أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

بيروت التي يسكنها القلق

الخميس 29 آب , 2013 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,655 زائر

بيروت التي يسكنها القلق

عندما يرى الطفل هذا الجمع من الحمام الذي يتكتل مثل العسكر النظامي يجمع قبضتي يديه، يطلق صرخة عالية، ثم يركض بشكل عشوائي بينها. فتنتفض الحمامات وتصفق أجنحتها وما تلبث أن تعيد تموضعها في الساحة قرب مبنى مجلس النواب في وسط بيروت. تتكرر هذه اللعبة مراراً حتى تتعب يد الجدة ويملّ الطفل من الصراخ والركض من دون أن تتوقف الحمامات عن نقر حبات القمح. 

لكن ساحة النجمة لم تكن بلطافة هذا المشهد العائلي بالأمس. فعدد الحمامات التي تشارك في هذه اللعبة كان أكثر بكثير من الرواد الذين يتجولون في ساعة الظهيرة، والذين كانوا يعدّون على الأصابع. كانت المطاعم والمقاهي شبه خالية بالكامل. حتى أن عدداً منها لم يكن فيه كرسي واحد مشغول. 

يرفع المدير الشاب كلتا يديه تعبيراً عن واقع مرير. المطعم الذي يعمل فيه يتخلى عن خدمات عماّله واحداً بعد آخر. بدأ الهبوط الدراماتيكي مع الأزمة السورية وصار يتدهور أكثر فأكثر. ما كان يوماً 26 موظفاً باتوا خمسة الآن. والخير لقدّام. مطاعم الوجبات السريعة العالمية أقفلت أبوابها فاستُبدلت لافتاتها الشهيرة بملصقات على الواجهات كتب عليها «المحل للإيجار». 

تبدو بيروت بوسطها البرجوازي أو حتى بأحيائها الشعبية أكثر ما تبدو في هذه الأيام كامرأة تعيش مع قلقها على زوجها وأبنائها من الغد. تخاف عليهم من رياح الخطر التي تهب من كل صوب. خطر يأتي محملاً في الأساطيل العسكرية ومدرّعات التطرّف والعنصرية وإيديولوجيات الرأي الواحد. يرتجف قلبها الرقيق كل لحظة من احتمال تفجيرات ذاقت طعمها مراراً. تفجيرات تبلع أرواح ناسها أو تأكل أطرافهم فيصيرون ما لا تريد الأم أن تراه في أبنائها. أما من ينفذ منهم من كل هذا الخطر فيُطردون صاغرين، إذا ما أسعفهم الحظ، إلى بلاد الله المختلفة خلف كورنيشها الجميل ليدفعوا ثمن حبها شوقاً من بعيد. الكورنيش نفسه الذي صار أرضاً لبائعي الورود وماسحي الأحذية من عمر المدرسة، الآتون بمعظمهم من الجارة التي ينهشها الموت ككل بلدان هذا الشرق المتوحش.

تعودت المدينة أن تمسح وجهها بكف يدها مثلما يمسح الرجل الخائف الذي ينام تحت جسر الكولا العرق الحار عن جبينه كل بضع دقائق. تنفض الغبار عنها لتلتقط كوباً ساخناً من القهوة في ساحة ساسين نهاراً أو قدحاً من الكحول في شارع الحمراء ليلاً، متمسكةً بإيمانها الدائم بالحياة. لكن لا ساحة ساسين على طبيعتها في هذه الأيام ولا شارع الحمراء كذلك. ولا حتى أي منطقة أو شارع أو زاروب. فالمدينة، وعلى الرغم من الكثير الذي أصابها، مثلما أصاب الوطن الصغير، تبدو اليوم أكثر من أي زمن بعيدة عن مظاهر الحياة الطبيعية. شوارع رئيسية فيها مثل سليم سلام وفردان ومار الياس لا هي خالية ولا مكتظة. لا هي سعيدة ولا حزينة. حركة سير أقل من عادية على ما يقول سائق الأجرة، الذي انشغل عن زبائن محتملين بأخبار التحضيرات لقصف سوريا في الراديو المهترئ. الحركة التجارية بليدة. صارت الناس تخاف من السيارات التي انقلبت وحوشاً نائمة قد تستفيق في أي لحظة لتنهش ما حولها. أناس المدينة نفسهم حائرون. كأن قوة عملاقة حملتهم ورمت بهم في خيمة سيرك فأصابهم التعجّب مما يشاهدون. تحــــمل بيروت حــــيرتها من مجهول يغزو الشرق كلّه، وتنتظــر.

تبدو المدينة كأنها مفتوحة على خطر آتٍ لا تريده، كما أن معالمه الكاملة لم تتضح بعد. تنتظره بقلق بالغ. وبيروت في العادة مدينة جميلة يطيب التغزّل بها والكتابة عن عشقها للحياة حتى في الأزمان الصعبة. لكن هذا الأمر لا يبدو أنه واقعي اليوم. إذ لم يتبق كثير من المساحة لهذا النوع من «الترف» في اليوميات. 

فالحرب تحيط بنا من كل مكان.

يوسف حاج علي


Script executed in 0.16790390014648