أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

لماذا تشغل المقاومة بال الأميركيين أكثر من ردّ سوريا وموسكو وطهران؟

الإثنين 09 أيلول , 2013 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,302 زائر

لماذا تشغل المقاومة بال الأميركيين أكثر من ردّ سوريا وموسكو وطهران؟

ابراهيم ناصرالدين 

«المراوغة» السياسة، والتشاطر، ووصول بعض السياسيين الى مرحلة اطلاق «الكذبة» وتصديقها، سمات تبدو مشتركة بين قيادات قوى 14 اذار في لبنان، والادارة الاميركية ومن يمثلها في سفارة عوكر، واخر نموذجين في هذا السياق، ما قاله رئيس كتلة المستقبل النيابية فؤاد السنيورة عن عدم رهان فريقه على الضربة العسكرية الغربية لسوريا، وضرورة تحييد لبنان عن هذه الحرب، وارفاق كلامه بالحديث عن فرصة تم اجهاضها من قبل فريق 8 اذار لتشكيل حكومة سياسية. وفي السياق نفسه يندرج كلام السفير الاميركي الجديد لدى لبنان ديفيد هيل بعد تقديم اوراق اعتماده الى رئيس الجمهورية ميشال سليمان ولقائه رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي، والرئيس المكلف تمام سلام، حين قال ان الموضوع الرئيسي خلال لقاءاتي كان متعلقاً بالوضع في سوريا، مدعيا ان ادارته تركز بقوة الان على عزل لبنان عن اي مضاعفات، مذكرا بسياسة النأي بالنفس الواجب الحفاظ عليها.

اوساط سياسية مطلعة، تشير الى ان الهّم الاول والاخير الذي يجمع الطرفين على «الكذب» هو السؤال عما سيفعله حزب الله اذا ما شنت الولايات المتحدة ضربات محدودة او واسعة على النظام السوري؟ واستطرادا سؤال اكثر اهمية يتعلق بماذا يمكن ان نفعل لنقيد الحزب ونمنعه من التدخل في الحرب؟ طبعا كلا الطرفين لا يملكان اجابة واضحة عن اسباب «صمت» حزب الله المطبق عن خياراته، وعندما زار هيل مستطلعا أراء المسؤولين عن هذه القضية، فوجىء بأن معلوماته لا تقل ضحالة عن معلوماتهم، وللوهلة الاولى شعر انهم يحاولون الرد على كلامه الديبلوماسي حول احتمالات الضربة ومداها، بكلام ديبلوماسي من العيار نفسه، لكنه اكتشف لاحقا ان اياً منهم لا يملك اي معلومة مفيدة، وقد تم ابلاغه صراحة أن الرئيس سليمان حاول خلال لقائه الاخير مع رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد تلمس موقف حزب الله من هذه المسألة، الا انه لم يحصل الا على اجابات عامة لا «تغني ولا تثمن من جوع»، فعاد هيل الى عوكر ليكتب اول تقاريره العاجلة الى وزارة خارجيته، وفيها الكثير من الاحتمالات والقليل من المعلومات، ويمكن القول ان مواجهته الاولى مع حزب الله قد باءت بالفشل.

أما لماذا هذا الاستنتاج؟ فالجواب بسيط، تقول الاوساط، فالتقرير لم يتضمن اجابات عن اسئلة طالبت بها واشنطن قبل ساعات قليلة من جولته، ومنها معلومات عن المناورات العلنية «لوحدة الصواريخ» التي تقصّد حزب الله تنفيذها في وضح النهار،على امتداد القرى الحدودية مع «اسرائيل»، وتحت انظار طيران الاستطلاع الاسرائيلي؟ والسؤال المركزي في واشنطن كان عن اهداف تحريك هذه «الوحدة»؟ هل كانت «رسالة» أم «تكتيكاً للالهاء» بينما التحرك الجدي كان في مكان اخر؟ هل سيقاتل حزب الله في سوريا فقط او انه يجهز الساحة اللبنانية لتكون ضمن «الجبهة» ؟ولذلك تمحورت الاسئلة عن حركة مقاتلي الحزب من والى سوريا؟ هل زاد العديد في الفترة الاخيرة على الجبهات السورية؟ ام ان الحزب سحب عدداً من مقاتليه لتدعيم الجبهة الداخلية في لبنان؟ هل ارتفعت وتيرةحركة نقل الاسلحة والعتاد من سوريا الى لبنان؟ وما هو وضع قوات اليونيفيل في الجنوب، وما تأثير التدخل العسكري في سوريا على مهمتها؟ اما الاجابة عما سيكون عليه رد فعل المسؤولين اللبنانيين ازاء اي تحرك مستقبلي لحزب الله اذا ما حصلت الضربة ضد سوريا، فهنا حصل السفير الاميركي ايضا على «لا جواب».

