لا يخفي الاوروبيون «قلقهم الشديد» على لبنان. هواجسهم ترتبط بالتبعات المحتملة لسيناريو الضربة العسكرية الاميركية المتوقعة ضد سوريا. التوترات الامنية في لبنان وأزمة النزوح اليه من سوريا، تترافق كلها مع مخاوف من غموض سيناريو الضربة وتردداتها، ويزيد كل هذا هشاشة الوضع اللبناني. في الوقت نفسه، اختار الاوروبيون توجيه رسالة سياسية ايجابية. منحوا مساعدات اضافية للبنان، ليؤكدوا ما قالوه سابقا، عن أن ادراج الجناح العسكري لـ«حزب الله» على قائمة منظماتهم الارهابية لن يؤثر سلبا على تعاملهم مع الحكومة اللبنانية.
هذا ما ينقله مصدر ديبلوماسي واسع الاطلاع على النقاش الاوروبي حول لبنان. يؤكد المصدر أن الاوروبيين يبدون «قلقا شديدا من تداعيات الضربة العسكرية المحتملة، من قبيل زيادة عدد اللاجئين من سوريا أو اشتعال توترات أمنية». يوضح أن هذه القلق «يأتي في إطار التوجس من ردود الفعل الاقليمية على الضربة، ووضع لبنان جزءا من هذه الحسابات»، ويضيف أن «أية خطوة دراماتيكية سيكون لها ارتدادات واسعة، في أي اتجاه؟ هناك غموض تام، وهذا يتوقف على طبيعة الضربة ومدتها».
لا يخلد الاوروبيون لتطمينات الاميركيين بان الضربة ستكون محدودة. يقول المصدر نفسه إن مخاوف الاوروبيين هي ألا يكون حساب الحقل مطابقا للبيدر، ويوضح أنه «ليس بهذه السهولة يمكن أخذ قرار ضربة نظيفة وأن يكون تنفيذها من دون تداعيات غير محسوبة». وفي هذا السياق، تبدو «أقل السيناريوهات تشاؤما» سقوط ضحايا من المدنيين، وموجات نزوح كبيرة باتجاه لبنان. كل هذا من دون احتساب ردود فعل الاطراف الاقليمية المباشرة، أي حلفاء النظام السوري ومناوئوه.
هنا يشير المصدر إلى تساؤلات يساورها الغموض، ولا يجد الاوروبيون أنفسهم قادرين على اتخاذ موقف موحد منها :«هل ستكون اهداف الضربة عسكرية فقط. ماذا اذا استهدفت مقرات للسلاح الكيماوي». لذلك، تركز مؤسسات الاتحاد الاوروبي على الحل السياسي، والسعي لحل قضية الكيميائي ضمن أروقة الامم المتحدة. حتى أن رئيس الاتحاد، هيرمان فان رومبوي، ناشد الامم المتحدة أن تصدر بشكل عاجل «تقريرا مؤقتا» عن نتئاج عمل فريق تحقيقها. قال ذلك مباشرة بعد خروجه من اجتماع زعماء مجموعة العشرين.
ومع كل توتر اقليمي، تتوجه الانظار إلى المخاطر المحدقة بقوات «اليونيفيل»، خصوصا في ظل وجود جنود فرنسيين تؤيد حكومتهم العمل العسكري ضد سوريا. لكن المصدر ذاته يؤكد أن الاوروبيين مرتاحون في هذا الخصوص، ولا يساورهم «قلق جدي»، موضحا أن «هناك تطمينات من كل الاطراف، وهذا موضوع خارج الابتزاز السياسي. ثمة اقتناع لدى الجميع ان وجود اليونيفيل من مصلحة كل الاطراف، ولا أحد مرشح لأن يغامر بوجود القوات الدولية».
يشير المصدر الواسع الاطلاع الى أن القلق هو «أشمل وأوسع مدى»، أي على مستوى الاقليم كله، ومن هنا مكمن التخوف على لبنان «لأن وضعه بالاصل هش، فهناك فراغ سياسي ناتج عن عدم تشكيل حكومة، إضافة الى وجود مشاكل أهلية متولدة من ارتدادات الجو الطائفي والمذهبي المحتقن».
هكذا يجري تداول وضع لبنان، أي على خلفية أن الضربة العسكرية بحكم الحاصلة. يقول المصدر «أعتقد أن كلفة عدم الضربة أكبر من كلفة الضربة بالنسبة للاميركيين»، ويضيف «كل التحشيد الذي قاموا به جعلهم يصعدون شجرة عالية، والان باتوا يحتاجون الى سلم طويل جدا لينزلوا عنها. لقد صارت أسباب الضربة الان غير محصورة بموضوع سوريا، بل بصورة أميركا بالعالم».
السؤال التلقائي هنا، هل هناك تحرك جدي لتوفير «سلم نزول» للاميركيين، يجنب المنطقة محك الضربة، خصوصا مع الاعلان عن موعد زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى موسكو الاثنين المقبل؟
يرد المصدر: «الجميع يعرفون الان. الاوروبيون وغيرهم، أن هكذا «سلم» مسؤولية روسيا. المخرج الوحيد يمكن أن يؤمنه الروس. واضح أن الضربة تحتاج الى مقومات. ستكون ضربة ضعيفة دوليا، فمن دون الولايات المتحدة وفرنسا لا توجد دول تعطيها وزنا وزخما بعد خروج بريطانيا». يضيف «بغير توفير مخرج معتبر، سواء بصوغ عودة قوية إلى «جنيف 2» أو بتسوية صادمة، ستبقى قضية الضربة مثل من اخرج المارد من القمقم، لذلك سيقوم بها الاميركيون حتى لو على سبيل ضربة بالتراضي».
وفي سياق التحرك الاوروبي تجاه لبنان، صدرت قبل أيام اشارة ايجابية. اختار المفوض الاوروبي لشؤون التوسع والجوار الاوروبي، ستيفان فيولا، الاعلان عن 22 مليون يورو، كمساعدات مالية اضافية، خلال استقباله رامي مرتضى سفير لبنان في بروكسل. يشير المصدر إلى أن ذلك أتى استجابة لجهود القنوات الديبلوماسية. فالقصد مما جرى هو «ارسال اشارة سياسية ايجابية»، بأن تعاون الاتحاد الاوروبي ومساعداته للبنان هي بالفعل لن تتأثر بتصنيف جناح «حزب الله» العسكري على القائمة الاوروبية للمنظمات الارهابية.
الاوروبيون سيواصلون هذا المنحى الايجابي، ويلفت المصدر الانتباه إلى أنهم قرروا أن يكون تمثيلهم رفيع المستوى في مؤتمر «اصدقاء لبنان»، الذي سينعقد في الخامس والعشرين من الشهر الجاري في نيويورك، كما ستشارك وزيرة خارجية الاتحاد كاثرين آشتون والمفوض فيولا والمفوضة الاوروبية للتعاون الدولية والمساعدة الانسانية كريستالينا جورجييفا.
المساعدات الاضافية الاوروبية ستتوزع كالآتي: 8 مليون يورو لدعم الاجهزة الامنية تحت عنوان تعزيز الشفافية. سيذهب 10 مليون يورو لدعم مؤسستين، الاولى، المديرة العامة للاحصاء لتتمكن من الحصول على قاعدة بيانات أفضل، والثانية الى مديرية الضمان الاجتماعي لكونها على تماس مع شرائح اجتماعية فقيرة. يبقى 4 مليون يورو ستخصص لدعم أوضاع اللاجئين الفلسطينيين.