أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

مهنة التصوير تختفي.. وعمر في محله

السبت 31 آب , 2013 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,126 زائر

مهنة التصوير تختفي.. وعمر في محله

 تراجع في المرتبة إلى الخلف. تقريباً، مثل التقسيم الهندسي للمحل الجديد. إذ صار مكان التصوير خلف مدخل يهيمن عليه الهاتف الخلوي ولوازمه. الفصل بين المكانين ليس تاماً. لكنه مُعبِّر. يعني، هذه دراما. ترك حرفة تجارية إلى تجارة بلا حرفة، كمثل محال الهواتف ليس أمراً هيناً. لكنّه مسار شائع. وخلف في انتقاله يشبه نفسه تماماً. لكنّه، على الأقل، لم يترك سيرته خلفه. حمل كاميراته، القديمة والجديدة، كلها معه. ووجد مكاناً للتصوير بين التلفونات. لكن روح «البنزنس» تغلب دائماً. لا تحمل هذه الكلمة مدلولاً سيئاً. تساير الواقع فحسب. إذ تبدو استديوهات التصوير، في الراهن، ديكورات جميلة للمحال المجاورة. زينة وصور ناس، ليس أكثر.

لا يبدو المحل الجديد، من خارجه، استديو تصوير. احتلت لوازم الموبايل واجهته الزجاجية. الكاميرات القديمة، الموزعة في الداخل، دليل أولي على هوية المحل. وكذلك إطارات الصور. والرجل نفسه الجالس خلف مكتبه. إنه عمر خلف. وهذه شغلته منذ العام 1972، وفي المكان نفسه. 40 سنة، تقريباً، قبل أن يزيح عنها قليلاً. لكنّه قبلها كان في الكويت. وقبلهما في الأردن، الذي وصل إليه أهله بعد نكبة فلسطين. وحصلوا على جنسيته.

اشتغل والده في النظارات الطبية وعدساتها. فتح محلاً. وكان عمر معه. لاحقاً، ولقلة الخبرة، صار أصحاب الكاميرات يسألونه عن عدسات خاصة بالكاميرات. كانت هذه، في وقتها، تُركب تركيباً. يحمل المصور معه عدسات كثيرة. وكل واحدة تناسب استخداماً معيناً. لم يكن «الزوم» قد استعمل بعد. طوّر الوالد صنعته. وصار مهتماً بالكاميرات. ومثله كان عمر. نقل، لاحقاً، المحل إلى مكان أوسع. كان في الأساس استديو تصوير. المكان كبير. هكذا، اقترح الأب على المصور أن يبقى في المحل. وهكذا صار. راقب عمر المصور. دخل إلى الغرفة السوداء، وتفرّج. خرّب له أوراق الصور. كان لا يعرف أنها تفسد حين تتعرّض للضوء. ثم حصل على كاميرا.

بيت كبير في الكويت

اقترب خلف من الانتساب إلى الجامعة. كان يفكر في التخصص في الكيمياء. لكن، فجأة، تغير كل شيء. كان قريبهم وزيراً للإعلام في الأردن. أخبرهم عن فريق سينمائي ألماني. كانوا يحضّرون لتصوير فيلم وثائقي عن البلد. اهتم عمر، وطلب من قريبه أن يرافقهم. وهكذا صار. طورت الأسابيع القليلة علاقته بهم، ورغبته في السينما. قال إنه أحب الفكرة. استفسر منهم عن إمكانية التخصص. نصحوه بتعلم اللغة الألمانية. ثم يسافر إليهم بعد أربعة أشهر. وبدأ التحضير. لكن أخوته نصحوه بالسفر إلى الكويت في هذه الأشهر. يتعلم اللغة ويساعدهم في عملهم الجديد. وهم كانوا، مثل والدهم، قد أسسوا شغلاً في العدسات. سافر وبقي. والأشهر الأربعة صارت عشر سنوات. 

