسطل ضخ «إنش»! قد تطول اللائحة بتعداد مشاكل المياه في البقاع، لكن على الرغم من ذلك كله، يظهر «البير» مجدداً على شكل منقذ للبعض، فيظهر كرمه ليعود أبناء القرى البقاعية وينهلوا من مائه، وإن اختلفت الصورة ما بين الدلاء والجرار قديماً، والمضخات والصهاريج حالياً. وبعد ذلك كله لا يسعنا إلا أن نقول: «رزق الله على إيام البير».