هذا الاهتمام الاميركي- الاسرائيلي، بموقف حزب الله لم يأت من فراغ، تضيف الاوساط، وأهميته تتجاوز معرفة رد فعل ايران وروسيا وحتى دمشق. قد تكون هذه المعلومة مثار استغراب، لكن بعض التأمل في دخول حزب الله الى صلب نقاشات لجنة الشؤون الخارجية خلال استجواب «الثلاثي»، كيري، هيغل وديمبسي، يعطي مؤشرا عن اهمية الحزب في المعادلة الراهنة في المنطقة. فاين تكمن اهميته؟ اهمية الحزب لا تكمن في قدراته القتالية والعسكرية «المجربة» سابقا في مواجهات مباشرة في لبنان وفي سوريا، ولا تكمن فقط في قدراته الامنية المجربة ايضا في اكثر من ساحة مواجهة، لكن اهميته في هذه الحرب المفترضة تكمن في قدراته التكتيكية التي تمنحه اياها طبيعة تكوينه، فهو يملك مقومات «الدولة» لكنه ليس «دولة»، ويملك ايضا مقومات الجيوش النظامية، لكنه ليس جيشا نظاميا، ويملك قدرات تلك الجيوش ولكن هرميته القتالية تمنحه «الليونة» في الحراك ما يجعل «جسمه» خفيف الحركة، على عكس ثقل الجيوش النظامية.

هذه الصفات لا تشكل وحدها سببا لمنح حزب الله تقدما على حلفائه في هذه المرحلة، وليست وحدها التي تجعله تحت «مجهر الخصوم»، فاهميتها تكمن في انها تقترن اليوم بطبيعة العدوان الذي تخطط له الولايات المتحدة، فحسابات واشنطن وتل ابيب تنطلق من رؤية مفادها، ان ردود فعل موسكو معروفة وغير ملتبسة، وتنحصر في الدعم اللوجستي والتقني للجيش السوري.أما رد دمشق فسيكون محسوبا ضمن معايير محددة تضعها عادة الدول في ادارة معاركها، فأذا كانت الضربة محدودة، كما يسوق لها الاميركيون، فأن التوقعات ترجح عدم حصول رد من الجيش السوري، لأن الخيارات السورية ستكون محسوبة بدقة وستنطلق من معادلة مفادها «اذا كانت واشنطن لا تريد التورط في النزاع، وتسعى فقط لحفظ ماء وجهها، فلماذا نجرها الى ساحة القتال ونجر معها اسرائيل؟». «ولماذا نسبب الضرر للبنى التحتية السورية؟ وكما يقول المثل الشعبي المصري «ضربة تفوت ولا حد يموت». وهو ما ينطبق ايضا على حسابات طهران التي ترجح الاوساط الاميركية والاسرائيلية عدم وجود مصلحة لديها في فتح جبهة انطلاقا من اراضيها، خصوصا اذا كانت الضربات على سوريا لا تغير في موازين القوى. لكن ماذا عن حزب الله الذي يملك هامشا واسعا للمناورة؟ وما هي الضمانات انه لا يملك خيارات موازية لما تسميه واشنطن ضربات محدودة؟ فهو تدخل في القصير وغير المعادلة، وتدخل في مدينة حمص فاستعاد الجيش السوري معظم وسط سوريا، ووضع ثقله في ريف دمشق، فبات «قاب قوسين» او ادنى من السقوط. وهنا مبعث القلق لان السؤال متعلق بما يمكن ان يفعله الحزب الان من خارج الحسابات الموضوعة على الطاولة؟ خصوصا ان مساحة انتشاره قد توسعت وهي تبدأ في الناقورة ولا تنتهي في الجولان. وتضع واشنطن وتل ابيب اكثر من «خط» تحت الجولان كجبهة مرجحة للرد «المحدود» على الضربة «المحدودة».

طبعا ستبقى الاسئلة دون اجوبة، وسيبقى البحث مستمرا الى ان تقع الحرب او يقرر الامين العام لحزب الله «لغاية في نفسه» تقديم بعض الاجابات لاحقا. وفي الانتظار قررت السعودية مع فريق 14 اذار محاولة تقديم اجابة عن سؤال عما يمكن فعله «لكبح»جماح حزب الله؟ وهنا جاء التسويق لفكرة القبول بمشاركة حزب الله في الحكومة المقبلة، وكان الرهان قائما على امكانية تطويع الحزب وتأطيره داخل حكومة «وطنية» تلجم اندفاعته، خصوصا ان بعض «العباقرة»في هذا الفريق قد راهن على امكانية قبول الحزب بمعادلة «ثلاث ثمانات»، بفعل «وضعه الصعب» عشية الضربة الاميركية، خصوصا اذا ما تم «الترويج» بشكل صحيح لتنازل هذا الفريق عن نظرية «العزل»، فيما ارادتها السعودية اختبارا جديا لوضع الحزب راهنا. لكن رد حزب الله كان واضحا لا يقبل التباساً، «لا أحد يمّن علينا «بالاعتراف» خصوصا اذا كانت وطنيته موضعا للشك، أما شروط تشكيل الحكومة فهي لم تتغير، فمن يقبل بها «اهلا وسهلا» ومن لا يريد «مع السلامة». فالحزب غير مستعجل لكنه ينتظر ان ينتهي السنيورة من مناوراته، لكن ما «يؤرق» الحزب هو معرفة على ماذا يراهن «التيار الازرق»، اذا كان لا يراهن على ضربة اميركية لسوريا!؟ 


Script executed in 0.17109203338623