غيّر إعلان وظيفة في الجريدة، في العام 1964، كل شيء. «مطلوب مصور تقني». قال أجرّب. لكن عينه كانت على البيت، الذي تؤمنه له الوظيفة. كان بيتاً محرزاً، يقول. وهذه روح «البزنس» أيضاً. إذ تبدو، في أوليتها، لا تعامل الزمن إلا في حاضره واستقراره. والتجربة، التي لن تخسّره شيئاً، صارت وظيفة في «شركة نفط الكويت». قُبل في الوظيفة. وطارت ألمانيا.

استقر في عمله. كان يصور نشاطات الشركة. افتتاح، غداء أو لقاء وتوقيع اتفاقيات، أو الإنشاءات الصناعية. لكن هذه التجربة أمنت له خبرة مهمة. ليس في التصوير فحسب. إذ إنه استخدم أفضل التقنيات والأدوات في التصوير. لكنّها أيضاً أمّنت له معرفة في النفط نفسه، وكان في حينها «معجزة» هذا العالم. تجربته الأبرز كانت تصوير احتراق بئر نفط، في العام 1968، بعد خطأ تقني. بقي 45 يوماً في الصحراء. وصلت الشعلة إلى نحو 40 متراً صعوداً. والأرض ترجّ على بعد 5 كلم. والضغط والحرارة قويان. استخدم «بلدوزر»، فيه غرفة مخصصة، من أجل أن يصوّر. لكن كان الماء يرش، من مضخات، بشكل متواصل على «البلدوزر». وإذا توقف يحترق كل شيء. لكن في سنة 1971 بدأت سياسة «التكويت»، أي استبدال الموظفين الأجانب بموظفين كويتيين. هكذا، فضّل، وهو المتزوج من ابنة خالته اللبنانية، المجيء إلى لبنان.

شارع مدام كوري

كان البزنس أيضاً خياراً. راقب بيروت وقرر. وكانت البناية جديدة. دخل وسأل. وزار، بعدها، الحاج عبد القادر منقارة. قال له إنه يريد استئجار المحل رقم 6. وكان الزبون الأول. طلب الحاج 50 ألف ليرة. لكن خلف لم يقبل بالمبلغ. قال إنه أخذ أوليته بين الزبائن كضرورة لتخفيض المبلغ. كان الحاج طيعاً، كما نفهم. قال خلف إنه غداً سيأتي بالمبلغ في ظرف «وستقول لي مبروك». وهذا ما حصل. لم يعترض الحاج على العشرين ألف ليرة كقيمة إيجار. لكن خلف كان قلقاً. ليس لبنانياً. والسوق فيه أسماء كبيرة. يسمّي فاهي وعادل وبرامونت كأنها علامات خاصة. ونحن الذين ولدنا، في أزمان أخرى، لا نعرف عنها شيئاً. لكن أسماءهم، التي تطبع على البياض الخلفي للصور، كانت علامة فنية. وأبرزها كان موضة وتفاخراً. كأن الناس كانوا يعيشونها أكثر من اللزوم.

وجد خلف مكاناً بين الأسماء. وصار اسماً له زبائن. كان يشتغل من التاسعة صباحاً حتى الخامسة، من دون توقف. لكنّه، في عمليته، لا يقول كثيراً عن شغله. لا يغرق في التوصيف ولا تأمل صوره. يقول إنه يحب. وتحديداً يحب تصوير الوجوه. «والشغل يتطلب معاملة جيدة، ونوعية صورة». وخلص. يكفي أصلاً. وهو، في تمتين حضوره، استخدم تنقية جديدة. أو الأصح أسلوباً بلا تقنية. قال إنه استعمل «النور الرباني»، وفق تسميته. يشرح لسائله، فلا يصدقه. لم يستعمل إضاءة أخرى. كان مكان التصوير قريباً من الواجهة الزجاجية التي تطل على الشارع. يأخذ انعكاس ضوء الشمس، ويصور. لم يستخدم غيره هذا الأسلوب، وفقه. وهو، لئن كان مقتنعاً، أن الجمال في الشكل موجود عند الجميع راح يظهره كأنه شغل صوره فحسب. «لا تجمّلوا أنفسكم»، يقول لزبائنه. إذ لكل شخص «زاوية الجمال الخاصة» التي يمكن تصويرها. ويروي أن منافسيه كانوا يرسلون ناساً ليعرفوا كيف يصوّر. وهم، مثل غيرهم، بعد أن يصوّرهم لا يصدقون أنه لا يستعمل تقنية خاصة. 

أقل من ربع ساعة

لكن الزمن تغيّر. وتوقف عن استعمال هذه التقنية. قال إن الناس ما عادت تهتم بـ«نوعية وكلاسيكية الصورة». يفضلون اللقطة. وهو، على ما يروي، في زمنه السابق كان يظل يصوّر زبونه حتى يرضى عن صورته. يستعجل، اليوم، الناس الحصول على صورهم، في أقل من ربع ساعة. «وكلها تشبه بعضها». يتفهم. كأنه من طبيعة الأشياء. «صار كل واحد منا يملك كاميرته الخاصة»، والناس يقبلون الآن «الصورة المقبولة، وليس الصورة الكاملة». كان خلف يستقبل يومياً أكثر من 80 فيلماً للتحميض. انتهت هذه الموضة. وصار اللجوء إلى استديو التصوير مسألة عملية. صورة لجواز سفر، مثلاً. لا أكثر. حتى في الأعراس، ما عاد الناس يلجأون إليه. نشأت شركات تختص بكل شؤونها. ليس راضياً تماماً. يعرف أنه «تراجع للصورة». ربما. لكنه، في هذا المعنى، ينقل عن بعض زبائنه ندمهم لعدم استعانتهم به في أفراحهم.

قبوله، بما جرى، مثل سيرته. لا يبدو فيها مكاناً لمغايرة الواقع. الرجل مسالم. إنه، كما جاء في لغته، «يتبع الواقع ويقبل به». يشبه نفسه تماماً. لم يصور في الحرب خارج محله. قال إنه لا يحب غير الفرح. ثم قال، وقد شرد قليلاً، إنه ندم لأنه لم يصور. لكنه تراجع سريعاً. واحتمال استنفاعه من فلسطينيته، عبر دخوله «منظمة التحرير الفلسطينية»، المهيمنة آنذاك، كان خياراً بعيداً عنه. لم يكن يريد أي علاقة بالمتورطين بالحرب. قال إنه قرر أن يبقى ملتزماً بالقانون، منذ قدومه من الكويت. لكن الحرب والقانون لا يستقيمان. هكذا، التزم بقانون الحرب وحده. صار يقفل محله في منتصف النهار. وهذا أفضل ما يمكن أن يقوم به من لا يرى في الحرب شأناً يخصه.

العلاقة بالزبون

لا يمكنني أن أتخيل صورة الزبون، كما تحضر في حديث خلف، إلا لرجل كبير في السن. يقول، مثلاً، علاقتي بزبائني هكذا. ربما هو تأثير جيل خلف نفسه. لكنه، في مدى أبعد، اعتقاد أن زبائن أجيال أخرى لا يكونون علاقات حميمة بمصورهم. يتنافس المصوّرون، في ما بقي لهم من نفع في الراهن، في المدى الأقصر للتصوير واستخراج الصور. هكذا، كأن الحديث ممنوع عليهما. على العكس، يظهر زبائن زمن آخر كأنهم يقدرون حضورهم في الاستديو ويمنحونه معنى مغايراً. أو، تقريباً، معنى تاريخياً. وفي سياق واحد كأن لسانه الحلو يحضر من عالم آخر. إذ يستقبلك، بعد أن تفتح الباب، بـhello sir فرحة. وهو، إذا استأنس بالزبون، يروح ينصحه ويخبره. والزبون، وهو قريب لجيل خلف، الذي طلب إطاراً لصورة عائلية تجمعه بأبنائه وأحفاده، تحول بعد دقائق قليلة من «حوار محب» إلى استعراض لوحاته الفنية مع خلف، ومشاريعه، ونسيَ سبب حضوره الأول. ربما.

عاصم بدرالدين


Script executed in 0.18638586997986